قمة “البريكس”.. نحو عالم جديد

العالم يتغيَّرُ. الوتيرةُ بطيئة الآن. لكنَّه يتغيَّر فعلاً. الإرهاصات في ربع هذا القرن تماثل الإرهاصات في ربع القرن الماضي. آنذاك انتهت الحروب ببروز القطبية الثنائية، وبنظام بريتون وودز الذي جعل الدولار سلطاناً نقديَّاً عالميَّاً، ثم تحوَّل إلى الأحادية الأميركية بعد زوال الاتحاد السوفياتي. وراهناً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يدخل العالم تدريجياً لكن بثباتٍ، في مرحلة سقوط الإمبراطورية الأميركية.

قبل ستةٍ وعشرين عاماً (أيلول/سبتمبر 2006) كان تأسيس منظمة “البريكس” (BRICS) إنذاراً أطلقه عمالقة آسيا وأوراسيا وأميركا اللاتينية ثم جنوب أفريقيا. كثيرون آنذاك لم يقرأوا الأبعاد الدوليَّة الإستراتيجية لتلك الخطوة ، خصوصاً القوى الرأسمالية التي تدفعها ذهنيَّة الهيمنة وطبيعتها الطبقية إلى التنكُّر والمكابرة. أمَّا اليوم فأصبحت “البريكس” واقعاً تغييرياً مُحصَّناً برسوخ علاقاتها البَيْنِيَّة ومُسوَّرة بمنظمة شنغهاي ومنظمة آسيان. ومؤخراً قمة “البريكس” (12 و13 أيلول/سبتمبر الحالي) الثامنة عشرة في الهند تمثِّلُ مؤشِّراً كبيراً، إذْ إنَّ وتيرة التغيير تبدو مرشَّحة للتسارع في السنوات القليلة المقبلة. وربَّما تتزامن القفزة النوعيَّة في هذه الوتيرة مع العام ألفين وثلاثين، الموعد المرسوم لإتجاز الخطط التنموية والعسكرية الكبرى في الصين وروسيا ومصر والبرازيل ولا سيَّما في هذه الأخيرة إذا نجح مرشح اليسار للرئاسة لولا دا سيلفا.

دول المشرق عندنا، ولا سيَّما العرب، خارج هذه الوتيرة باستثناء مصر وإيران. لم يعُدِ التغيير المرتقب مجرَّد توقُّعٍ مأمول. لقد باتت عوامله موجودة بوضوح، برغم أَنْفِ واشنطن التي ترى نفسها مُجبرة بعد بضعة أعوامٍ على الاعتراف بأنَّ إمبراطوريتها تقلَّصت، وأنَّ سلطان الدولار تضاءل، وأنَّ الأحادية القطبية مالت إلى زوال محتوم. لا تستطيع الرأسمالية الأميركية والغربية عامَّة أن تتقبَّل هذا الأمر، ولا تتقبّله حليفتُها الصهيونية، ولا الدولة العالمية العميقة، غير أنَّ صعود عمالقة آسيا وأوراسيا سيقود التغيير، وسيؤدِّي إلى تزايد عدد الدول التي تطلب الانضمام إلى “بريكس” وبالأخص في أفريقيا.

قمة “البريكس” التي انعقدت رابعَ مرة في الهند من أصل 18 قمة قدَّمت نفسها تحت عنوانٍ مربَّع: 1-الاستدامة. 2- التعاون. 3- الابتكار(التكامل التكنولوجي). 4- الصمود. الأضلاع الثلاثة الأولى من المربَّع معروفة ومستمرة منذ التأسيس، أمَّا الضلع الرابع وهو الصمود فهو الجديد المؤثِّر، وهو الجوهر الفعَّال لـِ”بريكس”، والتشديد عليه يحمل دلالاتٍ عديدة، وإن لم يكن خارج زوايا الأضلاع الثلاثة.

الصمود بوجه مَنْ؟ وكيف؟ لا معنى لهذا العنوان سوى الوقوف القويِّ اقتصاديَّاً وعسكريَّاً بوجه الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة. منظمة “البريكس” وحدها تمثل نحو نصف سكان العالم، وربع الاقتصاد الدولي، وتمتدُّ استثمارياً بين آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتمتلك القدرة على الحدِّ من تأثير “مجموعة العشرين” و”مجموعة السبع”، وتستحوذ على موارد هائلة في ميدان الطاقة والمعادن والميزات الجغرافيّة الإستراتيجية، والقدرات العسكرية المتنامية، والتقدُّم التكنولوجي.

في هذا المضمار، لم يعدِ السؤال المطروح متى تتساوى الصين تقنيَّا مع الولايات المتحدة، بل متى تتفوَّق عليها، وهذا ليس بعيداً، فضلاً عن التقدُّم الروسي والهندي. ولعلَّ أكثر ما يقلق واشنطن، وكلَّ الغرب الرأسمالي هو أنَّ “البريكس” أسَّست لتغيير كبير آتٍ لا يستطيعون الوقوف بوجهه، وهي تتصرَّف بهدوء إستراتيجي من دون إحراق المراحل، لكن في الوقت نفسه من دون التخلّي عن تعزيز عناصر القوة مثلما تفعل روسيا والصين، فالأولى تتصدَّى للأطلسي في ساحة أوكرانيا، والثانية تمسك بالعصا الغليظة بوجه واشنطن في تايوان والشرق الأقصى، والاثنتان معاً تتحالفان مع كوريا الشمالية، وتدعمان إيران وَتَرَيَانِ في الحرب عليها حرباً عليهما، ومعركة استعمارية للسيطرة على الطاقة والموارد والممرات التجارية.

“البريكس” هي في قلب هذه المعمعة. وتشديدُها في قمة الهند على الصمود دليلٌ إضافي على دورها المستقبلي في قيادة التغيير العالمي. وهنا تبرز لها ميزات عديدة أهمُّها:

1- توسيع دور الجنوب العالمي في الاقتصاد والسياسة والتمويل، وتخليص عدد من الدول من ابتزاز البنك الدولي عبر المساعدات من خلال بنك التنمية الخاص بـ”البريكس”.

2- التأسيس الراسخ لعالم متعدِّد الأقطاب فمنظمة “البريكس” هي المنظمة القادرة على دفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التراجع وإسقاط الأحاديَّة.

3- التمكُّن التدريجي للبريكس من ضرب نظام البترودولار، وذلك من خلال التوسيع المتنامي للتبادل التجاري بالعملات الوطنية، ولا سيما في مجالات الطاقة، والمثال الحيُّ أنَّ أكثر من تسعين في المئة من التبادلات بين الصين وروسيا وإيران يتِمُّ بالعملة المحلية. وهذا ما يجعل الدولار يسير مستقبليَّاً في المنحدر، فضلاً عن استعداد “بريكس” للانسحاب من نظام “سويفت”، بما يهدِّد نظام بريتون وودز نفسه.

4- حوار الثقافة والحضارات، وهذه ميزة مهمّة في مسيرة “البريكس”، فلا دولة فيها تفرض ثقافتها على الآخرين، بل يتحوَّل التنوُّع الثقافي إلى عنصر من عناصر الإنتاج والقوة. ولا تشعر شعوب هذه الدول بالإقصاء بل بالشراكة، الأمر الذي يُعَدُّ أوَّلَ إسقاطٍ عملي لنظرية “هاتنغتون” حول “صدام الحضارات” التي اخترعها لمحاولة إطالة عمر الرأسمالية الاستعماريَّة عبر مزيد من خداع الشعوب واستغلالها. كما تُعَدُّ إسقاطاً فعليَّاً لنظرية “فوكوياما” حول “نهاية التاريخ“، فتطوُّر “البريكس” سيُدشّن مرحلة جديدة في التاريخ المعاصر.

إقرأ على موقع 180  واشنطن تريد، طهران تريد.. ولكن؟

“البريكس” في هذه المستويات العُليا ستكون قاطرة التحوُّلات الاقتصادية والسياسية العالمية، وإذا كانت روسيا تواجه الأطلسي في أوكرانيا، وإيران في الشرق تتصدَّى للولايات المتحدة و”إسرائيل”، فإنَّ هاتين الحربين لن تنتهيا إلَّا بنتائج عالمية، تنسحب على كلِّ العلاقات الإستراتيجية، وعلى المنظمات الدوليَّة التي سيتغيَّر شكلها ودورها وعلى رأسها الأمم المتحدة. وستخسر الولايات المتحدة حروبها، ودورها الإمبراطوري لتبقى دولة كبرى فحسْبُ، أمَّا الخاسران الأكبران فسيكونان الاتحاد الأوروبي والعالم العربي إلَّا مصر إذا تمسَّكت بسياسة البناء الوطني وتنوُّع الشراكات ضمن “البريكس” وغيرها وربّما تخطو الجزائر الخطوات المصرية نفسها. أما أولياء السلطة العرب الآخرون فلا يريدون حتى الآن قراءة معنى “البريكس”، ولا يوجد أيُّ مؤشر على استعدادهم لفهم العالم الجديد الآتي وعلى الخروج من وَهْمِ “البعبع” الأميركي.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  عن معنى انتماء الناس للأرض