النووي التكتيكي ضد “جبل الفأس”.. أم “وهم النصر بضربة واحدة”؟

الافتراض الذي يوجّه تفكير بعض المخططين في واشنطن بأن الضربة النووية ستصدم طهران وتدفعها إلى الاستسلام الفوري، على غرار استسلام اليابان غير المشروط عام 1945، "يمثل قراءة كارثية خاطئة للوضع الاستراتيجي الإيراني"؛ هذا ما يخلص إليه البروفيسور روبرت بيب، في مقالة من إعداده على نشر في موقع Escalation Trap في 21 أيلول/سبتمبر المنصرم وتم تحديثه في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.

تشير تقارير إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد يتخذ قراراً، بحلول السابع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بشأن توجيه ضربة إلى مُنشأة “جبل الفأس” في إيران؛ وهو موقع يقع على عمق سحيق لدرجة تعجز معها أي قنبلة تقليدية عن الوصول إليه. ولن نتيقن تماماً من استخدام ترامب لسلاح نووي إلا في اللحظة التي ينفجر فيها بالفعل.. لذا، حان الوقت لندرك جميعاً العواقب المترتبة على ذلك:

  • -ما الذي سيُدمر وما الذي سيبقى سليماً؟
  • -من سيتأثر بالإشعاعات (الغبار الذري)؟
  • -كيف سيكون الرد الإيراني؟
  • -ما هي التكلفة التي ستتحملها كل أسرة أميركية؟

هل ينبغي لترامب استخدام سلاح نووي؟

في ظلّ الارتفاع الحادّ في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، والتسارع الكبير في أعمال البناء في “جبل الفأس” -أكثر المنشآت الإيرانية تحصيناً لتخزين اليورانيوم المخصَّب- يوشك الوقت المتاح للتحرك على النفاد. وتتزايد الضغوط على ترامب لتوجيه ضربة حاسمة إلى النظام في الإيراني (…). وتشير شائعات متداولة في أروقة واشنطن إلى أن هذه الخطوة المضادّة قد تنطوي على توجيه ضربة نووية تكتيكية. ويجادل مؤيدو هذا الخيار بأن المنشأة مدفونة عميقاً تحت مئات الأمتار من الغرانيت الصلب، وأن الرأس الحربي النووي القادر على اختراق التحصينات الأرضية وحده يمتلك القوة اللازمة لتدمير المنشأة.

غير أن تنفيذ مثل هذه الضربة يعني تجاوز خط أحمر تاريخي، يتمثّل في استخدام السلاح النووي للمرة الأولى منذ ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان، في آب/أغسطس 1945، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 ألف مدني على الفور، وأحدث تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية. إن كسر هذا المحظور النووي المستمر منذ 80 عاماً ليس قراراً تكتيكياً محدود النطاق، بل خطوة ستكون لها تداعيات استراتيجية وتاريخية بعيدة المدى، من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى والمشهد الاستراتيجي العالمي لعقود مقبلة.

وقد تتحول الضربة المصمّمة لتجريد إيران من ورقتها النووية إلى شرارة لأزمة استراتيجية أكبر، من دون أن تنجح في معالجة جوهر المشكلة -أي تدمير منشأة “جبل الفأس”- لكن هذا لا يعني بالضرورة القضاء على البرنامج النووي الإيراني؛ فقد تبقى مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، كما قد تواصل إيران أنشطتها النووية في منشآت أخرى، أو تسعى إلى تطوير سلاح نووي.

ولا يقتصر الخطر بالفعل على ساحة المعركة؛ إذ بات القادة الإيرانيون يناقشون علناً احتمال الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي خطوة قد تزيل أحد القيود المؤسسية القليلة المتبقية على الطموحات النووية لطهران.

ولتقييم ما إذا كانت هذه المغامرة النووية الخطيرة ضدَّ “جبل الفأس” تستحق المخاطرة الكارثية المترتبة عليها، لا بُدَّ من الإجابة عن أربعة أسئلة أساسية:

1-هل تستطيع الضربة النووية القضاء فعلياً على التهديد؟ فإذا دمرت قنبلة تكتيكية الأنفاق الغرانيتية، لكنها أبقت اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني سليماً ومبعثراً، فسنكون قد تجاوزنا العتبة النووية لنجد أنفسنا أمام فراغ استخباراتي أعمق، عاجزين عن معرفة الوجهة التالية للمواد الانشطارية.

2-ما التداعيات التي قد يخلّفها هجوم نووي على منشأة “جبل الفأس” على السكان المحيطين بها، حتى لو اتُّخذت تدابير للحد من التساقط الإشعاعي؟ إن استخدام السلاح النووي مُجدّداً سيُثير حالة من الذعر العالمي غير المسبوق، ويطرح تساؤلات أوسع بشأن حجم الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية التي ستترتب عليه، والجهات التي ستتحمل كلفتها المباشرة.

3- كيف سترد طهران؟ يفترض مؤيدو الضربة أن إيران ستستسلم فوراً، على غرار اليابان عام 1945. لكن ماذا لو رفض النظام، وهو في وضع لا يُحسَد عليه، الاستسلام؟ كيف سيكون شكل الرد الإيراني، وما حجم التداعيات الانتقامية التي قد تترتب عليه، والتي ربما تتجاوز بكثير ما يستعد المسؤولون في واشنطن للإقرار به؟

4-إذا كانت الضربة النووية نفسها عاجزة عن القضاء على التهديد بشكل حاسم، فما الاستراتيجية التي يمكن أن تحمي المصالح الأميركية من دون إشعال كارثة استراتيجية أعمق تسعى واشنطن أصلاً إلى منعها؟

إن معالجة هذه المعضلات ليست مجرد نقاش نظري، بل مسألة مصيرية تتعلق بالأمن القومي وبقاء الدولة، وستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحافظ على مكانتها قوةً عظمى في العالم، أم تُقوّض مكانتها الاستراتيجية.

وَهْم الغرانيت: لماذا تفكر واشنطن بتوجيه ضربة نووية تكتيكية؟

في منتصف تموز/يوليو الماضي، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الاستخبارات الإسرائيلية خلصت إلى أن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم إلى الأنفاق. ووفقاً للتقارير، جرت عملية النقل لحماية المعدات التي نجت من الأضرار، بعدما ألحقت الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية المشتركة أضراراً بالمواقع النووية الإيرانية الرئيسية المعلنة، مثل “فوردو” و”نطنز”.

وتشير تقييمات خبراء مستقلين وصور الأقمار الصناعية، وفقاً لما أورده مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في جامعة “جورج تاون”، إلى أن المنشأة لم تدخل بعد مرحلة التشغيل الكامل. غير أن أعمال البناء تسارعت؛ إذ تُظهر الصور الحديثة تدعيم مداخل الأنفاق، واستكمال سور أمني محيط بالمنشأة، وإضافة حواجز ترابية على الطرق.

ومع ذلك، لا توجد رقابة مباشرة على الموقع. فقد رفضت إيران باستمرار السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية أو للمفتشين الدوليين بدخوله، كما امتنعت عن تقديم تفاصيل محدثة بشأن تصميمه، ما يجعل الطبيعة الحقيقية للأنشطة الجارية داخله غير مؤكدة.

وعلى خلاف المواقع المستهدفة سابقاً، تقع المنشأة النووية في “جبل الفأس” على عمق يصل إلى 500 قدم تحت طبقات من الغرانيت الصلب، إذ تمتد أنفاقها إلى أعماق أكبر بكثير داخل الجبل مقارنةً بموقع فوردو المتضرر. كما يبدو أن مداخل الأنفاق تتضمن انحناءات على شكل حرف U، صُممت لتشتيت موجات الانفجار ومنع الصواريخ من الوصول مباشرة إلى الممرات الرئيسية تحت الأرض.

ويخلق هذا الحاجز الجيولوجي واقعاً حسابياً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الذخائر التقليدية. ففي الغرانيت الصلب، تفقد القنابل الخارقة للتحصينات ما يصل إلى 90 في المائة من فاعلية انفجارها مقارنة باستخدامها في التربة العادية. وفي حين تستطيع أقوى قنبلة أميركية دقيقة التوجيه، تزن نحو 13.6 طن، اختراق نطاق يصل إلى نحو 61 متراً من التربة، فإن الطاقة التدميرية نفسها لا تؤدي في الغرانيت الكثيف إلا إلى انهيار نحو 6.1 أمتار منه فقط.

وبالنظر إلى طبيعة الغرانيت، فمن غير المرجّح أن تتمكن حتى الضربات المتعدّدة المتعاقبة من اختراق الحجرات المدفونة على أعماق سحيقة في “جبل الفأس”… النتيجة هي دمار تكتيكي يتمثل في انهيار الأنفاق المؤدية إلى المنشأة، وتمزق حوامل الكابلات، وسحق مجموعات أجهزة الطرد المركزي الموجودة على مقربة مباشرة من تجويف الانفجار.

وفي ضوء محدودية فاعلية الضربات الجوّية، أشار مسؤولون وخبراء دفاعيون إلى أن تحييد الموقع بالكامل قد يستلزم إما تنفيذ عمليات برّية محفوفة بالمخاطر تتطلب انخراط عدد كبير من القوات الخاصّة، تستهدف مداخل الأنفاق المكشوفة، أو التوصل إلى تسوية دبلوماسية طويلة الأمد.

وأمام هدف لا تستطيع الذخائر التقليدية سوى إلحاق أضرار سطحية به، سارع المخطّطون العسكريون إلى التركيز على القوة التدميرية للأسلحة النووية باعتبارها السبيل الوحيد لإحداث دمار بنيوي في المنشأة. ويسعى محللون عسكريون متشددون لإقناع البيت الأبيض بتبني هذا الخيار.

لكن وَهْم “النصر بضربة واحدة” ينطوي على خطورة بالغة؛ فهو سوء تقدير كارثي يخلط بين تدمير المنشأة مادياً وتحقيق نجاح استراتيجي، ويتجاهل تماماً التداعيات العالمية التي ستترتب على ذلك.

وَهْم الضربة النووية: لماذا سيظلُّ تهديد التخصيب قائماً؟

لفهم الأسباب التي تجعل توجيه ضربة نووية إلى “جبل الفأس” خياراً لن يحقق أهدافه الاستراتيجية، لا بدّ من النظر في الحدود الفيزيائية الفعلية للذخائر النووية المصمّمة لاختراق التحصينات الأرضية، عندما يكون الهدف مدفوناً تحت نحو 152 متراً من صخور الغرانيت.

يفترض مؤيدو الضربة أن استخدام سلاح نووي تكتيكي، مثل أحد أنواع القنابل النووية من طراز (b61 tactical gravity bombs) التي تُلقى من الطائرات والمصمّمة لاختراق التحصينات الأرضية، سيؤدي إلى تبخير المنشآت الواقعة تحت الأرض في جبل “الفأس بالكامل”.

لكن التدمير التكتيكي لا يعني القضاء الكامل على المخزون. فمعظم مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب سيظلُّ مدفوناً وسليماً تحت ملايين الأطنان من الأنقاض غير المستقرة وشديدة الإشعاع.

وبدلاً من تحييد المواد الانشطارية، ستؤدي الضربة النووية عملياً إلى طمر مخزون اليورانيوم وعزله داخل مستودع تحت الأرض، تحاصره الأنقاض المشعة، بحيث يتعذّر على أي قوة عسكرية تقليدية أو مفتش دولي الوصول إليه بأمان أو التحقق من محتوياته لسنوات.

وقد تمنع قنبلة نووية بقوة تفجيرية تبلغ 5 كيلوطن إيران من إزالة الأنقاض وإعادة التنقيب في المنطقة لأكثر من عام، فيما قد تطيل قنبلة بقوة تفجيرية تبلغ 10 كيلوطن هذه المدة إلى سنتين أو ثلاث سنوات.

وهنا يتجلّى الخلل التحليلي الأساسي في وَهْم “الضربة النووية الواحدة”: إذ يقوم هذا التصور على اختزال البرنامج النووي الإيراني في هدفٍ واحدٍ ومحدّد، مُتجاهلاً أنه شبكة واسعة ومترسخة من المنشآت المترابطة والممتدة على نطاق جغرافي واسع.

إن تفجير رأس حربي نووي لشق طبقات الغرانيت سيحرم القوات البريّة، نهائياً، من إمكانية التحقق من حجم الدمار داخل المُنشأة، والتأكد من القضاء على أجهزة الطرد المركزي ودفن أي يورانيوم مخصب؛ إذ إن المنطقة التي تعرضت حديثاً للإشعاع لن تكون قابلة لدخول قوات العمليات الخاصة؛ لكن حتى لو جرى تحييد “جبل الفأس” بالكامل، فإن طهران لا تعتمد على منشأة واحدة تحت الأرض.

إقرأ على موقع 180  الحربُ على جنوب لبنان.. الأرضُ بوصفها سلاحًا

فوفقاً لنتائج معهد العلوم والأمن الدولي، تعتمد إيران على شبكة واسعة من المنشآت التقنية المحصنة، والمقامة تحت الأرض، والمزودة بتحصينات عميقة. وقد صُممت هذه البنية التحتية الموزعة عمداً بحيث يصعب رصدها من الخارج، مع توفير الحماية للمنشآت والأصول الحيوية من الضربات الدقيقة المحتملة. وتضم هذه الشبكة مواقع يمكن تجهيزها بمجموعات من أجهزة الطرد المركزي القابلة للتركيب، أو استخدامها لتطوير عمليات تصنيع مكونات الأسلحة. وقد يتزايد عدد هذه المواقع ويتوسع انتشارها خلال أشهر قليلة.

إن الهجوم النووي على “جبل الفأس” لن يدمر هذه الشبكة اللامركزية، بل سيعجّل بتفعيل أخطر دوافعها.. ولن تسمح إيران بوجود مفتشين في الموقع، ومن المرجّح أن تبذل جهوداً كبيرة لتعطيل أجهزة الاستشعار وكشف العملاء المحليين الأميركيين والإسرائيليين وإفشال مهمتهم.

ومع توالي الأسابيع والأشهر، ستتزايد مخاوف المخطّطين الأميركيين وشكوكهم: فبعد تدمير منشأة “جبل الفأس” ووضع النظام الإيراني تحت الضغط، هل تكون 20 إلى 30 منشأة أخرى قد بدأت بالفعل تشغيل أنشطة متقدمة لتخصيب اليورانيوم بعيداً عن أعيننا؟ (…).

الحقائق المميتة للغبار الذري المتساقط

سيؤدي تفجير نووي بقوة تتراوح بين 5 وَ 10 كيلوطنات، مصمّم لاختراق التحصينات الأرضية في “جبل الفأس”، إلى كارثة إنسانية على الفور.

وتفرض الخصائص الفيزيائية للتفجير النووي المخترق للأعماق انجراف ملايين الأطنان من الغرانيت المسحوق إلى داخل السحابة المُشعة، لتتحول إلى جُسيمات خشنة شديدة السُمية والفتك.

وفي حين ستظلُّ الجُسيمات الدقيقة عالقة في الهواء، لتنتقل آلاف الكيلومترات بفعل التيارات الهوائية، فإن التساقط الإشعاعي الأثقل والأكثر خطورة سيغطي المناطق المحيطة بموقع الانفجار خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، وسيمتد مع اتجاه الرياح ضمن نطاق مميت لمسافة تتراوح بين 16 و24 كيلومتراً تقريباً.

أما الكلفة البشرية لهذا النطاق الإشعاعي فستكون كبيرة جداً. ويوضح الجدول أدناه أعداد السكان المدنيين الذين يمكن أن يصبحوا محاصرين داخل نطاق الضربة الأساسية والمسارات التي سيمتد إليها التساقط الإشعاعي مع اتجاه الرياح:

ومن المتوقع أن يحصد الإشعاع أرواح آلاف الأشخاص خلال الأشهر والسنوات المقبلة، فيما سيتعرض نحو مئة ألف شخص، على الأقل، للإشعاع، وسيعيش أضعاف هذا العدد في خوف من احتمال تعرضهم له.. وإذا كسرت الولايات المتحدة المحظور النووي، ووجهت ضربة نووية إلى “جبل الفأس”، فستتحول فوراً إلى دولة منبوذة على مستوى العالم. ليس هذا مجرد خطاب بلاغي، بل هو تقدير واقعي لما تفرضه اعتبارات البقاء والمصالح الجيوسياسية، سواء على أقرب حلفاء الولايات المتحدة أو أشد خصومها. فإزاء إدارة أميركية مستعدة لجعل استخدام السلاح النووي من جانب واحد أمراً مقبولاً في العلاقات الدولية، سيجد المجتمع الدولي نفسه مدفوعاً إلى فرض قيود صارمة عليها، ولكن بوسائل غير عسكرية (…).

وَهْم تكرار استسلام اليابان عام 1945

إن الافتراض القاتل الذي يوجّه تفكير المخططين في واشنطن هو أن الضربة النووية ستصدم طهران وتدفعها إلى الاستسلام الفوري، على غرار استسلام اليابان غير المشروط عام 1945، يمثل قراءة كارثية خاطئة للوضع الاستراتيجي الإيراني.

فكما كتبت في تحليلي التاريخي الموسع لاستسلام اليابان في كتابي “القصف لتحقيق النصر” (Bombing to Win)، لم يحدث استسلام طوكيو في فراغ من الإكراه النووي المحض، بل جاء تحت ضغط فوري فرضته معضلة مدمرة على جبهتين.

فقد جاء استسلام اليابان نتيجة تضافر عاملين حاسمين: التهديد الوشيك بشنّ غزو برّي أميركي واسع ومدمّر، والتدخل العسكري السوفيتي الذي ألحق، في وقت وجيز، هزيمة ساحقة بالقوة القتالية اليابانية الرئيسية في القارة الآسيوية، والمتمركزة في منشوريا (شمال شرق الصين).

أما في حالة إيران اليوم، فإن هذه العوامل الأساسية التي أسهمت مجتمعة في تحقيق الهزيمة العسكرية لليابان عام 1945 غائبة تماماً. ولذلك، فإن إسقاط تلك التجربة التاريخية على الحالة الإيرانية ينطوي على وهم استراتيجي بالغ الخطورة.

بالنسبة إلى النظام الإيراني، فإن الاستسلام عقب تعرضه لهجوم نووي يعني القبول بمستقبل تصبح فيه إيران عرضة لابتزاز نووي أميركي وإسرائيلي بلا حدود أو قيود.

ومن ثم، بدلاً من الرضوخ والتراجع، يُرجّح أن تلجأ طهران إلى استراتيجية تقوم على توظيف أدوات غير تقليدية، واستغلال مختلف الوسائل المُتاحة لها لتحقيق أقصى قدرٍ ممكن من الضغط والنفوذ.

أولاً، من المرجح أن يفعّل النظام شبكاته الواسعة من الحلفاء وأجهزة الاستخبارات، لشنّ حملة من العمليات الانتقامية المدمرة التي يصعب تحديد الجهة المسؤولة عنها. وقد تستهدف هذه العمليات حركة النقل والمواصلات الغربية على المستوى العالمي، مع التركيز على الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب المادي التي تطال طائرات الركاب التجارية، بما يعرّض المدنيين للخطر ويثير حالة واسعة من الرعب والهلع.

ثانياً، لن تؤدي الضربة النووية الأميركية بالضرورة إلى وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم، بل قد تأتي بنتيجة عكسية، إذ ستعزّز قناعة التيار المتشدّد في إيران بأن امتلاك سلاح نووي قابل للاستخدام هو الضمانة الوحيدة الكفيلة بتوفير ردع حاسم في مواجهة أي عدوان خارجي –أميركي أو غيره.

وبدلاً من أن تشكّل أنقاض منشأة “جبل الفأس” انتكاسة للبرنامج النووي الإيراني، فقد تتحول إلى نقطة انطلاق لسباق محموم لتوسيع الأنشطة النووية وتوزيعها على عشرات المواقع البديلة في أنحاء البلاد، بهدف تطوير رؤوس حربية نووية وتجهيزها بعيداً عن أعين الرقابة. ومن شأن ذلك أن يقضي عملياً على أي فرصة للتوصل إلى تسوية دبلوماسية.

وحتى من دون استخدام قنبلة نووية، ستصبح مخاطر ما يُعرف بالقنابل القذرة الإشعاعية أمراً واقعياً. إذ يمكن توزيع مخزون إيران البالغ 10 آلاف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 5 في المئة، وألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، على الوكلاء والشبكات الإرهابية.

ولا تقتصر المخاطر على احتمال استخدام سلاح نووي؛ ستصبح مخاطر ما يُعرف بـ”القنابل الإشعاعية القذرة”، التي تنشر مواد مُشعّة من دون إحداث انفجار نووي، أمراً واقعاً. إذ يمكن توزيع مخزون إيران، الذي يبلغ نحو 4.54 أطنان من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 5 في المائة ونحو طنّ واحد من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60 في المائة، على الحلفاء.

وبناءً على هذا السيناريو، قد تواجه التجمعات السكانية في تل أبيب والمدن الأميركية تهديدات مفاجئة بهجمات تستخدم “قنابل إشعاعية قذرة”، وقد يكون وقوع هجوم واحد كافياً لإثارة حالة واسعة من الذعر والهلع.

وهكذا، لن تقتصر تداعيات الرد الانتقامي المحتمل على لحظة المواجهة، بل قد تظلُّ مخاطره تلقي بظلالها على الولايات المتحدة والأميركيين لسنوات طويلة مقبلة.

البديل الاستراتيجي للكارثة النووية

يتطلب المسار البديل، وهو المسار الذي قد يتبناه رئيس يمتلك رؤية استراتيجية واسعة مثل رونالد ريغان، التراجع عن حافة الإكراه الأحادي الجانب، والعمل بدلاً من ذلك على بناء منظومة أمن إقليمي مُستدامة.

ومن المهم أن نتذكر أن رونالد ريغان انتصر في الحرب الباردة من دون إطلاق رصاصة واحدة، ومن دون قصف موسكو، ومن دون إشعال حرب بل اتبع فعلياً مبدأ “السلام من خلال القوة”، عبر بناء استراتيجية احتواء قوية وسلمية أنجزت العمل الحقيقي.

بدلاً من المناورات التصعيدية عالية المخاطر التي تمزق النظام العالمي، يتعين على واشنطن أن تتولى زمام المبادرة لبناء إطار شامل ومتعدد الأطراف، يضم القوى الإقليمية الرئيسية: السعودية وتركيا وإسرائيل.

ومن خلال الربط الصريح بين الالتزامات الأمنية الجماعية وتعزيز منطقة إقليمية خالية من انتشار الأسلحة النووية، يمكننا إعادة تأكيد المبادئ الأساسية لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتوسيع نطاقها.

إن إدخال إسرائيل في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، على غرار الهند، وفق صيغة “نصف انضمام ونصف خروج” (أي المشاركة الجزئية في المعاهدة)، من شأنه أن يوفر لإيران حوافز أمنية حقيقية وقابلة للتحقق، ومسارات للخروج من الأزمة، بدلاً من دفع النظام إلى زاوية وجودية لا يرى فيها سوى الإسراع نحو امتلاك السلاح النووي باعتباره وسيلة وحيدة للبقاء (…).

(*) ملاحظة ترجميّة: حافظت على الأرقام والتقديرات والادعاءات الواردة في النص الأصلي كما هي، ولم أتعامل معها باعتبارها معلومات جرى التحقق من صحتها. كما ترجمت بعض العبارات الملتبسة وفق أقرب معنى ينسجم مع السياق، من دون إضافة معلومات من خارج النص.

(**) ترجمة عن موقع “فخ التصعيد Escalation Trap“- موقع إلكتروني على منصة Substack، يديره البروفيسور الأميركي روبرت بيب، وهو متخصص في العلوم السياسية والاستراتيجية العسكرية.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  روبرت كاغان: حربُ ترامب لكسر إيران جعلتها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط