ترامب المتخبط سياسياً وعسكرياً.. هل يُنقذه “الغضب الاقتصادي”؟

بعد أكثر من خمسة أشهر من عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران التي تخللتها عمليات عسكرية وهدنات، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبني "الغضب الاقتصادي"، وسيلة ضغط أساسية على طهران لفتح مضيق هرمز، والعودة إلى طاولة المفاوضات. تطورٌ، يواجهه النظام الإيراني بتصعيد مطالبه والفصل بينها وبين أي قرار يتعلق بمستقبل مضيق بات من خلاله يملك تأثيراً كبيراً في مآلات الاقتصاد العالمي.

ثمة عوامل عديدة حملت ترامب على الكف على استخدام القوة العسكرية والتراجع عن تهديدات بتدمير البنى التحتية الإيرانية. بعضها، يتعلق بالنقص الذي لم يعد في الامكان انكاره في مخزون الصواريخ الاعتراضية والهجومية وكذلك على صعيد طائرات الاستطلاع المتطورة. وتتعلق العوامل الأخرى بشبه اقتناع لدى ترامب، بأن الضغط الاقتصادي قد يكون أجدى من الآن فصاعداً، من المجازفة في حرب قد تضاعف من الخسائر الأميركية، مادياً وبشرياً، قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات النصفية.

هكذا يظهر ترامب كمن يبحث عن انجازات في فترة من التراجع الاستراتيجي، التي تشهدها أميركا نتيجة الذهاب إلى حرب ارتجالية، وذات أهداف متغيرة منذ انطلاق القذيفة الأولى في 28 شباط/فبراير الماضي. من التلميح إلى اسقاط النظام وتدمير القدرات النووية والصاروخية وشبكة الحلفاء في المنطقة، إلى مجرد البحث في كيفية فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً قبل الحرب.

استراتيجية إيرانية جديدة

والرهان اليوم على أن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران وفرض المزيد من العقوبات عليها، سيحملان قادتها على القبول بفتح المضيق، لا يستقيم مع مواقف طهران، التي تظهر التعيينات السياسية والعسكرية والأمنية التي أجراها المرشد مجتبى خامئي مؤخراً، بأنها تستعد لحرب طويلة المدى، تتجاوز الانتخابات النصفية، ربما إلى ما بعد انتهاء ولاية ترامب، وتنطوي أيضاً على تغيير في وضعية إيران من دولة اعتمدت زمناً “الصبر الاستراتيجي”، كاستراتيجية في إدارة نزاعاتها إلى الاستراتيجية الهجومية، بديلاً لها، بدليل “تحفز” إيران والحلفاء في العديد من الساحات.

ويرى الباحث الأول غير المقيم في مركز السياسة الدولية الذي يتخذ نيويورك مقراً له، سينا توسي، أن “هيكلية القيادة الآخذة في التشكل (بإيران)، تشير إلى تحول أوسع في الكيفية التي تعتزم بها طهران إدارة المرحلة المقبلة من الصراع، وتتمثل ملامح هذا التحول في الآتي: قيادة عسكرية أكثر مركزية، تركيز أكبر على العمليات الهجومية وفرض تكاليف باهظة لتعزيز الردع، فضلاً عن تكامل أوثق بين السياسات العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية وتلك المتعلقة بالأمن الداخلي”.

تتجلى الاستراتيجية الجديدة في المطالب التي رفعها أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الجديد الجنرال محسن رضائي. إذ، أكد بأن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً إلى أن تُنهي واشنطن الحرب، وتُفرج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتُلبي شروطاً إيرانية أخرى نقلت عبر الوسطاء. ومن بين هذه الشروط انسحاب القوات الأميركية من محيط إيران ووقف الحرب ليس فقط في لبنان، وإنما في غزة أيضاً التي لم تكن واردة مثلاً في بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 17 حزيران/يونيو الماضي.

وثمة نقطة أخرى في غاية الأهمية أكد عليها رضائي وغيره من المسؤولين الإيرانيين، ألا وهي أن التوصل إلى اتفاق إيراني-عُماني على مسارات الملاحة في هرمز، لن يؤدي تلقائياً إلى فتح المضيق.

نفاد المخزون الأميركي

على ماذا تبني إيران هذا التصعيد في المطالب، الذي يؤسس لمواجهة طويلة مع الولايات المتحدة؟

ليس ثمة أدنى شك في أن هذا التحول مرده الأساسي إلى انعدام الثقة من جانب إيران بأي اتفاق قد يصار إليه مع إدارة ترامب. غير أن الحسابات الإيرانية تبنى أيضاً على التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام الأميركية عن تآكل قوة الردع الأميركية، بفعل نفاد الذخائر.

واستناداً إلى بيانات نشرت في الصحافة الأميركية المكتوبة ووسائل الإعلام المرئية والإلكترونية، فإن “البنتاغون” استخدم أكثر من 1500 صاروخ اعتراضي من طراز “باتريوت” في الحرب، ولم يتبقَ لديه سوى أقل من 1700 صاروخ. وأنتجت الولايات المتحدة نحو 600 صاروخ اعتراضي خلال عام 2025 بأكمله. وكلفة الصاروخ الواحد تبلغ 4 ملايين دولار. كما استهلكت القوات الأميركية 80 في المئة من مخزونها من صواريخ “ثاد” الاعتراضية. واستخدمت القوات الأميركية ما يصل إلى 1000 صاروخ كروز “توماهوك”، ليتدنى المخزون العالمي للولايات المتحدة من هذا النوع من الصواريخ الذكية إلى 3 آلاف صاروخ.

وكذلك، ربع مخزونها من مسيّرات “إم كيو-9 ريبر”. أي من أصل 185 مسيّرة من هذا الطراز، تبقى لدى أميركا 135 مسيّرة. كلفة المُسيّرة الواحدة من هذا الطراز تتراوح بين 30 و50 مليون دولار. وبذلك، يكون دافعو الضرائب في الولايات المتحدة قد تكبّدوا خسائر بنحو 1.3 مليار دولار. وهذا النقص في الذخائر، دفع البنتاغون إلى الطلب من شركات تصنيع السلاح، تسريع الانتاج. لكن مفعول هذه التعاقدات الجديدة، لن يسري قبل اقرار موازنة الدفاع الجديدة البالغة 1.5 تريليون دولار.

ولا يقتصر الجدل على مخزون الصواريخ والمسيّرات، بل طاول أيضاً حاملة الطائرات “لينكولن” الموجودة في الخليج، بعد التقارير التي تحدثت عن الاستياء لدى أفراد الطاقم، بسبب مضي 250 يوماً متواصلة على وجودهم في البحر، برغم نقص مواد تموينية أساسية على متن الحاملة، التي قرّر البنتاغون مؤخراً استبدالها بالحاملة “جورج واشنطن”. المشاكل التموينية على متن “لينكولن” تعود بحسب تقرير نشرته صحيفة “النيويورك تايمز” إلى الدمار الذي لحق بمراكز تموين الجيش الأميركي في البحرين في اليوم الأول من الحرب، بفعل الصواريخ الإيرانية.

إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط في قلب حرب عالمية صامتة

وتسري تكهنات في وشانطن بأن ترامب يميل إلى تحميل وزير الحرب بيت هيغسيث تبعة عدم التنبيه إلى النقص في مخزونات الذخائر، وإلى ضرورة تبديل الحاملة “لينكولن” قبل استفحال الضجة حولها. وهناك أكثر من توقع بأن ترامب قد يعمد إلى إقالة هيغسيث لتهدئة الانتقادات المتصاعدة لأدائه.

عودٌ على بدءٌ.. حرب إقتصادية

كل ذلك، دفع ترامب إلى التروي في الذهاب نحو شن عمليات عسكرية جديدة وفق ما كان يُهدّد بفعله، واللجوء عوض ذلك إلى تصعيد الحرب الاقتصادية، التي ستحتاج تأثيراتها إلى بعض الوقت كي تبدأ بالظهور. وفي المقابل، ثمة رهان إيراني على أن الاقتصادين العالمي والأميركي، لن يتمكنا من تحمل الاستمرار في اغلاق هرمز أمام خمس احتياجات العالم من الطاقة، وبأن الأسعار ستشهد ارتفاعاً في المرحلة المقبلة، وخصوصاً مع الهجمات الحوثية في باب المندب وضد المنشآت النفطية السعودية، مضافاً إليها الانخفاض في الاحتياطات العالمية. وجميع البدائل التي تسعى دول الخليج والعراق إلى اعتمادها بديلاً من هرمز، ستستغرق سنوات لإنجازها.

وبرغم تأكيد ترامب أن أميركا هي التي تسيطر على هرمز، فإن شركات النفط لا تصدق ذلك، ومعظم عمليات العبور التي تسجل على ندرتها في الأسابيع الأخيرة، تسلك المسار الذي حدّدته إيران، وتتجنب المسار العُماني المدعوم من البحرية الأميركية.

ويُكرّر ترامب أن الاقتصاد الإيراني منهار ولن يستطيع تحمل تصفير صادرات إيران من النفط أو دفع رواتب القوات المسلحة، والعملة الوطنية في سقوط حر، ونسبة التضخم بحسب تقديراته 300 في المئة بينما معدلات البطالة في ازدياد، ويتعهد بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والمالية، بهدف الضغط على النظام للتراجع.

وفي مواجهة لعبة عض الأصابع الاقتصادية بين أميركا وإيران، لا توجد مخارج واضحة أمام ترامب الذي يبحث فقط عن مخرج يحفظ له ماء الوجه، كأن توافق طهران على فتح المضيق ولو لفترة محددة، فيلجأ الرئيس الأميركي إلى “اعلان النصر”.. والانسحاب، من دون البحث حتى عن تسوية للبرنامج النووي الإيراني الذي كان عنواناً لحربين، على اعتبار أن طهران لن تكون غير قادرة على استئناف تخصيب اليورانيوم على الأقل في ما تبقى من ولاية ترامب، بعد تدمير منشآتها النووية في فوردو ونطنز وأصفهان في حرب حزيران/يونيو 2025.

النصر.. والهزيمة!

الطريق المسدود في إيران، يدفع الرأي العام الأميركي إلى القلق “إزاء قدرة الرئيس على التعامل بحكمة مع أزمة دولية”، وفق ما أظهر استطلاع لمجلة “الإيكونوميست” البريطانية هذا الأسبوع. وللمرة الأولى منذ 2006، يُفضّل الناخبون طروحات الديموقراطيين الاقتصادية على طروحات الجمهوريين، على ما جاء في استطلاع لشبكة “فوكس نيوز” المؤيدة لترامب.

وتصل المعلقة في صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، بيغي نونان، إلى الاستنتاج بأنه “بعدما استهوت أنصار ترامب نبرة اليقين التي يتسم بها… يبدو الآن وكأنه لا يدري ما ستكون خطوته التالية، إنه يفتقر إلى اليقين، ولا يبدو متمكناً”. وتروي بأن مقدم البرامج الشهير تاكر كارلسون اتصل قبل أسابيع من الحرب بترامب محذراً إياه من العمل العسكري، لكن الرئيس الأميركي أجابه: “أعلم أنك قلق.. لكن الأمور ستكون على ما يرام”. وسأل كارلسون كيف عرف ذلك، فأجابه: “لأن الأمر كذلك كان دائماً”.

وتستشهد مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في “معهد أميركا إنتربرايز” كوري شاك، بما ورد في مذكرات وزير الخارجية الأميركي الراحل كولن باول بعنوان “رحلتي الأميركية” إذ قال: “لقد تعهد كثيرون من أبناء جيلي-من الضباط المهنيين برتب نقيب ورائد ومقدم ممن اكتسبوا خبرة ميدانية في (حرب فيتنام)- بأنه عندما يحين دورنا في اتخاذ القرارات المصيرية، لن نرضخ بصمت لحروبٍ تفتقر إلى العزم وتُخاض لأسباب واهية لا يستطيع الشعب الأميركي استيعابها”. وتضيف: “وهذا بالضبط هو نمط الحروب التي شنّها ترامب، وعلى رغم ذلك، فقد رضي الكونغرس بالأمر الواقع والتزم الصمت حتى الآن. ومع ذلك، لا يزال بوسع المجلس تغيير المسار. إن تحقيق نصر حقيقي في إيران أمر مستبعد، لكن الهزيمة الكارثية ليست حتمية بعد”.

يقول ترامب للناخبين الأميركيين على أبواب الانتخابات التشريعية، أن ارتفاع سعر غالون البنزين، هو الثمن الذي يدفعونه لتجنب قيام إيران مسلحة نووياً، وبأنه قريباً سيعلن مضيق هرمز “أرضاً أميركية”!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ترامب ينقلب على مواقفه المؤيدة لبوتين.. إنها الإنتخابات