أميركا على كف.. الأربعاء الثالثة

يدخل الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن البيت الأبيض، مثقلاً بتحديات ربما لم يعرفها سوى رؤساء أميركيون قلائل عند منعطفات مصيرية مرت بها أميركا منذ الإستقلال والحرب الأهلية والحربين العالميتين وبينهما الكساد الكبير، وصولاً إلى هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والحربين على أفغانستان والعراق.  

صحيح، أن ترامب سيخرج من البيت الأبيض في صبيحة يوم الأربعاء. لكنه نجح منذ انتخابات الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، في إفساد العرس الديموقراطي باستعادة الرئاسة. وأنّى تلفت بايدن في جنبات البيت الأبيض سيجد شبح ترامب يلوح أمامه.
عندما دخل الرئيس الأميركي سابقاً الديموقراطي بيل كلينتون البيت الأبيض ظهيرة العشرين من كانون الثاني/ يناير 1993، وجد على مكتبه ورقة كتبها سلفه الجمهوري جورج بوش الأب يتمنى فيها للرئيس الجديد التوفيق في مواجهة التحديات التي تواجه البلاد. وعندما غادر كلينتون الرئاسة في 20 كانون الثاني/ يناير 2001، كتب ورقة لخلفه الجمهوري جورج بوش الإبن. وكذلك فعل الأخير عندما سلّم الرئاسة للديموقراطي باراك أوباما، الذي فعل الشيء نفسه عندما سلم الرئاسة إلى ترامب. وبذلك، بات ترك الرسائل من الرؤساء المنصرفين للرؤساء الجدد، عرفاً أرساه بوش الأب.
أما بايدن، فعوض تسلمه رسالة من ترامب يتمنى له فيها النجاح، سلّمه كرات جمر وقنابل موقوتة يمكن أن تنفجر بين يديه في أي وقت وبتغريدة، يطلقها الأخير من ملعب الغولف في مارالاغو بولاية فلوريدا. فجماعات اليمين المتطرف على إختلاف مشاربها، لا تزال تعتقد أن الانتخابات “سرقت” منه، وأن بايدن سيحوّل الولايات المتحدة إلى “دولة شيوعية”.
يدخل بايدن البيت الأبيض، وأميركا تعيش في ظل إجراءات أمنية، لم تشهدها منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001. هذه المرة، العدو داخلي. وهذا ما عبّرت عنه رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بمرارة عندما قالت في أحد مؤتمراتها الصحافية :”في 6 كانون الثاني/ يناير فقدنا براءتنا”.

الأكثر لفتاً للنظر، كان إنخراط قادة الجيش الأميركي للمرة الأولى ولو من بعيد في إطلاق المواقف من تطورات سياسية داخلية. وفي رسالة نادرة، ندّد القادة العسكريون باقتحام الكونغرس، ورأوا فيه “إعتداءً على عمليتنا الدستورية”

العرف في أميركا لا يقل عن قوة القانون. ترامب كسر العرف، وحرم الديموقراطيين من إنتقال سلس للسلطة. الإغلاق الذي فرض على واشنطن وتبارى المعلقون والصحافيون الأميركيون في وصفه، يتنافى مع أبسط مقومات الإنتقال السلس للسلطة. بعضهم قال إن واشنطن أشبه بالمنطقة الخضراء في بغداد. بعضهم تندر بأن العاصمة الفيديرالية يحتشد فيها من الجنود، أكثر مما يحتشد في أفغانستان والعراق وسوريا معاً. طغت الهواجس الأمنية على ما عداها: جماعات تهدد باقتحامات وشن هجمات وزرع قنابل والزحف على العاصمة في يوم التنصيب!
حتى قرار تسليح بعض عناصر الحرس الوطني المولجين حماية الكونغرس واحتفال تنصيب بايدن في 20 كانون الثاني/ يناير، بدأ يثير المخاوف من حصول صدامات مع المحتجين، تعيد إلى الأذهان ما حدث في جامعة مقاطعة كنت بولاية أوهايو عام 1970، عندما قمع الحرس الوطني تظاهرة طلابية مناهضة لحرب فيتنام مما أدى إلى مقتل أربعة طلاب. وتمضي صحيفة “النيويورك تايمز” في سرد المخاوف التي يمكن أن تتأتى عن تسليح الحرس الوطني فتستذكر ساحة تيان آن مين في بكين عام 1989 وطهران عام 2009.
والأكثر لفتاً للنظر، كان إنخراط قادة الجيش الأميركي للمرة الأولى ولو من بعيد في إطلاق المواقف من تطورات سياسية داخلية. وفي رسالة نادرة، ندّد القادة العسكريون باقتحام الكونغرس، ورأوا فيه “إعتداءً على عمليتنا الدستورية”. وفي بيان آخر، حذرت وزارة الدفاع الجنود المتقاعدين من الإنخراط في أي عمل من أعمال الشغب، بعدما كشفت وكالة “الاسوشيتدبرس” عن وجود قدامى محاربين بين الجماعات التي اقتحمت الكونغرس.
ومن أربعاء اقتحام الكونغرس، إلى أربعاء تصويت مجلس النواب على عزل ترامب بتهمة التحريض على الإقتحام”، إلى أربعاء تنصيب بايدن، والولايات المتحدة تحبس أنفاسها، وتعيش على وقع التهديدات والتحذيرات، والشكوك المتبادلة بين الديموقراطيين والجمهوريين.
رفضْ نائب الرئيس مايك بنس تفعيل المادة 25 من الدستور التي تخوله عزل ترامب بمساعدة وزراء في الحكومة، دفع الديموقراطيين، إلى المضي في إجراءات العزل وهم يعلمون أن لا فرصة لتمريره في مجلس الشيوخ في تركيبته الحالية. وعلى رغم استياء زعيم الغالبية الجمهورية ميتش ماكونيل من ترامب.

 يدخل بايدن إلى البيت الأبيض، ومن دون أن يكون يمتلك عصا سحرية للتهدئة، بينما فيروس كورونا يضغط هو الآخر على الولايات المتحدة، وتشكل مواجهته تحدياً آخر لا يحتمل التأجيل

 ولم يفسد ترامب نصر الديموقراطيين وحدهم. بل أوجد أيضاً شرخاً في الحزب الجمهوري نفسه، بين ما تبقى من شخصيات معتدلة وتلك التي تتوسل الترامبية للبقاء في السلطة واتباع الاسلوب الشعبوي في الخطاب السياسي، وسيلة لجذب أصوات اليمين المتطرف.

ومع ذلك، فيوم يخرج ترامب من البيت الأبيض، سيبدأ الجمهوريون بإعادة الحسابات. وحتى في الوقت الحاضر تظهر بينهم انشقاقات، إذ بينهم من يتفق ضمناً مع الديموقراطيين في الذهاب إلى النهاية في مسألة محاكمته في مجلس الشيوخ وصولاً إلى استصدار قرار يمنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2024. وهذا الجزء من الجمهوريين يريد إخراج الحزب من عباءة ترامب وجماعات اليمين المتطرف، التي كما ظهر من اقتحام الكونغرس أنها مستعدة للتمرد على النظام الأميركي بكامله. هذه الجماعات كما يتضح كل يوم تملك أجندة مغايرة لأجندة الحزبين التقليديين. هل يمكن أن يتساوى ما يطالب به جاكوب تشانسلي نجم جماعة “كيو أنون” الذي لفت الأنظار برمحه وقرنيه ووشومه، مع ما يطالب به ماكونيل؟
ونقطة الالتقاء الوحيدة بين الديموقراطيين وبعض الجمهوريين، قد تكون في قطع الطريق على امكان ترشح ترامب عام 2024، وإخراجه من الحياة السياسية نهائياً، لأنه بما يملكه من رصيد شعبي في الوقت الحاضر، يجعله أكبر لاعب سياسي في البلاد. وحتى السياسيين الطامحين لخلافته، أمثال مايك بومبيو وتيد كروز وجوش هاولي، سيبقى ولاءهم للرجل، أكثر من ولائهم للحزب الجمهوري.
في ظل هذه الأجواء المشحونة بالانقسامات الحادة، يدخل بايدن إلى البيت الأبيض، ومن دون أن يكون يمتلك عصا سحرية للتهدئة، بينما فيروس كورونا يضغط هو الآخر على الولايات المتحدة، وتشكل مواجهته تحدياً آخر لا يحتمل التأجيل.
ولا يبدو أيضاً أن الملفات الخارجية التي تركها ترامب أقل خطورة، من الصين إلى روسيا وإيران والعلاقة بين ضفتي الأطلسي ومع الأمم المتحدة ومؤسساتها، وصولاً إلى المناخ.
ملاحظة: سيغادر ترامب البيت الأبيض صباحاً بطائرة رئاسية، أي أنه يترك واشنطن بصفته رئيساً وليس رئيساً سابقاً. ولهذا دلالة رمزية كبيرة.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download