مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، من الحرب الروسية ـ الأوكرانية عام 2022، إلى المواجهات المتصاعدة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى، عاد السؤال القديم بثوب جديد: هل تُخاض الحروب بسبب الخلافات السياسية وحدها، أم بسبب السيطرة على الموارد والطرق التي تحدد مواقع الدول في النظام العالمي؟
فالغاز والنفط لم يعودا مجرد مصادر للطاقة، بل تحولا إلى أدوات قوة ونفوذ. وخطوط الأنابيب والمضائق البحرية لم تعد مجرد مسارات تجارية، بل أصبحت جزءًا من خرائط الصراع. ومن هنا، يصعب فصل ما يجري في الشرق الأوسط عن محاولة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.
لكن السيطرة على الجغرافيا لا تكتمل من دون التأثير في الوعي والاصطفافات. فكما تُعاد هندسة طرق الطاقة، تُعاد أيضًا صياغة التحالفات والهويات السياسية داخل المنطقة، بحيث تنتقل بعض الصراعات من مواجهة بين مشاريع كبرى إلى نزاعات داخلية تستنزف المجتمعات نفسها.
ضمن هذا السياق، كشفت المواجهات الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران في العامين 2025 و2026 حجم التحول الذي أصاب مفهوم الصراع في المنطقة. فالقضية الفلسطينية التي شغلت العالم العربي منذ قيام الدولة العبرية عام 1948 لم تعد تحظى بالإجماع السابق نفسه؛ إذ انتقلت دول وقوى عديدة من موقع المواجهة إلى الحياد، وبعضها إلى بناء علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة مع إسرائيل.
لم يكن هذا التحول وليد لحظة واحدة، بل نتيجة مسار طويل من التحولات السياسية والاستراتيجية منذ عقود. فإعادة ترتيب أولويات المنطقة لم تجرِ فقط عبر الحروب والاتفاقات، بل أيضًا عبر إعادة تشكيل المصالح والتحالفات والنظرة إلى الخصوم والحلفاء.
وفي هذه القراءة، تلتقي المصالح الأميركية والإسرائيلية عند هدف مشترك: إعادة صياغة الشرق الأوسط بما يضمن أمن إسرائيل من جهة، والسيطرة على مصادر الطاقة ومساراتها من جهة ثانية، في عالم أصبحت فيه الطاقة إحدى أدوات النفوذ الكبرى.
ففي السنوات الأخيرة، احتل الغاز الطبيعي موقعًا متقدمًا في حسابات القوى الدولية. وقد ساهم ارتفاع الطلب الصناعي العالمي، وتوجه دول كثيرة، خصوصًا في أوروبا، نحو مصادر طاقة أقل تلويثًا مقارنة بالنفط، في تعزيز مكانته. وفي العام 2011، تحدثت وكالة الطاقة الدولية عن دخول العالم “العصر الذهبي للغاز”، بعدما بدأ هذا المورد يشق طريقه ليصبح أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
وبناء على ذلك، لم تعد خطوط نقل الغاز مجرد بنى تحتية تقنية تربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك، بل تحولت إلى شرايين استراتيجية تتحكم بجزء من حركة الاقتصاد العالمي. فمن يملك مصادر الطاقة أو يتحكم بممراتها يمتلك قدرة أكبر على التأثير في قرارات الدول، وعلى بناء التحالفات أو ممارسة الضغط.
ومن هنا، تحولت الأنابيب والمضائق والموانئ إلى أدوات في السياسة الخارجية، تمامًا كما كانت الجيوش والأساطيل أدوات النفوذ التقليدية. ولم يعد مستغربًا أن تصبح خطوط الطاقة نفسها أهدافًا مباشرة أو غير مباشرة في الصراعات الكبرى.
وقد جاءت الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي اندلعت في 24 شباط/فبراير 2022، لتكشف بوضوح هذه الحقيقة. فلم يكن الصراع محصورًا بالجغرافيا الأوكرانية، بل امتدت آثاره إلى أمن الطاقة الأوروبي، وإلى مستقبل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وإلى إعادة رسم خرائط الإمداد العالمية.
والأمر نفسه ينسحب، وإن بسياق مختلف، على المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران. فإلى جانب العناوين العسكرية والسياسية والنووية، حضرت بقوة مسألة أمن الطاقة، خصوصًا في ظل الموقع الجغرافي الإيراني المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز.
فالتهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يمس دولة واحدة، بل يطرح تحديًا اقتصاديًا عالميًا، نظرًا إلى حجم الطاقة التي تمر عبر هذا الشريان البحري. ولهذا السبب، لم يكن الحضور العسكري الدولي في الخليج يومًا منفصلًا عن حسابات حماية تدفق النفط والغاز وتأمين طرق التجارة.
فالأساطيل والقواعد العسكرية المنتشرة من الخليج إلى البحار المحيطة به لا تتحرك فقط تحت عنوان حماية الأمن والاستقرار أو منع انتشار السلاح النووي، بل ترتبط أيضًا بصراع أوسع على النفوذ والتحكم بمقدرات المنطقة وثرواتها وموقعها الاستراتيجي.
لكن معارك السيطرة لا تُخاض بالجغرافيا وحدها. فإضعاف الخصوم أو إعادة تشكيل البيئات السياسية يحتاج أيضًا إلى التأثير في المجتمعات نفسها، وفي طريقة تعريفها لأولوياتها وهوياتها وتحالفاتها.
ومن هنا، يصبح البعد الاجتماعي والثقافي جزءًا من الصراع. فقد أدركت القوى الكبرى، عبر مراحل مختلفة، أن المجتمعات المنقسمة داخليًا تصبح أكثر قابلية للتأثر بالضغوط الخارجية. لذلك جرى الاستثمار في الانقسامات الموجودة أصلًا داخل المجتمعات العربية والإسلامية، سواء كانت دينية أو مذهبية أو عرقية أو سياسية، وتحويلها أحيانًا من تنوع طبيعي إلى خطوط مواجهة.
فالمنطقة التي كانت لعقود طويلة تنظر إلى الصراع مع إسرائيل باعتباره عنوانًا قومياً جامعًا، شهدت تدريجيًا تبدلًا في الأولويات، بحيث تقدمت صراعات أخرى على حساب ذلك العنوان، وقد جرى ذلك عبر مسارات عديدة:
أولًا: الاستثمار في الانقسامات المذهبية والدينية
لم تكن الانقسامات داخل المجتمعات العربية والإسلامية وليدة التدخلات الخارجية وحدها، فهي تمتلك جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية. غير أن القوى الدولية والإقليمية كثيرًا ما وجدت في هذه الانقسامات مجالًا مناسبًا للاستثمار والتوظيف، بما يخدم صراعات النفوذ.
فقد تحولت الهويات الفرعية، في محطات كثيرة، من عناصر تنوع داخل المجتمعات إلى أدوات تعبئة وصراع. وبرز ذلك خصوصًا مع تصاعد التوترات المذهبية في المنطقة بعد احتلال العراق عام 2003، ثم بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما أعقبه من انقسامات سياسية حادة في لبنان والمنطقة.
ساهمت تلك المرحلة في إعادة رسم الاصطفافات، فلم يعد الانقسام يدور فقط حول الموقف من إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل حول صراعات داخلية بين محاور إقليمية، أخذت في أحيان كثيرة طابعًا مذهبيًا. وجاءت الأزمة السورية في العام 2011 لتزيد من وطأة تلك الإنقسامات.
ثانيًا: معركة الإعلام وإعادة تشكيل الوعي
إلى جانب الصراعات العسكرية والسياسية، برزت معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الرواية.
ففي زمن الإعلام المفتوح ومنصات التواصل الاجتماعي، لم تعد السيطرة مرتبطة فقط بالأرض أو الموارد، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في العقول وتوجيه النقاش العام.
وقد تحولت وسائل الإعلام التقليدية والرقمية إلى ساحات مواجهة، تُستخدم فيها الأخبار والصور والتحليلات والمؤثرون لصناعة اتجاهات الرأي العام، وإعادة تعريف صورة العدو والحليف.
وفي هذا السياق، شهدت المنطقة تحولًا لافتًا للانتباه في النظرة إلى الصراع مع إسرائيل؛ إذ بات جزء من الخطاب العربي ينظر إلى إيران وحلفائها باعتبارهم التهديد الأول، بينما تراجعت مركزية القضية الفلسطينية في أولويات بعض الدول والمجتمعات.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتغير المزاج الشعبي، بل بتحولات استراتيجية عميقة ارتبطت بإعادة بناء التحالفات في الشرق الأوسط.
ثالثًا: المقاومة بين الشرعية والجدل السياسي
شكّل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، إذ عزّز حضور خيار المقاومة في الوعي العربي، قبل أن تأتي حرب تموز/يوليو 2006 لتفتح مرحلة جديدة من الجدل حول هذا الدور.
فبينما رأى مؤيدو المقاومة أنها نجحت في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية، اعتبر خصومها أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة فتح الباب أمام أزمات داخلية وربط لبنان بصراعات إقليمية تتجاوز حدوده.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت المقاومة نفسها إلى أحد ميادين الصراع السياسي والإعلامي: بين من يراها جزءًا من مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلية، ومن يعتبرها امتدادًا للنفوذ الإيراني في المنطقة.
غير أن الثابت أن هذا الانقسام ساهم في نقل جزء كبير من النقاش العربي من سؤال مواجهة إسرائيل إلى سؤال الصراع الداخلي حول هوية المنطقة وتحالفاتها.
ولا شك في أن هذه التحولات أسهمت في إنتاج بيئات عربية جديدة تنظر إلى موازين القوى في المنطقة بطريقة مختلفة. فبعدما كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي يشكّل لعقود طويلة الإطار الأساسي لفهم سياسات الشرق الأوسط، تقدمت في السنوات الأخيرة ملفات أخرى: الخوف من النفوذ الإيراني، الصراعات الداخلية، المنافسة الاقتصادية، وأولويات التنمية والاستقرار.
وقد تزامن ذلك مع تغيرات كبرى أصابت المنطقة: سقوط أنظمة، تفكك دول، صعود قوى غير دولتية، وتوسع مسارات التطبيع مع إسرائيل. وفي المقابل، بقيت إيران، بما تمثله من مشروع إقليمي وتحالفات ممتدة، الطرف الأكثر مواجهة لهذا المسار، ما جعلها في قلب الاشتباك مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هنا، لا يمكن قراءة المواجهة الحالية بوصفها مواجهة عسكرية أو نووية فقط، بل باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول شكل الشرق الأوسط المقبل: من يملك الطاقة؟ من يتحكم بالممرات؟ من يحدد التحالفات؟ ومن يرسم قواعد النظام الإقليمي الجديد؟
