ولايتا أوباما تكسران معادلة الصداقة الأميركية السعودية (2)

في كتابه الأخير "أميركا القيم والمصلحة" الصادر عن دار "سائر المشرق"، يُسلّط وزير الخارجية الحالي عبدالله بوحبيب الضوء على الرئاسات الأميركية المتعاقبة وسياساتها تجاه المنطقة منذ نصف قرن تقريباً. في هذا الجزء الثاني والأخير، يعرض بوحبيب للملفات التي جعلت العلاقات السعودية الأميركية متوترة طوال ولايتي باراك أوباما (2009 ـ 2017).

تنبع السياسة الشرق اوسطية للرئيس الاميركي باراك أوباما من قناعاته وافكاره الليبرالية الدولية. شدّد مثلاً في خطابه عند تسلمه «جائزة نوبل للسلام» في كانون الاول/ديسمبر 2009 على تبنّي ما قاله الزعيم الاميركي الافريقي مارتن لوثر كينغ في الحفل ذاته قبل عقود من الزمن، بأن «العنف لا يجلب سلاماً دائماً. لا يحل مشكلة اجتماعية. العنف يخلق فقط مشاكل جديدة اكثر تعقيداً». علّق اوباما في خطابه على كلام كينغ: «انا اعيش شهادة على قوة اللاعنف المعنوية. اعلم ان لا شيء ضعيفاً ولا شيء ساذجاً ولا شيء سلبياً في عقيدة غاندي وكينغ وحياتهما».

اضاف في ذلك الخطاب: «لكن يجب ان لا نرتكب خطأً ان الشر غير موجود في العالم. لم يكن في امكان الحركة اللاعنفية وقف جيوش هتلر. لا يمكن للمفاوضات اقناع قيادة القاعدة بالقاء سلاحها. القول ان القوة ضرورية في بعض الاحيان ليس مدعاة للسخرية، بل هو اعتراف بالتاريخ».

قال في خطابه في القاهرة، بدعوة من جامعتي القاهرة والازهر في حزيران/يونيو 2009: «لدّي ايمان قوي بأن كل الناس يتوقون الى اشياء معينة، منها القدرة على التعبير عن الرأي، وان يكون للانسان رأي في كيفية حكمه، والثقة في سيادة القانون والمساواة في العدالة، وحكومة تتسم بالشفافية وعدم سرقة اموال شعبها، وحرية العيش كما يختار المرء. هذه ليست مجرد افكار اميركية. انها حقوق الانسان. وهذا هو السبب في ان الولايات المتحدة ستدعم هذه القيم في كل مكان».

اضاف في المناسبة ذاتها: «كل ذلك لا يقلل التزامي تجاه الحكومات التي تعكس ارادة الشعب. على كل دولة ان تنفذ هذه المبادئ بطريقتها الخاصة المتجذرة في تقاليد شعبها. الحكومات التي تحمي هذه الحقوق هي في نهاية المطاف اكثر استقراراً ونجاحاً واماناً. قمع الافكار لا ينجح ابداً في جعلها تختفي. تحترم اميركا حق جميع الاصوات السلمية الملتزمة القانون في كل انحاء العالم، حتى لو اختلفنا معها. سنرحب بالعمل مع كل الحكومات المنتخبة والمسالمة، شرط ان تحترم حقوق شعوبها».

الافكار والقيم والمبادئ التي طرحها اوباما في اوسلو او في القاهرة غير قابلة للهضم في بلد كالسعودية. طرح جورج بوش الابن افكاراً مماثلة بعد11 ايلول/سبتمبر، وكانت موجهة ايضاً الى العالمين العربي والاسلامي. لم يرتح وقتذاك السعوديون لذلك، لكنهم اعتبروا وبوش ان المصلحة والصداقة، بين البلدين وبين العائلتين، اهم من تلك المبادىء. اكتفى الرئيس السابق باصلاحات قام بها الملك عبدالله، البديهية، ومنها انشاء مجلس استشاري وانتخابات بلدية للرجال ومدارس وجامعة للنساء.

حتى وصول اوباما الى سدة الرئاسة كانت المعادلة مع السعودية كالآتي: المصلحة المشتركة في مقابل القيم المختلفة. انكسرت المعادلة تلك عندما وصلت اميركا الى الاكتفاء الذاتي في قطاع الطاقة، وحصل ذلك عند وصول رئيس اميركي متحرّر من المصلحة ويؤمن بقوة بمبادىء حقوق الانسان وحكم القانون وشفافية الدولة. لذلك كله كان الخلاف حتمياً بينه وحكام المملكة العربية السعودية.

خلاف اساسي مع السعودية كان حول ايران، مع ان موقف اوباما لم يختلف عن موقف سلفه. كان هدف بوش الابن منع الجمهورية الاسلامية، بالوسائل الديبلوماسية والاقتصادية والمالية، من امتلاك السلاح النووي. لم تكن لديه خطط احترازية او طارئة لضربها وتدمير مفاعيلها النووية متى فشلت السبل الديبلوماسية.

استمر اوباما في السياسة ذاتها التي اتبعها بوش. من خلال مجلس الامن استطاع فرض عقوبات صارمة على ايران اقوى من تلك التي فرضت خلال عهد سلفه، ما حملها على تغيير اتجاهها في الانتخابات الرئاسية عام 2013، فانتخب «الليبرالي» الشيخ حسن روحاني رئيساً للجمهورية، واصبحت المحادثات بينها والدول الخمس زائداً واحداً جدية، وتوصّل الاطراف الى اتفاق يمنعها من تطوير صناعتها النووية. لم يعجب الاتفاق السعوديين وبعض دول الخليج التي كانت تخشى أن يؤدي رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، في مقابل القيود المفروضة على برنامجها النووي، الى تقوية امكاناتها المادية والسياسية، ويشجعها على ان تكون اكثر تحركاً في المنطقة العربية.

لم يتعرّف الحكم السعودي على اوباما قبل انتخابه رئيساً. بدا ان احداً منه لم يرَ وصوله الى الرئاسة الاميركية ممكناً. حدث وصول اوباما اليها مع وصول اميركا الى الاكتفاء الذاتي في قطاع النفط والطاقة، ما كسر معادلة الصداقة منذ عام 1945. الى ذلك، فإن الخلفية السياسية والأيدولوجية للرئيس لا تتلاءم مع طريقة الحكم السعودي

اجتمع الرئيس الاميركي بقادة دول الخليج الست في كامب دايفيد في ايار/مايو 2015 قبل التوقيع النهائي على الاتفاق النووي مع ايران في تموز/يوليو. حاول طمأنتهم الى ان الولايات المتحدة لا تزال حليفاً ثابتاً لهم، ولن تسمح لايران بتوسيع هيمنتها، وهي تضمن امن دول الخليج بحسب الهيكلية الامنية التي وضعت في عهد جيمي كارتر عام 1980. تعهد تعزيز التعاون الامني مع دولهم في مجال مكافحة الارهاب والامن البحري والامن السيبراني والدفاع ضد الصواريخ البالستية. كذلك وعد القادة الخليجيين بتلبية حاجاتهم الدفاعية اياً تكن.

رغم تأكيد المرشد الاعلى الايراني السيد علي خامنئي ان لا محادثات مع واشنطن حول القضايا العالقة الاخرى، من ثم جزم واشنطن بذلك، بقي التوتر بين اوباما والسعودية على حاله. لاحقاً، بعدما طال امد حرب المملكة وحلفائها على اليمن، ورغم الانتقاد الاميركي الرسمي والاعلامي للسعودية، دعمتها ادارة اوباما فيها مذ اندلعت هذه الحرب ربيع 2015، فزودتها بالسلاح والذخيرة والمعلومات اللوجستية من خلال الاقمار الاصطناعية حتى الاشهر الاخيرة من وجود اوباما في البيت الابيض، حينما توقفت المساعدات بسبب تكرار الطيران الحربي السعودي قصف اهداف مدنية في اليمن، تسببت في وقوع اصابات كبيرة من المدنيين من الاطفال والنساء والعجّز.

إقرأ على موقع 180  فيروز وماكرون.. لبنان يزداد غنى على غنى

ورد في الاعلام ان الرئيس تساءل في اجتماعه بالقادة الخليجيين في كامب دايفيد عن سبب خوفهم من الجمهورية الاسلامية وفي الخليج قوات اميركية، برية وبحرية وجوية، للحفاظ على الوضع القائم واستقرار دوله. كان ردّهم انها (إيران) تتدخّل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية ما يضعضع استقرارها.

ايضاً كان تعقيب اوباما مفاجئاً وصاعقاً: غياب المواطنة الحقيقية في بلدانكم واستمرار بعض الدول العربية في التمييز بين مواطنيها على اسس طائفية ومذهبية واثنية وقبلية، يسمح لايران وغيرها من الدول الاقليمية بالتدخّل في الشؤون الداخلية لتلك الدول. رص الصف الداخلي وتحقيق المواطنة الحقيقية يمنع التدخّل الخارجي من اي طرف.

لم تختلف ظاهرياً المواقف السياسية بين واشنطن والرياض بالنسبة الى سوريا. اراد كل من اوباما والملك عبدالله رحيل بشار الاسد. كلاهما لا يحبّذ تغييراً في النظام. رغباً في الحفاظ على وحدة القوات المسلحة والادارة بعد رحيله. كلاهما تعلم من تجربتي العراق وليبيا ان الانتقال السلمي للسلطة يمنع الفوضى، ولذا ارادا اطاحة الاسد وبقاء الدولة.

بينما ارادت السعودية رحيل الاسد بأي ثمن، كان اوباما متشائماً بامكان حصوله. كما ورد في مقالة جيفري غولدبرغ في مجلة «الاطلنتيك»، ان الرئيس اعتقد انه لا يمكن ثوار من الفلاحين والحرفيين والمهنيين هزم جيش منظم ومدعوم من دولتين قويتين هما ايران وروسيا، اللتين لهما مصالح كبيرة هناك.

مع ذلك، وافق على اقتراح سعودي بتدريب قوات الجيش السوري الحر في الاردن، بالتعاون مع الرياض. سرعان ما تبين عدم انضباط ذلك الجيش وافتقاره الى ولاء جزء كبير من عناصره لقيادتهم.

الخلاف الكبير بين اوباما والسعودية وقع عندما امتنع في الربع الساعة الاخيرة عن قصف مواقع النظام السوري بعد اتهامه باستعمال السلاح الكيميائي. اعتبر النظام السعودي ان نهاية بشار الاسد آتية مع قصف اميركي مماثل لما حدث للقذافي. كما روى غولدبرغ، ابلغ السفير السعودي لدى واشنطن وقتذاك عادل الجبير الى رؤسائه في الرياض حتمية الضربة الاميركي لنظام الاسد. قرار اوباما عدم قصف مواقع النظام السوري بدا صفعة قوية للسعودية التي قادت الدعم المالي في الحرب على الاسد. كان ذلك في 30 آب/أغسطس 2013، من بعدها لم تسوَّ العلاقة بين الرئيس الاميركي والعائلة السعودية الحاكمة، بل تفاقمت مع توصّل مجموعة الدول الخمس زائداً واحداً مع ايران الى اتفاق حول برنامجها النووي عام 2015.

ارتفعت درجة توتر العلاقات بعد مقالة غولدبرغ في مجلة “الاطلنتيك” (نيسان/ابريل 2016)، فلم يرتح بعدئذ السعوديون لاوباما برغم محاولات قام بها لترميم علاقته بالعائلة الحاكمة. زار الرياض في شتاء 2015، بعد وفاة الملك عبدالله للتعزية والتعرّف على الملك الجديد سلمان بن عبدالعزيز. ثم دعا قادة دول الخليج في ربيع 2015 الى قمة في كامب دايفيد، واخيراً زار السعودية للاجتماع بقادة مجلس التعاون الخليجي في نيسان/ابريل 2016. عشية الزيارة الاخيرة، قال الناطق الرسمي للبيت الابيض ان المملكة «شريك مهم في الجهود الاميركية لحل الصراع في سوريا، ومكافحة ارهاب الدولة الاسلامية وتنظيم القاعدة في اليمن، وسلوك ايران السيء في المنطقة». مع ذلك، لم تأتِ قمة الرياض بنتائج ايجابية. بينما ارادت السعودية التركيز على مساعدة اعداء النظام السوري ورحيل الاسد، رغب اوباما في مساعدة السعودية ودول الخليج في محاربة داعش في العراق وسوريا. كذلك بالنسبة الى اليمن، قال مسؤول البيت الابيض، عشية الاجتماع، ان «الصراع في اليمن صرف الانتباه عن المعركة الحاسمة ضد الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) وضد تنظيم القاعدة الذي ينشط في اليمن».

الى ذلك كله، اتهم الاميركيون متمولين كباراً في دول الخليج بتمويل منظمات ارهابية كداعش والقاعدة. كانت الدولة السعودية بدأت تدعم تنظيم جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، بعدما غيّر اسمه الى احرار الشام. كذلك، بعد الاشهر الاولى من بدء الحرب الجوية على داعش في العراق، توقفت دول الخليج والاردن عن المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش.

في اقتضاب، على غير العادة، لم يتعرّف الحكم السعودي على اوباما قبل انتخابه رئيساً. بدا ان احداً منه لم يرَ وصوله الى الرئاسة الاميركية ممكناً. حدث وصول اوباما اليها مع وصول اميركا الى الاكتفاء الذاتي في قطاع النفط والطاقة، ما كسر معادلة الصداقة منذ عام 1945. الى ذلك، فإن الخلفية السياسية والأيدولوجية للرئيس لا تتلاءم مع طريقة الحكم السعودي، ومع الطلبات المستمرة منذ عهد جورج بوش الابن كسر اخصامهم في ايران وسوريا. لذا بقيت العلاقات السعودية – الاميركية متوترة خلال ولايتي اوباما، من دون تخليه عن الالتزامات الامنية للولايات المتحدة تجاه المملكة والدول الاخرى في الخليج.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: كتاب “أميركا القيم والمصالح”.. السعودية حليف أم صديق؟ 

Print Friendly, PDF & Email
عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أفغانستان ـ أوكرانيا.. التاريخ يعيد نفسه!