روسيا الشرق أوسطية.. قوة الحضور وقلة الفاعلية 

مرحلة ما بعد الإنتخابات الأميركية وفوز الديموقراطي جو بايدن، تطرح أسئلة كثيرة في منطقة الشرق الأوسط. منطقة يتعدد فيها اللاعبون الإقليميون والدوليون ومنهم روسيا التي يتميز حضورها بسمات مختلفة عن الآخرين. ما هي هذه السمات؟

حين يجول النظر في خرائط الشرق الأوسط، تقع العين السياسية على حضور روسي كثيف يتخذ أشكالاً شتى، بعضه عسكري بصبغة شديدة كما هي الحال في سوريا وليبيا، وبعضه ذو طابع سياسي متقدم، كما هو أمر مصر ودول خليجية عدة بينها السعودية، وبعضه الثالث ينطوي على “مظاهر استراتيجية”، كما في الحالتين الإيرانية والتركية، ورابعه غزير بمعناه الأمني، كما هو واقع العلاقة التقليدية بين روسيا وإسرائيل، منذ زمن جوزف ستالين إلى زمن فلاديمير بوتين.

تنفرد روسيا في سياساتها الشرق أوسطية، بظاهرة ملحوظة تفتقدها السياسات الإقليمية والدولية الأخرى، من حيث  القدرة على صوغ  علاقات صداقة  بين أضداد ومتنافرين. فدول الإقليم، وعلى ما بينها من حروب وصراعات ونزاعات، أغلبها صديقة لروسيا. تحت مظلة الصداقة الروسية، توجد سوريا وتركيا، وتحت المظلة إياها توجد إيران وإسرائيل والسعودية، وكذلك مصر وقبرص وتركيا، وفي النموذجين اليمني والليبي، لا يقطع الروس شعرة معاوية مع أي من الأطراف المتقاتلة، وذاك ما ينطبق على العلاقة مع الأكراد السوريين، فعلى الرغم من تموضعهم الأميركي، إلا أن روسيا تأبى إغلاق نوافذ التواصل معهم.

تلك الظاهرة المستجدة في العلاقات الدولية، سمة روسية منفردة ومتفردة، لا تماثلها ظاهرة سابقة في السياسات التاريخية لدول كبرى حيال الشرق الأوسط، فدول عريقة الوجود والنفوذ والحضور، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، غالباً ما تنم سياساتها الشرق أوسطية، عن اندراج في قواعد سياسات المحاور والإستقطاب الحاد، فيما عملت روسيا الحالية على تجاوز تلك القواعد المألوفة، بما فيها قواعد الإصطفاف الصراعي في المرحلة السوفياتية.

أن يصل الحل إلى حالة انسداد في ظل الحضور العسكري الروسي الطاغي والأكثر فعالية في سوريا، فهذا يطرح على الروس إشكالية أن قوة حضورهم العسكري تفتقد إلى قوة الفاعلية السياسية

مع ذلك، وبالرغم من هذه الفرادة  الروسية وحضورها اللافت للإنتباه، يبرز سؤال صعب حول فاعلية الدور الروسي في المنطقة الشرق أوسطية، ومدى استطاعة الروس الإستثمار السياسي في حضورهم الإقليمي الكثيف، واستطراداً، نقله من الإطار الجاف في السياسات الدولية إلى الإطار الوازن.

ذاك السؤال، ربما يعيد إلى دائرة النقاش، العوامل التي أنتجت الحضور الروسي في المنطقة وأسهمت في كثافته، وعما إذا كانت تلك العوامل ذاتية أم موضوعية، ومثل هذا النقاش، لعله يجيب على مفارقات عدة، من بينها عدم قدرة روسيا على إنتاج حلول سياسية في مناطق وجودها وحضورها، ومن هذه الزاوية، قد يفيد التطرق إلى عدد من النماذج.

النموذج السوري

لا جديد في القول، إن الدخول الروسي المباشر في الحرب السورية  منذ الثلاثين من أيلول/ سبتمبر عام 2015، قلب ظهر المجن، وعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، استطاعت الدولة السورية بسط سيادتها على أكثر من ثلثي أراضي البلاد بمعية حلفائها الروس والإيرانيين، ومع أن هذا التحول الميداني الواسع والضخم جعل روسيا تمسك بمفاصل عدة من الأزمة السورية، إلا أنها أخفقت في حل الأزمة وأخفقت أيضا بإعادة النازحين السوريين إلى قراهم ومدنهم السورية.

لماذا هذا الإخفاق؟

لا شك بأن تعدد الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية، يسد طريق الحل بنسبة معقولة، لكن أن يصل الحل إلى حالة انسداد في ظل الحضور العسكري الروسي الطاغي والأكثر فعالية في سوريا، فهذا يطرح على الروس إشكالية أن قوة حضورهم العسكري تفتقد إلى قوة الفاعلية السياسية، وهذا ما يجعل روسيا متساوية مع غيرها على المستوى السياسي، ولذلك يصعب الحل ويستعصي، وقد يكون من أسباب ذلك أيضا، أن المشاركة الروسية المباشرة في الأزمة السورية، قد اكتملت عناصرها جراء التمهيد الميداني من قبل حلفاء سوريا الإقليميين، وكل ذلك يطرح سؤالين صعبين: إذا كانت روسيا هي الطرف الأقوى والأكثر فاعلية في سوريا لماذا تتعقد سبل الحل؟ وهل كان بإمكان روسيا إحداث متغيرات ميدانية لو غاب شركاؤها الإقليميون عن الميادين؟ تلك أسئلة وثيقة الإرتباط بقوة روسيا الذاتية أو الموضوعية في سوريا.

النموذج الليبي

يشابه الحضور الروسي في ليبيا نظيره السوري، فالممهدات المصرية والخليجية، فتحت الطريق أمام إنخراط روسيا في الأزمة الليبية، ومع أن الجبهات المفتوحة بين الأطراف الليبية المتقاتلة، كانت تميل حتى أواخر العام 2019 لصالح قوات خليفة حفتر التي وقفت على أبواب طرابلس الغرب، فإن المشاركة  التركية في الإقتتالات الليبية أعادت صوغ جبهات القتال، فتراجعت قوات حفتر عن  العاصمة الليبية أولا، ثم عن مناطق ومدن الساحل الغربي وقاعدة الوطية العسكرية ومعظم الشمال والغرب الليبيين وصولا إلى مشارف مدينة سرت وبلدة الجفرة في وسط ليبيا. تنطوي هذه المعطيات الميدانية على اصطفاف روسي متساو مع أطراف إقليمية ودولية متنازعة حول ليبيا، الأمر الذي يعني أن روسيا تفتقد خارطة الحل الليبية، ولا يعلو منسوب تأثيرها فوق  مناسيب الآخرين.

وعلى هذا النحو، تغدو روسيا في ليبيا كما هي في سوريا، إذ ثمة ممهدون لحضورها، وفي الحالتين، يتبدى افتقار روسيا لفاعليات الحلول السياسية وآلياتها.

النموذج الخليجي

في الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر 2018، اختزل مشهد عزوف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مصافحة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قمة دول العشرين في الأرجنتين. وحتى تكتمل صورة المشهد في جانبه الآخر، تم تسليط الضوء على المصافحة الحارة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومحمد بن سلمان، وفيما عكس إدبار ترامب عن المصافحة، تداعيات اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي على العلاقات الأميركية ـ السعودية، فإن إقبال بوتين على المصافحة المشهودة، أوجز رغبة  موسكو في تطوير العلاقات مع الرياض، بيد أن مسارات الأحداث حفلت بمنعطفات لا تؤشر إلى قابلية السعودية لإيجاد توازن في علاقاتها  بين الشرق والغرب، بل شهد مطلع العام 2020 حرب أسعار نفطية بين الرياض وموسكو، كان سبقها سقوط المساعي الروسية لتزويد السعودية بمنظومة صواريخ إس 400 كما فشلت موسكو في تسوية النزاع القطري ـ السعودي عام 2017، وأخفقت بإجتراح حل لحرب اليمن عام 2018، علما  أن روسيا “لديها تفاهمات جيدة مع جميع القوى السياسية”، مثلما قال نائب وزير الخارجية الروسية، سيرغي فيرشينين (موقع قناة “روسيا اليوم” 5 ـ 10 ـ 2018)، وحين طرح الرئيس بوتين في شهر آب/أغسطس 2019 رؤية لتسوية التوترات الخليجية عبر منظومة أمنية جماعية ترعاها الأمم المتحدة، لم يلق الصدى المطلوب، لا من دول الخليج العربية، ولا من الإتحاد الأوروبي، ولا من الولايات المتحدة.

وفقا لتلك اللوحة، لا يبدو الحضور الروسي في ضفة الخليج العربية ناضجا أو مؤثرا، وهذا يقود للحديث عن إيران.

النموذج الإيراني

من نافل القول، إن العلاقات الإيرانية ـ الروسية قائمة على معادلة المنفعة المتبادلة ذات الأبعاد الأمنية والعسكرية في الدرجة الأولى، يغذيها قلق الطرفين من التحدي الغربي وفي صدارته التحدي الأميركي، ولكن تلك الأبعاد دونها الشمولية الكاملة، فالمصالح الأمنية الإيرانية في سوريا عرضة لضربات اسرائيلية متكررة لا تنظر إليها موسكو بإرتياب، وكذلك  هي الحال اليمنية، حيث يعترف الروس بعبد ربه منصور هادي رئيسا شرعيا لليمن، وفي وقت تقترب فيه إيران من روسيا كلما تقطعت سبل الحوار مع الأوروبيين وانقطعت طرق التفاوض مع الأميركيين، فالإجابة المحتملة على سؤال يحتمل انفتاح نوافذ الحوار ـ التفاوض مع الغرب، تفضي إلى افتراض تلقائي بخفض التلاصق الإيراني ـ الروسي نزولا عند الشعار الإيراني الإستراتيجي المعروف “لا شرقية ـ لا غربية”، المراد منه صياغة علاقات ايران الخارجية على قواعد التوازن وعدم الإنحياز نحو إحدى الدول الكبرى.

إذا كانت العلاقات التركية ـ الروسية  قائمة على “الشراكة المتخاصمة”، والعلاقات الإيرانية ـ الروسية أساسها “الشراكة الحذرة”، فالمشهد حينذاك ينطوي على “شراكات ناقصة” تنال بصورة خاصة من فاعلية الدور الروسي

أكثر من ذلك، فإن الأساس الأمني الذي تقوم عليه العلاقات الإيرانية ـ الروسية، يجعل الحذر متبادلاً بين الجانبين، ففي الذاكرة الإيرانية القريبة إيصال الروس للملف النوووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي في عام 2010، وإصدار القرار 1929 المعتبر أكثر القرارات الدولية قسوة وحصاراً اقتصادياً على إيران، فضلاً عن تلكؤ الروس في تزويد الإيرانيين بالمنظومة الصاروخية إس 300 من العام 2007 حتى العام  2016، كما أن الموازنة الروسية بين المصالح الإيرانية والتركية والإسرائيلية في سوريا يرفع وتيرة الحذر المتبادل، فلا إيران تأنس لهذه الموازنة المجحفة، ولا روسيا  ترضى بفائض الدور الإيراني، ومن هذه المنظور يصح توصيف تلك العلاقات بأنها متداخلة ومتناقضة في آن واحد وتعتريها حالات الإنقباض والإنبساط الشديدين.

النموذج التركي

أقل ما يقال في العلاقات التركية ـ الروسية، بأنها “علاقات مائجة” يغلب عليها طابع “الشركاء المتخاصمين”، بفعل نقاط الإشتباك الحاصلة في أكثر من بؤرة مواجهة مباشرة او بالوكالة، من سوريا إلى ليبيا وأخيرا في أذربيجان التي تعزز النفوذ التركي فيها جراء حرب إقليم ناغورنو قره باخ والتسوية التي تم التوصل إليها على حساب أرمينيا. وفي حال تم صرف النظر عن إسقاط الجيش التركي طائرة مقاتلة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، وما أعقبها من مقاطعة اقتصادية لتركيا، وما تلاها من صعود وهبوط حادين ومستمرين في علاقات الطرفين حتى الآن، فإن التمعن في ما تكتبه النخبة الروسية في هذه الآونة، لا يوحي على الإطلاق بإطمئنان روسي إلى الجار التركي، فبحسب ما كتبت صحيفة “سفوبودنايا بريسا” بتاريخ 30 ـ 10 ـ 2020، أن تركيا “عادت إلى الحديث عن جيش موحد للشعوب التركية”. وأما “نيزافيسيمايا غازيتا” فقالت في التاريخ نفسه إن رجب طيب أروغان “يملي على بوتين ما يجب فعله وما يجب عدم فعله”، وفي الثالث من الشهر الحالي، عنونت “سفوبودنايا بريسا” مقالة على هذا النحو “ابتزاز أردوغان: تركيا تريد إستعادة القرم بعد نجاحها في القوقاز”، فيما كتبت صحيفة “فزغلياد” المقربة من الكرملين في اليوم ذاته عن “حاجة روسيا إلى إنقاذ ناغورنو قره باخ، ومنع سيطرة أذربيجان عليها بالكامل”.

إذا كانت العلاقات التركية ـ الروسية  قائمة على “الشراكة المتخاصمة”، والعلاقات الإيرانية ـ الروسية أساسها “الشراكة الحذرة”، فالمشهد حينذاك ينطوي على “شراكات ناقصة” تنال بصورة خاصة من فاعلية الدور الروسي، ذلك أن هذه الشراكات إذا تمددت  استقوت بها الفاعلية الروسية، وإذا تقلصت تراجعت معها تلك الفاعلية، وانطلاقا من ذلك، يقفز سؤال إلى سطح الإحتمال: ماذا لو أقفلت إيران وتركيا بواباتها أمام روسيا؟ ماذا يبقى من الفاعلية الروسية؟

السؤال نفسه مطروح على الواقع الليبي: ماذا لو خلا ذاك الواقع من الممهدين المصري والخليجي؟ هل يمكن حينذاك الحديث عن حضور روسي أو فاعلية روسية في ليبيا؟

هذه تساؤلات للتأمل بين الذات والموضوع.

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free