جيلٌ أميركيٌّ جديدٌ يطرح أسئلة العدالة الاجتماعية والمواطنة والحروب

لا تكمُن أهمية "التسونامي" السياسي الذي وُصِفَت به نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في فوز مسلمين أو نساء ورجال من أصول إفريقية أو لاتينية أو من السكان الأصليين فحسب، بل في الخطاب السياسي الذي حمله عددٌ من هؤلاء الفائزين، واستطاعوا من خلاله كسب ثقة الناخبين، على الرغم من الأموال الطائلة التي أُنفقت لمحاولة هزيمتهم. إنّه خطاب يعيد طرح أسئلة أساسيّة حول معنى المواطنة المتساوية، ودور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهيمنة المال على السياسة، والمسؤولية الأخلاقية للولايات المتحدة تجاه ما يجري في العالم.

ففي تكساس، فاز الديموقراطي جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ في مواجهة حملة جمهورية حظيَت بدعمٍ ماليّ كبير من إيلون ماسك. وكان لافتاً للانتباه أنّ هذا السياسي المسيحي، الذي يُدرّس اللاهوت، جعل من القيم الدينية منطلقاً للدفاع عن المساواة الإنسانية، لا لتبرير التمييز بين الناس. ففي حديثه عن مأساة غزّة، قال: “صرختُ في وجه الله بسبب الأطفال الجائعين، إلى أن أدركتُ أن هؤلاء الأطفال الجائعين كانوا صرخة الله الموجّهة إليّ.. إن الله يصرخ في وجهنا جميعاً في غزّة والضفة الغربية. وعلينا أن نصغي إلى هذه الصرخات، لأنها تتطلب منا أن نتحرّك”. وأضاف: “كلّ البشر خُلقوا على الصورة الإلهية، وهذا يعني أن لكل إنسان القيمة نفسها”.

لم يكن تالاريكو وحيداً في هذا الموقف. فقد صرّح تروي جاكسون، الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ماين، بأن “كلّ من يمتلك عينين وقلباً يعرِف أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزّة. يجب أن يتوقّف ذلك، ونحن الأميركيين نملك القدرة على إيقافه”. أما براد لاندر، السياسي اليهودي الفائز بمقعد الدائرة العاشرة في نيويورك، فقد عارض نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، وأعلن أنه “لا يمكننا الاستمرار في التواطؤ في الإبادة الجماعية”.

ولعلّ الأهم أنّ قضية غزّة لم تُطرَح في هذه الخطابات بوصفها قضية سياسة خارجية فحسب، بل ارتبطت بمفهوم أوسع للمساواة في الحقوق، داخل الولايات المتحدة وخارجها. فقد أكد كريس راب، الفائز عن بنسلفانيا، أنه “لا ينبغي لأيّة دولة أن تقيم تراتبية بين الناس على أساس دينهم”، في معرض حديثه عن حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكنّ المعركة الأساسية لهؤلاء المرشحين دارت حول معنى المواطنة الأميركية ذاتها، في مواجهة تصاعد النزعات القومية الدينية والتمييز ضد المهاجرين والأقليات. فقد رفض تالاريكو أن تكون الولايات المتحدة دولة تقوم على هويّة دينية واحدة، قائلاً: “أميركا ليست أمّة مسيحية، بل أمّة يتمتع فيها المرء بحريّة أن يكون مسيحياً أو مسلماً أو يهودياً أو هندوسياً أو سيخياً أو بوذياً أو لاأدرياً أو ملحداً”. وأضاف: “لا يمكنك أن تحبّ الله وتكره الآخرين. لا يمكنك أن تحب الله وتسيء إلى المهاجر، أو تتنمّر على المهمّش، أو تضطهد الفقير”. وحذّر من أن “أخطر أشكال الحكم هي تلك التي ترفع ديناً فوق سائر الأديان”.

وإذا كان تالاريكو قد استند إلى قناعاته اللاهوتية للدفاع عن المساواة، فإن عبد الرحمن السيد (عبدول)، الأميركي المسلم الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، اختار الانطلاق من الدستور وحياد الدولة تجاه الأديان. ففي ردّه على ناخب شكّك في ولائه بسبب إسلامه، قال: “أنا لا أترشح لأكون سيناتوراً مسلماً. أنا أترشح لمجلس الشيوخ الأميركي، ويصادف أنني مسلم”. وأردف: “لدينا دستور، وهذا الدستور يضمن لك الحق في أن تعيش وفق إيمانك، ويضمن لي الحق نفسه”. واستحضر تجربة جون كينيدي، الذي واجه في زمانه تشكيكاً في ولائه للولايات المتحدة بسبب كاثوليكيته. ثم لخّص جوهر موقفه بالقول: “إنهم يريدون أميركا تضيق ببعضنا، ونحن نعلم أن أميركا تتّسع لنا جميعاً”.

هكذا يلتقي خطابان مختلفان، أحدهما ينطلق من الإيمان الديني والآخر من المبادئ الدستورية، عند فكرةٍ واحدة: المواطنة ليست امتيازاً تمنحه الأغلبية الدينية أو الإثنية، بل حقٌ متساوٍ لجميع المواطنين.

غير أن المساواة السياسية لا تنفصِل، في نظر هذا التيار الصاعد، عن المساواة في الفرص والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يظهر بعدٌ ثالث في هذا الخطاب: مواجهة هيمنة المليارديرات والشركات الكبرى على الحياة السياسية الأميركية.

فقد أعلنت بيغي فلاناغان، الفائزة بمقعد مجلس الشيوخ عن مينيسوتا، أن “العاملين يستحقون اقتصاداً وبلداً يعملان لمصلحتهم، لا لمصلحة دونالد ترامب وأصدقائه المليارديرات”. ودعت إلى “حركة أميركية جديدة، لا يحدّدها جشع الشركات أو الكراهية السياسية، بل قوّة الناس حين يتحدون للمطالبة بالتغيير”.

أما براد لاندر، فانتقد السياسيين الذين يتلقّون أموالاً طائلة من لجان التمويل المرتبطة بالشركات، ويبدون كأنهم يعملون لمصلحة وول ستريت وشركات العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي و”أيباك”. وذهب كريس راب أبعد في نقد النظام الاقتصادي السائد، معلناً أن “الرأسمالية الخالصة لم تنجح قط”، في دفاعٍ واضح عن دور الدولة والخدمات العامة والحقوق الاجتماعية.

لكنّ عبد الرحمن السيد كان أكثرهم صراحةً في تسمية الخصم السياسي والاقتصادي، إذ دعا إلى مواجهة “أوليغارشيات الشركات الكبرى التي اشترت حكومتنا وباعتها، وصمّمت النظام ليعمل ضدنا”. وأضاف: “لقد أثبتنا أنّه في المعركة بين المال والكثرة، تستطيع الكثرة أن تنتصر”. ثم وجّه رسالة إلى لجان الإنفاق السياسي الكبرى وأصحاب المصالح الخاصة الذين حاولوا هزيمته: “نحن قادمون لتغيير نظامكم السياسي”.

ليست هذه الأفكار جديدة تماماً في التاريخ الأميركي، فقد عرفت الولايات المتحدة حركات عمالية وتقدمية ونضالات طويلة ضد الاحتكارات والتمييز الاجتماعي والعرقي. إلاّ أن اللافت للانتباه اليوم هو عودتها إلى واجهة التنافس الانتخابي، على ألسنة جيلٍ جديد من السياسيين استفادوا من الطريق الذي مهّدته حركة بيرني ساندرز واليسار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، ومن تصاعد الاستياء الشعبي تجاه تفاوت الثروة وتكاليف المعيشة والحروب الأميركيّة في الخارج وتراجع الثقة بالمؤسسات.

إقرأ على موقع 180  الهوية الوطنية السورية.. ألف التنوع وتاء القسر!

ويبدو أنّ الأسواق المالية قد التقطت هذا التحوّل سريعاً، إذ انفجرت فقاعة أسهم شركات الذكاء الاصطناعي فور إعلان النتائج، وهو انفجار كان متوقّعاً لأنّ إيرادات هذه الشركات لا تتناسب مع قيمتها السوقية، فيما كانت هذه الفقاعة قد ركّزت أموالاً طائلة في أيدي أصحابها.

وبالطبع، لا تعني النتائج أنّ السياسة الأميركية ستتغيّر سريعاً. فالمؤسسات السياسية والاقتصادية الراسخة، وجماعات الضغط والمصالح المالية، تمتلِك من أدوات التأثير ما يكفي لمقاومة التحوّلات التي تهدّد امتيازاتها، بما في ذلك داخل الحزب الديموقراطي نفسه. كما أن المواقف الجريئة في الحملات الانتخابية لا تتحوّل بالضرورة إلى سياسات وتشريعات، وبخاصةً في نظام سياسي تتوزع فيه السلطات وتتعقد فيه آليات اتخاذ القرار.

لكنّ ما يستحق الانتباه هو التحوّل في الأسئلة التي تُطرح على المجتمع الأميركي. فبدلاً من الاكتفاء بوعد “الحلم الأميركي” القائم على إمكان الثراء الفردي السريع، تعود إلى الواجهة أسئلة العدالة الاجتماعية: كيف يستطيع المواطن أن يعيش بكرامة؟ وكيف يحصل على الرعاية الصحية والسكن والتعليم؟ ولماذا يمتلك المليارديرات والشركات الكبرى نفوذاً يفوق نفوذ المواطنين العاديين؟ وهل يمكن للديموقراطية أن تبقى متساوية في الحقوق، بينما تتسع الفوارق في الثروة والسلطة؟

وهناك سؤال آخر لا يقلّ أهمية: كيف تستطيع الولايات المتحدة أن تدافع عن الديموقراطية والحقوق المتساوية داخل حدودها، بينما تدعم خارجها حروباً وسياسات تتناقض مع هذه المبادئ؟

ولعلّ المغزى الأعمق لهذه الانتخابات أنها أعادت فتح النقاش حول معنى الديموقراطية ذاتها: أهي نظام يضمن المساواة الفعلية بين المواطنين، أم آلية انتخابية تستطيع الأوليغارشيات توجيهها بأموالها ونفوذها؟

من هنا تأتي أهمية هذه التحوّلات بالنسبة إلى منطقتنا. إذ أنّ الله يصرخ في وجهنا نحن أيضاً بما يحدث في غزّة والضفّة وجنوب لبنان وسوريا. والأسئلة نفسها مطروحة عندنا: المواطنة المتساوية، نفوذ المال، وتقاعس الدولة عن تأمين الرعاية الصحيّة والسكن والتعليم.

ليس مؤكّداً أن هذا الجيل الجديد سينجح في تغيير أميركا. لكنّ المؤكد أن خطابه أعاد طرح سؤال بات يصعب تجاهله: لمن تعمل الدولة، ولمن تُستخدَم قوتها وثروتها؟ للمواطنين جميعاً، أم للقلّة التي تملك المال والنفوذ؟

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  واشنطن وطهران.. لحظة غموض استراتيجي