البحر الأحمر.. بحيرة إسرائيلية

ماذا يجري في البحر الأحمر؟ هل ما يزال هذا الموقع الإستراتيجي بحيرة عربية وصماماً للأمن القومي العربي؟ وما حجم الإختراق الامني الاسرائيلي في هذا المجال العربي الحيوي؟ ومن بات يهدّد من في هذا البحر؟

قبل أقل من أسبوع، نقلت وسائل اعلام إسرائيلية عن مصادر عسكرية رفيعة في تل أبيب أن الجيش الإسرائيلي أرسل إلى أعماق البحر الأحمر حشوداً ضمت غواصات وسفناً حربية عدة وقوات الكوماندوس البحري (الدورية 13)، وذلك في إطار رفع تأهب قواته للدرجة القصوى، تحسباً لـهجمات “انتقامية” إيرانية رداً على مقتل الجنرال قاسم سليماني، والعالم محسن فخري زاده.

وأفاد موقع “واللا” الإسرائيلي أن الجيش الإسرائيلي وضع عدة وحدات في حالة تأهب قصوى، بما في ذلك قوات من أسطول الغواصات. وقال أحد المسؤولين الأمنيين الكبار إن “غواصة تابعة للبحرية الإسرائيلية أبحرت أخيراً  من البحر الأبيض المتوسط ​​عبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر، وإختفت لأسابيع عدة تحت سطح الماء. وتبعتها غواصة أخرى، وربما أكثر. واعتبر المسؤول نفسه أن هذه التحركات “جاءت في إطار التعاطي مع التحديات الأمنية المتصاعدة ​​في المنطقة”، وأدرجها في خانة رسالة مفادها أن إسرائيل “مستعدة لكل السيناريوهات”.

خبر كهذا كان من شأنه أن يكون بمثابة إنذار حرب قبل عقود، لكنه في زمن التهافت على التطبيع والإنقلابات الكبرى في الإقليم وتغيير وجهة الصراع الرئيسي وتبدل الاصدقاء والأعداء، مرّ في الصحف العربية الكبرى وباقي وسائل الإعلام كأي خبر عادي ولم يثر أي رد فعل او تعليق في أي عاصمة عربية، وكأنه بات من المسلمات أن تتحرك السفن والغواصات الاسرائيلية في هذا المدى الجغرافي الذي كان يعد قبل عقود بحيرة عربية، لا بل أدرجه وزير الاستخبارات الاسرائيلي إيلي كوهين في خانة الرد على “تهديدات في منطقة البحر الأحمر”، وقال لموقع “واللا” إن “الوزن الاستراتيجي للبحر الأحمر يتزايد في سياق صراعات النفوذ الدولية والإقليمية، وهذه فرصة سياسية إستراتيجية لإسرائيل لإقامة وتحسين العلاقات مع دول المنطقة على أساس المصالح الأمنية المتمثلة في حماية حرية الملاحة وإيجاد نظام ردع مضاد لإيران ومبعوثيها الحوثيين في المنطقة”!.

هل فعلاً هو مجرد تحرك وقائي للرد على ما أسمتها تل أبيب “التهديدات الإيرانية” أم بداية تحول خطير في هذا الموقع الإستراتيجي الذي كان يوماً يسميه الجغرافيون القدامى “بحر العرب”، أو “بحر مصر”، لأنه يشاطىء شعوبًا، في غالبيتها عربية، من ناحيتي الشرق والغرب.

هذا المسطح المائي الذي يفصل بين قارتي آسيا، وأفريقيا ويربط ما بين المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط، كان في منزلة النواة لما يمكن تسميته “الكتلة الاستراتيجية”، التي تضم البحر المتوسط والخليج والبحر الأحمر وما حولها من بر لتشكل في مجموعها العمق الإستراتيجي العربي.

ولأن البحر الأحمر يتسم بخصائص فريدة كونه يقع في منطقة تجمع حوض النيل والقرن الافريقي غرباً، وشبه الجزيرة العربية والأماكن الاسلامية المقدسة ودول الخليج ومنابع النفط شرقاً، والمحيط الهندي وبحر العرب جنوباً، والبحر المتوسط شمالاً، فإن ذلك جعله في منزلة استراتيجية شديدة الأهمية لم تفقد جاذبيتها برغم التغيرات الكبرى التي طرأت على النظام العالمي، لهذا يبدو البحر بالمفهوم الجيوسياسي اكبر من المفهوم الجغرافي للبحر نفسه الذي تقدر مساحته بحوالى 438 ألف كلم2. ويراوح عرضه ما بين 25 كلم عند مضيق باب المندب، و355 كلم ما بين إريتريا واليمن، وينتهي بخليجي العقبة والسويس، أما معدل عرضه فيبلغ حوالى 200 كلم.

وهذا البحر كمسرح حرب يحتوي على الاهداف الاستراتيجية والحيوية لست دول عربية تطل وتتوزع على ساحليه الأسيوي والأفريقي (السعودية تملك أطول شاطىء على البحر الأحمر)، وبمجرد إغلاق البحر من بوابتيه الوحيديتين، قناة السويس وباب المندب، يمكن أن يتحول إلى بحيرة مغلقة تستطيع إلحاق الضرر بحوالي 12% من حجم التجارة العالمية و40% من حركة الحاويات والسفن في العالم التي تمر عبر السويس.

اعتبرت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن السيطرة على الجانب السوداني من البحر يحسن وضع ومكانة إسرائيل والولايات المتحدة، قبالة الصين وتركيا اللتين يرى فيهما رئيس الموساد يوسي كوهين، “تهديدا أمنيا طويل المدى أكثر من إيران التي تعتبر قوة إقليمية هشة يمكن احتواؤها”

ونظراً لأهمية البحر الأحمر، سعت إسرائيل منذ إحتلالها أرض فلسطين إلى أن يكون لها موطئ قدم على سواحله حتى لا تكون مطوقة بالكامل من الدول العربية، ولذلك عمدت إلى احتلال قرية أم الرشراش المصرية، الواقعة على خليج العقبة وإبادة من كان فيها (10 آذار/ مارس 1949) وذلك بعيد انتهاء الحرب العربية الإسرائيلية، وأقامت مكانها مدينة تضم ميناء أطلقت عليها إسم “إيلات”. وهكذا حجزت مقعدًا لها للتدخل في شؤون البحر ودوله منذ تلك الفترة، واصبحت أحد اللاعبين الإستراتيجيين الأساسيين فيه وعبره للحفاظ على أمنها ولنقل صادراتها إلى شرق أفريقيا وعبر المحيط الهندي إلى الشرق الأقصى.

لكن هذه النقطة الصغيرة على الخريطة سرعان ما تمددت في كل الاتجاهات ليصير اللون الاسرائيلي الفاقع هو الغالب على الالوان الاخرى المنبثقة من زحمة التسابق الدولي على حساب اللون العربي الذي ما برح يضمحل لأسباب عديدة، ولا سيما أولوية الأمن القُطري على الأمن القومي وعدم الاستقرار السياسي في الدول المطلة على البحر، فضلاً عن المعوقات الاقليمية المتمثلة بالخلافات العربية العربية والترويج لنظام اقليمي جديد على حساب النظام الاقليمي العربي، إلى المعوقات الدولية التي جعلت من البحر الأحمر ساحة من ساحات تقاسم النفوذ الدولي على حساب الدول العربية وبفضل الدعم الاميركي المطلق للامن الاسرائيلي والمصالح الحيوية للدولة العبرية في هذا المدى الحيوي.

وفي المقابل، شكلّ الغياب العربي أفضل هدية لإسرائيل الساعية لتحقيق حلمها التوسعي عبر المياه جنوباً، وكان لها ما أرادت في ظل ضعف التاثير المصري في القرن الافريقي والشرق الافريقي، حيث عملت وخصوصاً في ظل الحكومات المتعاقبة لبنيامين نتنياهو على مد الخيوط واقامة العلاقات مع كل من إريتريا وأثيوبيا وكينيا وأوغندا، واستغلت علاقاتها بإريتريا لإنشاء قواعد قرب حدود السودان، كما “اشترت” قواعد جوية في جزر حالب وفاطمة عند مضيق باب المندب، واستأجرت جزيرة دهلك حيث أقامت قاعدة بحرية. وبررت خطواتها ربطاً بمخاوفها الأمنية من المحاولات الإيرانية للتحكم بالبحر الأحمر من خلال جماعة الحوثي في شمال اليمن والتي تقول إسرائيل إنها تمتلك صواريخ تهدد الملاحة في هذا البحر.

في ظلّ هذه التحالفات، وبرعاية أميركية، باتت الغواصات الإسرائيلية “دولفينا” تسرح وتمرح في حوض البحر الأحمر، ومن هناك إلى بحر العرب، وصولا إلى شواطئ باكستان، وهي تحمل صواريخ متطورة، ومنها نووية، في رسالة واضحة إلى طهران.

لكن يبدو ان الانقلاب الحقيقي في البحر الأحمر جاء أخيراً من خلال اتفاقات التطبيع بين الدولة العبرية والدول العربية لا سيما الامارات العربية المتحدة والسودان، وهما إتفاقان على صلة وثيقة بالبحر الأحمر.

واذا كان التطبيع مع الخليج يعطي الاولية للطابع الاقتصادي، فانه مع السودان يعطيه طابعا امنيا استراتيجيا، واذا كان البعض راى ان الهاجس الامني الاسرائيلي في السودان، يرتكز على ان هذا البلد كان يشكل محطة مهمة لتنظيم “القاعدة” ومستودعات الأسلحة الإيرانية، ومسارا لنقل الأسلحة إلى الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وإلى ليبيا التي تشهد في هذه المرحلة تعزيزاً للنفوذ التركي بشكل متزايد، فان صحيفة “يسرائيل هيوم” القريبة من نتنياهو كتبت ان “إيران ليست القصة كاملة بل البحر الأحمر الذي يتحول إلى بحر ملتهب”، وذكرت أن الصراع الإستراتيجي يحتدم من أجل السيطرة والحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر، “والتطبيع سيضمن تحقيق ذلك”.

واعتبرت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن السيطرة على الجانب السوداني من البحر يحسن وضع ومكانة إسرائيل والولايات المتحدة، قبالة الصين وتركيا اللتين يرى فيهما رئيس الموساد يوسي كوهين، “تهديدا أمنيا طويل المدى أكثر من إيران التي تعتبر قوة إقليمية هشة يمكن احتواؤها”.

مشاريع مد سكك الحديد وتطوير الموانئ الاسرائيلية والاستثمارات الضخمة في السياحة ونقل الغاز، كلها مشاريع  تلتف على الدور الحيوي لقناة السويس عنق البحر الأحمر وبوابته، والمرافىء الاخرى في منطقة شرق المتوسط وفي مقدمها مرفأ بيروت الجريح

واوضح تقرير لوزارة الاستخبارات الإسرائيلية، أن الاهتمام الإسرائيلي الأوّل في السودان هو إهتمام أمني، “فالسودان يقع على شواطئ البحر الأحمر (ويشرف) على مسار تهريب البشر والسلاح والتجارات من الشمال إلى الجنوب. موقع السودان بإمكانه أن يساعد في خفض خطر تموضع جهات معادية على طول خط الملاحة الأساسي لإسرائيل”، وعلى المدى البعيد، هناك إمكان لعمليات أمنية مشتركة في المنطقة”.

ويكمل التقرير “في أعقاب الاتفاق، يمكن للسودان المساعدة في منع تهريب السلاح في خطّ السودان – مصر – غزّة، ومنع تموضع جهات تجهّز لعمليات تخريبيّة معادية على أراضيه، وإمكان إحباط إقامة قواعد بحرية لجهات معادية مثل إيران وتركيا على شواطئ البحر الأحمر”.

وكما في الاتفاق السوداني الاسرائيلي فان البحر الأحمر يحظى بحصة كبيرة في اجندة التطبيع مع الامارات، لكن هذه المرة من بوابة تجارة الطاقة والمرافىء واضعاف قناة السويس ودورها الحيوي لمصلحة الموانئ الاسرائيلية. وكشفت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن خط أنابيب النفط الذي سعت اليه تل ابيب سابقاً كمشروع مشترك سري مع إيران الشاه، قد يكون أحد المستفيدين الرئيسيين من اتفاق السلام مع الإمارات.

 ونقلت المجلة الأميركية عن مدراء إسرائيليين لـ”شركة أسيا أوروبا لخطوط الأنابيب” (EAPC)، قولهم إن خط الأنابيب “غير مستخدم” ولكنه استراتيجي للغاية. وإن القناة التي يبلغ طولها 158 ميلاً من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط “توفر بديلاً أرخص لقناة السويس المصرية وخياراً للاتصال بالعرب”، علما أن هناك مشروعاً أردنياً إسرائيلياً يقضي بإقامة قناة بين البحرين الأحمر والميت إسمها “قناة البحرين”، لكن تل أبيب تراجعت حماستها إليها لمصلحة إقامة قناة بين البحر المتوسط والبحر الميت!

ونقلت “يسرائيل هيوم” عن إيزاك ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة خطوط الأنابيب، ان الخط، الذي يربط ميناء إيلات، بمحطة ناقلات في عسقلان على ساحل البحر الأبيض، يمكن أن يقضي على حصة كبيرة من شحنات النفط التي تتدفق الآن عبر قناة السويس القريبة.

وهذا المشروع ليس يتيما اذ كثرت الاحاديث عن مشاريع يتيحها التطبيع على غرار مشاريع مد سكك الحديد وتطوير الموانئ الاسرائيلية والاستثمارات الضخمة في السياحة ونقل الغاز، وكلها مشاريع  تلتف على الدور الحيوي لـقناة السويس عنق البحر الأحمر وبوابته، والمرافىء الاخرى في منطقة شرق المتوسط وفي مقدمها مرفأ بيروت الجريح.

كذلك جاء الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي، شاملاً العديد من البنود ذات الأبعاد الأمنية والعسكرية، التي زادت من الفرضيات المتعلقة بإمكان الافادة الإسرائيلية من القواعد العسكرية الإماراتية في المنطقة، سواء في الخليج، أو باب المندب، أو البحر الأحمر، وصولاً لأن تنشئ إسرائيل قاعدة عسكرية في الإمارات، فضلاً عن استفادتها من المياه الاماراتية، وإمكان أن تمضي بهذا المسار لزيادة موطئ أقدامها في سقطرى ومضيق باب المندب وجيبوتي العنق الآخر للبحر الأحمر.

دول عظمى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا أو دول اقليمية صاعدة مثل تركيا وإيران تتسابق بشدة على النفوذ في البحر الأحمر الذي صار همزة الوصل الأساسية بين القارات الثلاث. وفي الشكل، تبدو إسرائيل مجرد عضو في محور جديد يتشكل بدعم أميركي، وأن حصتها في البحر، لا تتعدى الجزء، لكن في الواقع فان هذه الحصة هي على حساب اخر ركائز ما كان يسمى الأمن القومي العربي.

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download