الفارق كبير بين الموظف والقائد. الأوَّلُ يدير الأزمة فينفذ ما يُطلَبُ منه، ولا يسعى إلى تكوين رؤية إنقاذية. الثاني يسعى إلى أن تكون له رؤية استشرافية، ويعمل على وضع الخطط لمعالجة الأزمات، ولا يتصرَّف بأسلوب الموظف الذي ينفِّذ الأوامر فحسب، بل بروح القيادة التي تتطلَّعُ إلى التطوير والتغيير.
هذه الفجوة بين مفهوم الموظف ومفهوم القائد، هي أحدُ أسبابِ الابتلاء السياسي في لبنان، وهي التي عبَّرت في السابق، وتعبِّر الآن عن المأزق الوطني حيث توجد عندنا سلطة وظيفية مرتهنة في أعلى الهرم، ولا توجد في قلبِه وقاعدتِهِ دولةٌ مستقلةٌ سيدةٌ. تلك هي الحقيقة المرَّةُ التي ظهرت منذ إعلان الكيان اللبناني قبل ما يزيد على قرن. ومنذ ذلك الحين، توالى الرؤساء، تعييناً وانتخاباً مسرحياً، ابتداء من شارل دبًّاس عام 1926 حتى اليوم. والخطير جداً أننا قلَّما نجد فرقاً نوعيَّاً بين العهود الرئاسية والحكومية، السابقة منها والحالية، بل إننا نعيش في التشابه المخيف، والتدحرج العنيف، والتقلُّب ضمن العقلية الوظيفية للسلطة بعيداً عن روح القيادة، مثلما كان عليه الأمر في مجلس إدارة “المتصرفيَّة” قبل مئةٍ وخمسين عاماً.
اليوم نعيش أزمةً وجوديةً مُعْضِلَةً. ولو أنَّ السلطة أرادت أن تخرج من فكر الوظيفةِ إلى فكر القيادة لكانت قد فعلتْ، لكنَّها لم تُرِدْ ذلك. وفضَّلتْ أن تتخبطَ أمام العدوِّ الإسرائيلي، وأمام الإملاءات الأميركية في سياق ما يسمَّى بالمفاوضات، وفي ظلِّ “البرنامج” الذي عبَّر عنه وزير خارجية أميركا ماركو روبيو عندما قالَ: “لدى الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان عدواً واحداً هو حزب الله”.
نخشى عواقب هذا الالتحام العضويّ بين السلطة والفكر الوظيفي الذي يوسِّعُ الفجوةَ الانفصامية بين السلطة والناس بسبب غياب المفهوم القيادي. ونخاف في هذه المرحلة الدقيقة من أن يُتركََ الحبلُ على الغارب فتتفاقمُ الدعوات الانفصالية والتقسيمية، وقد بدأت نذائرها تتكاثر، ابتداء من نظرة بعض الفئات إلى الجنوب كأنه ليس قطعة من لبنان، ومروراً بنظرةِ فئاتٍ أخرى إلى “إسرائيل” بوصفها “جارة” لا عدوُّاً، وإلى المقاومة بوصفها معتدية لا معتدىً عليها
الفكر الوظيفي التَبَعِيّ هو الذي قاد السلطة إلى المفاوضات من دون أن تجمعَ بين يديها أوراقَ قوةٍ، ولو في الحدِّ الأدنى، وهْوَ نفسه الذي جعلها تحني رأسها مُوافِقةً ساكتةً عن كلام مارك روبيو. ومن ثَمَّ تندفع في المزايدة وتقول إنَّ أحداً لن يفاوض باسم لبنان غامزة من القناة الإيرانية، فيما الاحتلالُ الإسرائيلي يواصل عُدوانَه، ولم يحترم في أيِّ مرَّةٍ أيَّ قرارٍ لوقف إطلاق النار. ولم يُخَفِّفْ من حدَّة قصفه إلَّا بعد الردِّ الإيراني.
المفارقة الساخرة التي برزت في وظيفيَّةِ السلطة، كانت بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وقد ورَدَ موضوعُ لبنان في بندِها الأول ضمن إطار “وقف الحرب على كل الجبهات”. عندئذٍ سارعت السلطة إلى الترحيب، ومسحتْ كلامها السابق، وأعلنت أنها تقبل مساعدة أيِّ دولة بما في ذلك إيران، وتخلت ضمناً من دون إعلانٍ عن الفصل بين المسارين: الأميركي – الإيراني، والإسرائيلي – اللبناني بعد أن رأت البيتَ الأبيض يربطُ بين هذين المسارين ويوقِّع على نصٍ صريح خاصٍ بهذا الأمر.. ولم تكد تمضي أيام قليلة حتى رأينا السلطة نفسها تذهب أبعد مما يُمكن أن يذهب الإسرائيلي نفسه، بتوقيع إتفاق إطاري يضع لبنان على سكة المجهول.
هذه المفارقة، تؤكِّدُ صحَّةَ ما نذهب إليه، لجهة أنَّ هذه السلطة هي ذاتُ طابع وظيفي لا قيادي ولا سياديّ. ولو كانت غير ذلك لَمَا ارتضتِ اليومَ بما دَعَتْ إلى رفضه في الأمسِ قبل أن تنقلب عليه مجدداً، ولَمَا أساءت إلى إيران ثُمَّ عادت لتسكتَ، وتُبدي منها موقفاً هادئاً، ولَمَا تقلَّبتْ في أوهام التحييد والحياد وفصل لبنان عن المنطقة. ولو أنَّها سلطةٌ قياديَّةٌ غير وظيفية، لرفضت المفاوضات الثلاثيَّة، وانفتحت على المقاومة، واستفادت من قوتها. ولحاورت جميع القوى ضمن مؤتمر وطني يرسم الخطوط الإستراتيجية للسياسات في الداخل والخارج، ويُعَوِّضُ، ولو قليلاً، عن الخلل في التمثيل بسبب تخلُّف القوانين الانتخابية في لبنان، وبسبب عدم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرةٌ من الشعب، وإن يكن مقبولاً في المراحل الانتقالية إبقاء التوزيع الطائفي في الرئاسات الثلاث.
كلُّ هذا لم يحصلْ. ونشكُّ في حصوله في غدٍ قريب. ونخشى عواقب هذا الالتحام العضويّ بين السلطة والفكر الوظيفي الذي يوسِّعُ الفجوةَ الانفصامية بين السلطة والناس بسبب غياب المفهوم القيادي. ونخاف في هذه المرحلة الدقيقة من أن يُتركََ الحبلُ على الغارب فتتفاقمُ الدعوات الانفصالية والتقسيمية، وقد بدأت نذائرها تتكاثر، ابتداء من نظرة بعض الفئات إلى الجنوب كأنه ليس قطعة من لبنان، ومروراً بنظرةِ فئاتٍ أخرى إلى “إسرائيل” بوصفها “جارة” لا عدوُّاً، وإلى المقاومة بوصفها معتدية لا معتدىً عليها وعلى كل لبنان، وانتهاءً بالتسييل الطائفي لمزاعم التعدُّديةِ والحياد الكانتوني بما يمهِّدُ للتقسيم.
مفهوم السلطة الوظيفية هو سبب رئيسيٌّ في الوصول إلى هذه المحنة. أمَّا مفهوم القيادة الذي يحمِلُ هَمَّ بقاءِ الوطن ووحدتِه وبناء دولته فهو الخطوة الأولى على طريق الإنقاذ، فهل تلتفت السلطة إلى نفسها، وتصلح عيوبها قبل فوات الأوان لكي تتصرَّف قيادياً ؟ أم أنها تمضي في نهجٍ وظيفي لا يبني وطناً ولا دولة؟. سؤالٌ يطرحه معظم اللبنانيين، وينتظرُ جواباً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة كونُهما عِمادَ السلطة التفيذية وقدَّما وعوداً لا نحبُّ أن تكون لها علاقة بـِ”نخلة عرقوب”.
