تتمثل أدوات القوة الأميركية في الوقت الراهن، بالحصار البحري على الموانىء الإيرانية وبفرض عقوبات مالية إضافية في سياق حملة “المنبوذ الاقتصادي”، وبضمان تدفق مزيد من النفط عبر مضيق هرمز، من طريق توفير الحماية لناقلات نفط تغامر بسلوك المسار الجنوبي (العُماني) للمضيق. كما يسعى ترامب من طريق صفقة الديزل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى إحداث وفرة في السوق على أمل دفع الأسعار العالمية للمادة نزولاً. هناك تشكيك من سناتورات ديموقراطيين وحتى جمهوريين ومن وسائل إعلام بجدوى الصفقة. وهناك من اعتبرها خيانة من ترامب لـ”تراث” السناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام الذي كان معروفاً بعدائيته الشديدة لروسيا.
وفي السياق أيضاً، تنضم حاملة طائرة أميركية ثالثة إلى القوة البحرية في الشرق الأوسط بحلول أواخر تشرين الأول/أكتوبر الحالي، ويزداد عديد قوات مشاة البحرية (المارينز) إلى 20 ألفاً في المنطقة. وأخيراً، ليس آخراً، جاء التهديد باستخدام “أم القنابل” (جي. بي. يو-43-بي) التي تعتبر أقوى سلاح غير نووي في الترسانة الأميركية، والبالغ وزنها 9.8 أطنان، وتنتشر قوتها التدميرية على كيلومترات عدة.
أما إيران، فتتمثل أدوات القوة التي تملكها بالقدرة على تحمل الألم الناجم عن الحصار الأميركي إلى ما بعد الانتخابات النصفية في أميركا بعد أقل من ثلاثة أسابيع، أملاً في إلحاق هزيمة بالحزب الجمهوري في الكونغرس أو في مجلس النواب، على أقل تقدير. هزيمة، تلحق ضرراً معنوياً ثقيلاً بترامب في ما تبقى من ولايته.
ومثلما يسعى ترامب إلى خفض أسعار النفط، تعمل إيران على العكس من ذلك، بهدف ابقاء الأسعار فوق المئة دولار على الأقل. وبدأت منذ أيام في تصعيد هجماتها على السفن العابرة للمسار العماني، محاولة إغراقها وليس اصابتها فقط كي تعود أدراجها. والهدف من ذلك اعادة تثبيت السيطرة على مضيق هرمز، والحد من عبور الناقلات من دون إذن إيراني.
وتبقى المواجهة المتصاعدة بين الحوثيين في اليمن والسعودية، أقوى ورقة في يد إيران، لإبقاء أسعار النفط عند مستويات عالية، وإفراغ محاولات ترامب العثور على بدائل لنفط الشرق الأوسط، من مضمونها.
الخيارات السعودية
عملياً، تضغط إيران على الولايات المتحدة الآن، من خلال مد سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وصولاً إلى مضيق باب المندب، وبتشديد الجماعة الحصار على مدينة تعز الاستراتيجية، وبالقصف الصاروخي وبالمسيّرات على البنى التحتية السعودية، وخصوصاً المطارات والمنشآت النفطية. ومن دون عناء كبير، يمكن الاستنتاج أن إيران، عبر حلفائها الحوثيين، تحاول فرض موازين قوى جديدة في الخليج. حتى أن مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ، قال لمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، إن طهران تفضل الطريق المسدود على أية تسوية معقولة مع واشنطن. بينما أكد الأستاذ المشارك في كلية بوش للحوكمة والخدمة العامة بجامعة “إي. آند. إم” بتكساس محمد آية الله طبار للمجلة ذاتها، أن إيران تتطلع إلى هدف طموح: إجبار الولايات المتحدة على الخروج من الشرق الأوسط برمته.
وإذا كان الغرض من التصعيد الحوثي ضد دولة حليفة للولايات المتحدة، هو دفع ترامب إلى تقديم تنازل على جبهة إيران، كتخفيف الحصار البحري أو ابداء مرونة إزاء مطالب طهران للعودة إلى الحوار، فإن الرئيس الأميركي اختار تجاهل المواجهة بين السعودية والحوثيين، ولم يلب طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالتدخل العسكري، واكتفى بتقديم المعلومات الاستخباراتية، وأبقى على قناة اتصال مع الحوثيين عبر سلطنة عُمان.
كان هدف إيران، إغراق ترامب في جبهة خليجية ثانية أو الحصول منه على تنازلات تمهد الطريق للعودة إلى مذكرة التفاهم بالحد الأدنى. وبذلك، وجدت السعودية نفسها في قلب النزاع الأميركي-الإيراني. وفرض التصعيد الحوثي على الرياض خيارات ليست مستحبة. إما الرد بتصعيد يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، وإما ضبط النفس، وإما الإنسحاب من اليمن. وتترتب على كل خيار من هذه الخيارات مخاطر فعلية.
أما الخيار الرابع وهو الدخول في مفاوضات مع الحوثيين للعودة إلى تهدئة 2022، أو إبرام اتفاق جديد بواسطة العمانيين، فإن المساعي الأولية في هذا الاتجاه لا تبدو وكأنها تسلك المسار الصحيح. وترددت السعودية في قبول الوساطة التي عرضها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، وذلك كون طهران طرفاً داعماً للحوثيين. وسرّب مسؤولون إيرانيون أن “أنصار الله” رفضوا أيضاً الوساطة التي حاولت طهران القيام بها.
من يحتاج إلى مخرج؟
في المقابل، بات الحوثيون الذين تذوقوا طعم الانتصارات، يطرحون مطالب مبالغاً فيها للقبول بالعودة إلى التهدئة. وتتمثل هذه المطالب في إنهاء العمليات العسكرية السعودية ورفع القيود عن الموانئ والمطارات اليمنية، وتسيير رحلات جوية منتظمة إلى إيران، واستئناف دفع الرواتب، ودفع تعويضات عن الحرب، ووقف دعم الرياض للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. ومن شأن تلبية هذه الشروط أن ترسخ سيطرة الحوثيين على أجزاء كبيرة من اليمن.
هنا، يتساءل السفير الأميركي السابق لدى الرياض مايكل راتني “هل يمكنها (السعودية) إضعاف الحوثيين، أم أنها في حاجة إلى إيجاد مخرج؟”، مضيفاً أن الرياض قد تسعى في نهاية المطاف إلى هدنة مع الحوثيين، مستخدمةً مزيجاً من المفاوضات الدبيلوماسية والحوافز المالية.
واشار المفاوض الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر، إلى إن ميزة الحوثيين لا تكمن فقط في موقعهم قرب مضيق باب المندب، بل أيضاً في التفاوت الكبير في حجم المخاطر التي يواجهها كل طرف. وأضاف “البنية التحتية السعودية أكثر قيمة بكثير من البنية التحتية للحوثيين. فما سيخسرونه أقل بكثير مما سيخسره السعوديون”.
ونقلت صحيفة “الواشنطن بوست” عن محللين، أن أحداث عطلة نهاية الأسبوع الماضي (القصف الحوثي للمطارات وبينها مطار الملك خالد في الرياض)، “تسلط الضوء على المعضلة العميقة التي تواجه ولي العهد السعودي، إذ يتعين عليه الموازنة بين الضرورات الأمنية العاجلة والمصالح الاقتصادية طويلة الأمد”.
ولم يكن ترامب وحده الذي تردد في تقديم المساعدة العسكرية المباشرة للسعودية، إذ أن الحلف الدفاعي الثلاثي مع باكستان وتركيا الذي أبرم قبل شهرين، لم يتحرك عسكرياً، بذريعة أنه اتفاق دفاعي، واكتفت إسلام آباد وأنقرة ببيانات التضامن مع الرياض.
التطبيع.. و”أم الفاس”
في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها السعودية، ألقى ترامب مجدداً بالاتفاقات الإبراهيمية، كخيار أمام الرياض للحصول على مساعدة عسكرية إسرائيلية ضد الحوثيين. وقال إنه يعتقد بأن السعودية “ستقبل على الأرجح” مثل هذه المساعدة. وعندما سأله الصحافيون عما إذا كانت اتفاقات أبراهام قد عادت إلى طاولة البحث، أجاب: “نعم، أعتقد ذلك. ربما أكثر من أي وقت مضى. السعودية سعيدة جداً بتلقي الدعم من إسرائيل ومنّا”.
غير أن صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية نقلت عن مصدر ديبلوماسي، الأسبوع الماضي، أن ولي العهد السعودي “لا يرغب في تلقي مساعدة إسرائيلية”، خشية التداعيات السلبية للتعاون مع إسرائيل على الرأي العام السعودي، مشيراً إلى أن التدخل العسكري الإسرائيلي في اليمن يعد “خارج نطاق المسموح” بسبب معارضة بن سلمان له.
ووسط كل هذه الخيارات الصعبة أمام السعودية، لا تلوح فرصة لفك الارتباط بين حرب إيران وحرب اليمن وامتداداتها إلى السعودية، قبل تبلور حل أميركي-إيراني. هذا، إذا لم تذهب أميركا وإسرائيل إلى حرب جديدة على إيران قبل الانتخابات النصفية أو بعدها مباشرة. وترامب يهيء المناخات لضربة واسعة بعد الانتخابات تشمل استهداف جبل الفأس، الذي يتردد في أميركا وإسرائيل، أن ثمة نشاطاً نووياً في المكان القريب من منشأة نطنز. فهل هذه وظيفة “أم القنابل” التي يهدد بها ترامب؟
خبراء عسكريون يقولون إن هذا النوع من الذخائر، الذي استخدم للمرة الأولى ضد “داعش” في أفغانستان إبان ولاية ترامب الأولى عام 2017، ليس مخصصاً لاختراق التحصينات العميقة تحت الأرض، كون السلاح ينفجر قبل الاصطدام بالأرض. ولذلك، يرجحون أن لا تخدم “أم القنابل” الأهداف الاستراتيجية لترامب في إيران، وقد يتحول الأمر نوعاً من استعراض القوة قبل “اعلان النصر” والانسحاب من المستنقع الإيراني.
