كتاب “أميركا القيم والمصالح”.. السعودية حليف أم صديق؟ (1)

في كتابه الأخير "أميركا القيم والمصلحة" الصادر عن دار "سائر المشرق"، يسلط وزير الخارجية الحالي عبدالله بوحبيب الضوء على الرئاسات الأميركية المتعاقبة وسياساتها تجاه المنطقة منذ نصف قرن تقريباً. من المفيد التوقف عند ما تضمنه هذا الكتاب عن حقبة باراك أوباما (2009 ـ 2017) بعنوان "باراك اوباما.. صائد الارهاب". في هذا الجزء الأول، يطرح بوحبيب السؤال "السعودية.. حلفاء أم أصدقاء"؟ 

لعل الموقف الواضح لباراك اوباما يدعم فيه السعودية خلال ثماني سنوات في البيت الابيض، كان في ايلول/سبتمبر 2016 عندما استخدم حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قانون وافق عليه الكونغرس الاميركي بالاجماع، يسمح لعائلات ضحايا 11 ايلول/سبتمبر 2001 بمقاضاة السعودية بسبب «صلات» مزعومة للهجمات الارهابية على نيويورك وواشنطن في ذلك الحدث.

سِجل الرئيس أوباما في السياسة الخارجية قصير. اذ خدم اقل من اربع سنوات في مجلس الشيوخ الفيديرالي من كانون الثاني/يناير 2005 الى تشرين الثاني/نوفمبر 2008. بدأ ظهوره على المسرح السياسي الوطني في عام 2002، معارضاً للحرب على العراق، وكان عضواً في مجلس شيوخ ولاية اللينوي (1997- 2004). قال ذلك العام مخاطباً الرئيس جورج بوش الابن، في مسيرة حاشدة في شيكاغو مناهضة للحرب على العراق: «انت تريد حرباً؟ دعونا نكافح اولاً للتأكد من ان حلفاءنا المزعومين في الشرق الأوسط (السعوديين والمصريين) يتوقفون عن قمع شعبهم، وقمع المعارضة، ويكافحون الفساد وعدم المساواة». كان ذلك خطاباً غير معتاد لتظاهرة مناهضة للحرب على العراق، خصوصاً وأن اوباما كان مجهولاً على الساحة الوطنية.

إنها الوهابية!

ذكر جيفري غولدبرغ في مقالته في مجلة «اطلنتيك» في نيسان/أبريل 2016، عن السياسة الخارجية لاوباما امثلة كثيرة عن تشكيكه في استمرار الدعم الاميركي للسعودية. يذكر مثلاً حديثاً بينه ورئيس حكومة اوستراليا وقتذاك مالكوم ترنبول، خلال اجتماعات مؤسسة «التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادىء»، في مانيلا في الفيليبين عام 2015. كان الكلام عن اندونيسيا حينما وصفها اوباما تنتقل تدريجاً من اسلام تعدّدي وتوافقي الى اسلام اكثر تشدّداً لا يتسامح مع تفسيرات مختلفة، وان اعداداً كبيرة من النساء الاندونيسيات اعتمدن الحجاب الآن. فسّر اوباما ذلك التطور بـ«ان السعوديين، وغيرهم من العرب في الخليج، شحنوا الاموال وعدداً كبيراً من الائمة والمعلمين الى اندونيسيا في تسعينيات القرن الماضي. موّل السعوديون المدارس الدينية الوهابية بشكل كبير، وهي معاهد تُدرس التفسير الاصولي في الاسلام والتي تفضّلها العائلة السعودية الحاكمة».

اضاف اوباما ان الاسلام اليوم في اندونيسيا اكثر تشدّداً من الاسلام عندما كان هو يعيش هناك (في منتصف ستينيات القرن الماضي).

تساءل تيرنبول: «أليس السعوديون اصدقاءكم»؟

«الأمر معقد»، أجابه اوباما.

يضيف غولدبرغ: «غالباً ما سمع المرء في البيت الابيض خلال عهد اوباما مسؤولين في مجلس الامن القومي يذكّرون الزوار بأن الغالبية العظمى من خاطفي الطائرات في 11 ايلول/سبتمبر 2001 ليسوا ايرانيين. انهم سعوديون. حتى الرئيس نفسه يهاجم التمييز ضد النساء في السعودية الذي تجيزه الدولة، مشدّداً على ان لا دولة يمكنها ان تنهض في العالم الحديث عندما تُمارس القمع على نصف سكانها».

يضيف في الموضوع نفسه: «يمكن المرء قياس نجاح مجتمع ما من خلال كيفية معاملته نسائه».

توصّل أوباما في نهاية ولايته الاولى الى عدد من الاستنتاجات حيال العالم، وخصوصاً الشرق الاوسط، ودور اميركا فيه. منها أن الشرق الاوسط لم يعد مهماً للمصالح الاميركية بسبب الاكتفاء الذاتي في حقل النفط

جذور التعاسة

يعود الاحباط القوي للرئيس الاميركي في ما يتعلق بالسعوديين، الى حد بعيد، الى تحليله سياسات موازين القوى في الشرق الاوسط. يروي غولدبرغ انه قال لاوباما مرة انه لاحظه «اقل احتمالاً من الرؤساء السابقين في الانحياز الى المملكة العربية السعودية في نزاعها مع خصمها اللدود إيران». لم ينفِ الرئيس ذلك وقال: «إيران منذ عام 1979 عدو للولايات المتحدة، وتشارك في الارهاب الذي ترعاه الدولة، وتشكل تهديداً حقيقياً لاسرائيل وعدد من حلفائنا، وتشارك في كل انواع السلوك المدمر».

اضاف: «ليس رأيي ابداً ان نرمي حلفاءنا التقليديين – السعوديين – الى البحر لمصلحة إيران. لكن السعوديين في حاجة الى مشاركة في الشرق الاوسط مع اعدائهم الايرانيين. المنافسة بين السعوديين والايرانيين ساعدت على اشعال حروب بالوكالة وفوضى في سوريا والعراق واليمن، تتطلب منا ان نقول لاصدقائنا، وكذلك للايرانيين، انهم في حاجة الى ايجاد طريقة فعالة للمشاركة في المنطقة، والاتفاق على نوع من السلام البارد».

قال الرئيس الاميركي ايضاً: «النهج الاميركي الذي قال لاصدقائنا في الخليج انكم على حق ايران هي مصدر كل المشاكل وسندعمكم في مواجهتها، يعني بالضرورة انه مع استمرار هذه الصراعات الطائفية المحتدمة. هذا، بينما اصدقاؤنا التقليديون في الخليج ليست لديهم القدرة على اطفاء تلك الحرائق، او ان يربحوا بشكل حاسم بمفردهم، ما يعني ان على الولايات المتحدة ان تستخدم قوتها العسكرية لتصفية الحسابات. هذا لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة ولا الشرق الاوسط. هذه هي القبلية بعينها، وهي قوة لا يستطيع اي رئيس اميركي ازالتها او اضعافها حتى. القبلية، التي تظهر بوضوح في عودة مواطني الدولة الفاشلة الى الطائفة والعقيدة والعشيرة والقرية، مصدر الكثير من مشاكل الدول الاسلامية في الشرق الاوسط، ومصدر آخر للقدرية».

في موضوع مشابه، يقول غولدبرغ انه سأل اوباما ماذا كان يأمل في تحقيقه من خلال الخطاب الذي القاه في القاهرة عام 2009، فاجابه انه كان يحاول «من دون نجاح اقناع المسلمين بفحص جذور التعاسة التي هم فيها».

اضاف اوباما: «كانت حجتي هي دعونا نتوقف عن التظاهر بأن الاسباب لمشاكل الشرق الاوسط هي اسرائيل، مع اننا مصممون على ان نعمل لتحقيق الدولة والكرامة للفلسطينيين. لكنني كنت آمل في ان يؤدي خطابي الى اثارة نقاش يمكن ان يخلق مساحة للمسلمين لمعالجة المشاكل الحقيقية التي يواجهونها – مشاكل الحوكمة. هناك تيارات في الاسلام لم تمر في عملية اصلاح تساعد الناس على تكييف عقائدهم الدينية مع الحداثة. كنت افكر في اقناعهم بأن الولايات المتحدة لا تقف في طريق هذا التقدّم، واننا سنساعد، بأي طريقة ممكنة، على دفع اهداف اجندة عربية عملية وناجحة توفر حياة افضل للناس العاديين في البلدان تلك».

خلاصات الولاية الأولى

اوضح اوباما في حديثه لغولدبرغ ان جزءاً من مهمته كرئيس للولايات المتحدة «حض البلدان الاخرى على اتخاذ اجراءات بانفسهم، بدلاً من انتظار قيادة الولايات المتحدة». الدفاع عن النظام الدولي الليبرالي ضد الارهاب الجهادي والمغامرات الروسية والبلطجة الصينية يعتمد في جزء كبير منه، كما يعتقد، على استعداد الدول الاخرى لتقاسم العبء مع بلاده.

في حديث آخر مع كاتب المقالة في اثناء زيارة تايلاند، لفته الى ان قيادات دول آسيا واميركا اللاتينية وافريقيا يسألونه، عندما يجتمع بهم، مساعدة بلدانهم على رفع مستوى المعيشة وزيادة العمالة، فيما قيادات الشرق الاوسط يبحثون معه في الخلافات القبلية بعضهم مع بعض، وفي سبل التغلب على منافسيهم.

إقرأ على موقع 180  إلفيرا نابيولينا.. "حاكمة" بوتين الاقتصادية

توصّل أوباما في نهاية ولايته الاولى الى عدد من الاستنتاجات حيال العالم، وخصوصاً الشرق الاوسط، ودور اميركا فيه. منها:

أولاً، لم يعد الشرق الاوسط مهماً للمصالح الاميركية بسبب الاكتفاء الذاتي في حقل النفط.

ثانياً، لو كان الشرق الاوسط مهماً على نحو كبير، سيكون ثمة القليل الذي يمكن اي رئيس اميركي القيام به لجعله مكاناً افضل.

ثالثاً، الرغبة الفطرية الاميركية في اصلاح كل انواع المشاكل التي تظهر اكثر حدة في الشرق الاوسط، تؤدي حتماً الى الحرب، الى مقتل جنود اميركيين، والى النزف النهائي لصدقية الولايات المتحدة وقوتها حول العالم.

لم يرَ الرئيس اوباما في مؤسسات السياسة الخارجية في واشنطن، خصوصاً مراكز الابحاث والتفكير، الصدقية في انتاجها الفكري وآرائها. اشار لغولدبرغ ان هؤلاء يعتبرون مشاكل الشرق الاوسط لا تستطيع حل نفسها بنفسها، ومن دون تدخّل اميركي ستتفاقم تلك المشاكل، ما يعني تراجع مكانة الولايات المتحدة وصدقيتها في المنطقة تلك. غير ان هذا المنطق، بحسب اوباما، اوصلها الى حرب فيتنام.

يضيف احد مستشاريه «ان ذلك يعني ابقاء الولايات المتحدة منغمسة في ازمات الشرق الاوسط، وان الرئيس اوباما يتخذ موقفاً معاكساً من ذلك. التوسّع المفرط في الشرق الأوسط سيضر في نهاية المطاف بالاقتصاد الاميركي وقدرة الولايات المتحدة على البحث والتعامل مع التحديات الاخرى حول العالم. الاهم ان ذلك يعرّض حياة الشباب الاميركي للخطر. كل ذلك ليس في مصلحة الامن القومي الاميركي».

من بندر إلى تركي

انتخب باراك حسين اوباما رئيساً للولايات المتحدة من دون ان تكون للسعودية علاقة معه. حدث ذلك ايضاً عام 1992 في معركة الانتخابات الرئاسية بين جورج بوش الاب وبيل كلينتون. كتب الصحافي والباحث دايفيد اوتاوي في صحيفة «واشنطن بوست» مقالاً طويلاً عن علاقة السفير السعودي وقتذاك، بندر بن سلطان، بالبيت الابيض. كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ولم تكن ثمة علاقة وثيقة للسفير السعودي بالبيت الابيض وسيّده كلينتون. يذكر اوتاوي انه اتصل بالامير مرتين عندما كان حاكماً لولاية اركانساس، فلم يردّ بندر، المطمئن في انتخابات الرئاسة الى عودة صديقه الرئيس، جورج بوش الاب، الى البيت الابيض. لم يكترث لارساء علاقة مع منافسه الديموقراطي خلال الحملة. لذا لم يولِ كلينتون في السنوات الاولى من عهده، اهتماماً ببندر بن سلطان.

ترك بندر سفارة السعودية في واشنطن عام 2005، وحلّ مكانه ابن عمه وشقيق زوجته الامير تركي الفيصل الذي كان قد خدم مديراً للمخابرات السعودية (1977-2001)، وكان على صلة بالمقاومة الاسلامية (المجاهدون) في افغانستان، وتعاون مع «سي اي اي» لدعمها في حربها على الاتحاد السوفياتي الذي كان احتل البلاد عام 1980. استقال تركي من منصبه في المخابرات السعودية في الاول من ايلول/سبتمبر 2001، عشرة ايام قبل احداث 11 ايلول/سبتمبر في واشنطن ونيويورك.

لم يكن مسار السفير الجديد في واشنطن مشابهاً لسلفه بندر. لم يبنِ علاقات قوية مع المسؤولين الاميركيين، وكثيرا ما راح ينتقد السياسة الخارجية لاميركا فيما سلفه اشترك في صنعها. ترك تركي الفيصل واشنطن بانقضاء 15 شهراً عندما اكتشف ان عمّه الملك عبدالله يفضّل استمرار بندر في اتصالاته المباشرة بالبيت البيض. خلفه في سفارة واشنطن الديبلوماسي السعودي عادل الجبير الذي اصبح وزيراً للخارجية بعد وفاة الامير سعود الفيصل.

أحد مستشاري أوباما: التوسّع المفرط في الشرق الأوسط سيضر في نهاية المطاف بالاقتصاد الاميركي وقدرة الولايات المتحدة على البحث والتعامل مع التحديات الاخرى حول العالم. الاهم ان ذلك يعرّض حياة الشباب الاميركي للخطر. كل ذلك ليس في مصلحة الامن القومي الاميركي

الحد الأدنى

شبّ اوباما على افكار ليبرالية، وتمركز سياسياً في فئة يسار الوسط. في الغالب تتبنّى هذه الفئة قيّم حقوق الانسان والمساواة بين كل أفراد المجتمع من النواحي الجندرية، والجنسية، والاثنية والسياسية حتى، وغيرها من الحقوق المدنية والاجتماعية. لطالما صُدم اوباما من العلاقات القوية بين السعودية والولايات المتحدة اذ تتغلب فيها المصلحة على القِيّم والمبادىء الديموقراطية والاجتماعية.

تكمن اهمية العائلة السعودية المالكة في ان المملكة اكبر منتج للنفط في العالم. تقدّر احتياطات النفط فيها بحوالى ربع الاحتياط العالمي المؤكد. على طرف نقيض من الدول الاخرى المصدرة للنفط، للحكومة السعودية مرونة كبيرة في حجم صادراتها. اذ في استطاعتها زيادة او خفض انتاجها من النفط وتصديره للحفاظ، بحسب الحاجة السياسية او المالية، على استقرار سعر برميل النفط العالمي.

اعطتها قوتها في قطاع الطاقة اهمية كبيرة عند دول اوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة. لكن مع وصول اوباما الى الرئاسة الاميركية في كانون الثاني/يناير 2009، كانت اميركا قد شارفت على الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع، ولذا لم يرَ الرئيس، الليبرالي سياسياً واجتماعياً، اي نوع من الحاجة الى السعودية والعائلة المالكة فيها اقتصادياً. غير ان العلاقات التاريخية بين البلدين التي انطلقت عام 1945 من اجتماع الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت بملك السعودية عبدالعزيز بن سعود، حملته على ان يحافظ على حد ادنى منها بين الدولتين، معتبراً ان انتقاده المملكة هو لمصلحة العائلة الحاكمة. لا يمكن النظام السعودي الاستمرار في هذه الحال طويلاً في القرن 21.

ثمة اربع قضايا رئيسية مشتركة كانت تبحث باستمرار بين ادارة اوباما والنظام السعودي: سياسته الشرق اوسطية، ايران، سوريا، اليمن. اما مسيرة السلام بين الفلسطينيين واسرائيل، فاوقفت دول الخليج العربي الاهتمام بها منذ النصف الثاني من العقد الاول، كما ذكرت كوندوليسا رايس في مذكراتها. السؤال الاول من وزراء خارجية دول الخليج، عندما كانوا يجتمعون بها، عن مسيرة السلام. توقف ذلك مع بداية عام 2007 وازدياد «الخطر الايراني والاصولي» على العراق الذي حمل جورج بوش الابن على زيادة عديد القوات الاميركية في تلك البلاد.

(*) الجزء الثاني والأخير بعنوان: أوباما والسعودية.. كسر معادلة الصداقة!

Print Friendly, PDF & Email
عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  إلفيرا نابيولينا.. "حاكمة" بوتين الاقتصادية