“عبدول” يُحرج الديمقراطيين: هل يجرؤون على ترشيحه للرئاسة الأميركية؟

قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تصوّر وصول أميركي مسلم إلى مجلس الشيوخ، ومن هنا يُعدّ فوز عبد الرحمن السيد (عبدول) بمقعد لتمثيل ولاية ميشيغان ليس مجرد سابقة تاريخية مهمة فحسب، بل تطوراً ينبغي البناء عليه لدعم حجج ترشحه للرئاسة عام 2028.

فاز عبد الرحمن (الذي يُشار إليه باسم «عبدول») على منافسه الجمهوري مايك روجرز بفارق يقترب من سبع نقاط مئوية كاملة، وهي نسبة كبيرة في ولاية متأرجحة تاريخياً بين الحزبين.

ويُمثّل البعد التاريخي لفوز “عبدول” نصف القصة، أما النصف الآخر فيتعلق بكيفية فوزه، على الرغم من استهدافه من جانب الرئيس الأميركي ونائبه، واللوبيات الصهيونية، والتيارات اليمينية، وإيلون ماسك، أغنى رجل في تاريخ كوكب الأرض.

ويكشف فوز “عبدول” الاتجاه الذي ينبغي للحزب الديمقراطي أن يسلكه في المرحلة المقبلة، خاصةً ما يتعلق بالبحث عن مرشح كاريزمي يحمل بطاقة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية عام 2028. ومن هنا، أرى أنه ينبغي للسيناتور “عبدول” أن يفكر جدياً في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

***

لم يكن طريق “عبدول” إلى الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ مفروشاً بالورود، بل كان طريقاً وعراً وصعباً. ففي أغسطس الماضي، هزم النائبة هايلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بفارق أقل من نقطة مئوية واحدة، وذلك رغم تفوقها الكبير في جمع التبرعات، ودعم قطاعات واسعة من المؤسسة الحزبية التقليدية في الولاية، التي حذّرت من أن نجاح “عبدول” يمثل مخاطرة كبيرة في انتخابات نوفمبر.

وقبل يومين فقط من الانتخابات العامة، انقلبت ستيفنز عليه؛ فبعد أن قررت دعمه عقب هزيمتها، أعلنت تأييدها للمرشح الجمهوري روجرز. أما الرئيس ترامب، فقد شكك علناً، وعلى مدار عدة أسابيع، في ولاء “عبدول” للولايات المتحدة، واتهمه بالتطرف وبأنه جهادي راديكالي.

استطاع “عبدول” استيعاب كل هذه الضغوط، وحقق فوزاً مريحاً في ولاية لا يفوز فيها أحد بفوارق كبيرة. وبعدما اعتقد قادة الحزب الجمهوري أن مرشحي الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي يمكنهم الفوز في مدينة نيويورك أو سان فرانسيسكو، لكنهم لا يستطيعون الفوز في ولايات الوسط أو الوسط الغربي، فاجأهم “عبدول” بهذا النصر الكبير.

خاض “عبدول” حملته الانتخابية على أساس ضرورة توفير الرعاية الصحية الشاملة، وتخفيف أعباء الديون الطبية، وفرض ضرائب أعلى على ثروات المليارديرات. وتمكن من ربط هذه الخطوط العامة لحملته بلغة فواتير البقالة وأسعار الإيجارات والأدوية ووقود السيارات، وكافأه الناخبون في ولاية متأرجحة على ذلك.

لم يفز “عبدول” بالاعتماد على أصوات جالية مسلمة أميركية لا تتعدى نسبتها 3% من سكان الولاية، ولم يفز بإخفاء هويته المصرية العربية المسلمة، بل فاز بجعل حملته تدور حول معاناة العائلات الأميركية في تدبير سبل المعيشة الأساسية، ورفض السماح لخصومه بتحويل حملته إلى أي قضية أخرى.

***

لم يكن لـ«عبدول» أن يفوز من دون أصوات الأميركيين من أصول أفريقية، واليهود، والمسلمين، والآسيويين، و«الهيسبانيك»، الذين يمثلون جميعاً ما نسبته 23% من إجمالي سكان ولاية ميشيغان البالغ عددهم 10 ملايين نسمة. ولم يكن من الممكن لـ”عبدول” أن يفوز من دون أصوات البيض، الذين تبلغ نسبتهم 77% من سكان الولاية.

وهذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية جامدة، بل هي إعلان عن حقيقة أن الصوت الانتخابي يذهب إلى من يراه الناخب المرشح الأفضل، وهذا يقودنا إلى انتخابات عام 2028.

قد يقول البعض إن الحديث عن هذا الشأن سابق لأوانه؛ فـ”عبدول” لم يؤدِّ اليمين الدستورية بعد، وبحلول موعد الانتخابات التمهيدية الرئاسية، لن يكون قد أمضى في مجلس الشيوخ سوى عام ونصف العام.

لكن هذا هو المسار الذي سبق أن اتبعه الرئيس السابق باراك أوباما؛ إذ كان أوباما سيناتوراً في ولايته الأولى، ولم يكن قد أمضى في واشنطن سوى أقل من أربع سنوات عندما فاز بالرئاسة عام 2008.

الخبرة مهمة، لكن الرئاسة تذهب إلى المرشح القادر على وصف مشكلات البلاد بطريقة يتعرّف الناس من خلالها إلى واقعهم، وجعلهم يؤمنون بأن هذه المشكلات قابلة للحل، كما فعل أوباما ومن بعده ترامب.

***

أمضى “عبدول” حياته المهنية في مجال الصحة العامة، وأعاد بناء إدارة الصحة في مدينة ديترويت، أكبر مدن الولاية. وبعد أن أثبت قدرته على الفوز في سباق انتخابي شرس على مستوى ولاية متأرجحة، لم تعد خبرته محدودة، بل أصبحت سيرته الذاتية فريدة من نوعها.

أما الاعتراض الأكثر تداولاً فسيتعلق بسؤال استنكاري: هل يمكن لمسلم أن يُنتخب رئيساً للولايات المتحدة؟

سبق أن أظهرت استطلاعات الرأي، على مدى عقود، أن نسبة كبيرة من الأميركيين تقول إنها ستتردد في التصويت لمرشح مسلم، كما أن الهجمات التي واجهتها حملة “عبدول” الانتخابية في ميشيغان تقدم لمحة عما قد تحمله أي حملة انتخابية رئاسية.

لكن التاريخ لا يقف في صف هذه الحجج، التي سبق أن ساقها البعض عندما ظهر مرشح رئاسي أسود اسمه أوباما، ومن قبله المرشح الكاثوليكي جون كينيدي عام 1960.

إقرأ على موقع 180  غزة الأيقونة: بقيَت المقاومة.. وتبقى فلسطين 

اعتقد كثير من الأميركيين أن الشخص الأسود أو الكاثوليكي لا يمكن أن يصبح رئيساً، وأن كينيدي سيخضع لأوامر بابا الفاتيكان في روما، وأن أوباما، بوصفه أميركياً أسود، لن يتحرر من إرث عبودية أجداده. وبرغم ذلك، فاز الرجلان.

ويعلّمنا ذلك أن التحيز والأفكار المسبقة ليست قدراً ثابتاً، بل هي واقع يتغير. ويؤكد الدستور الأميركي نفسه، في المادة السادسة، أنه لا يجوز اشتراط أي اختبار ديني لتولي المناصب العامة.

وهناك أيضاً حجة استراتيجية تتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي ذاته؛ فالمشكلة الأساسية التي واجهها الديمقراطيون في السباقات الانتخابية الأخيرة لم تكن نقصاً في المرشحين ذوي الخبرة، بل نقصاً في المصداقية لدى الناخبين من الطبقة العاملة، الذين يشعرون بأن الحزبين قد تخليا عنهم.

نجحت حملة “عبدول” في بناء نموذج للتحالف متعدد الأعراق والطبقات، وهو التحالف الذي يقول الديمقراطيون باستمرار إنهم يريدون بناءه.

***

الرئيس الأميركي يجب أن يكون رئيساً لجميع الأميركيين، وقد أثبت “عبدول” أنه مرشح صوّت له أبناء الأقليات والأميركيون البيض بنسب كبيرة.

انتخابات الولايات، بلا شك، تختلف عن الانتخابات الرئاسية، وقد يقرر “عبدول” أن مجلس الشيوخ هو المكان الذي يستطيع فيه تقديم أكبر فائدة لأبناء ولايته، وسيكون ذلك خياراً يستحق الاحترام. لكنني أرى كاريزما فريدة من نوعها، وأرى شخصية ماهرة في التواصل ولمس أوتار ناخبين من خلفيات متناقضة.

قيل من قبل إن أميركا ليست مستعدة لكينيدي ولا لأوباما، ولا حتى لترامب، لكن ميشيغان أظهرت أن أميركا قد تكون أكثر استعداداً مما يعتقده الكثيرون.

والسؤال الصعب حول انتخابات 2028 ليس ما إذا كانت أميركا قادرة على انتخاب رئيس مسلم، بل ما إذا كان الحزب الديمقراطي يمتلك الثقة الكافية لترك القرار لناخبيه.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أُمّةٌ لبنانية من.. طائفتين فقط!