الصين حوّلت ماكرون “ديغولياً”.. لا يُطيع أوامر أميركا!

أوروبا ليست موحدة حيال القضايا الدولية. ظهر الإنقسام واضحاً في دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الحياد، إذا ما إندلع نزاع بين أميركا والصين في تايوان. كما أثبتت الردود على ماكرون أن ثمة جزءاً من العالم القديم لا يرى أن من مصلحته مهادنة الصين حتى ولو كانت مصالحه الإقتصادية على المحك، ويفضل المضي في الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة. 

لماذا أثار كلام ماكرون عن الصين وأميركا وتايوان كل هذا الذعر؟ الجواب البديهي. لأنه أتى في ذروة الإستقطاب الدولي بين الصين والولايات المتحدة، من تايوان وبقية المحيطين الهادىء والهندي إلى أوكرانيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. هذه هي المناطق التي تدور فيها رحى الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وبكين.

ليس موقفاً عابراً أن تتصدر فرنسا الدعوة إلى حياد أوروبي في مسألة بالغة الحساسية مثل تايوان. الجزيرة بالنسبة للولايات المتحدة هي أوكرانيا المحيط الهادىء. أي تغيير في وضع تايوان يعني مسأً حيوياً بالمصالح الأميركية في المنطقة ورصفاً للبنة أخرى في مدماك الصعود الإستراتيجي للصين. تماماً مثلما تعني هزيمة أوكرانيا فاتحة لعودة روسية من الباب الواسع لممارسة نفوذ القوة العظمى في أوروبا ومناطق أخرى من العالم.

يهم أميركا الحفاظ على تلك الوحدة الغربية التي تلت الهجوم الروسي على أوكرانيا. عودة ماكرون إلى الحديث – ومن الصين تحديداً – عن “الإستقلالية الإستراتيجية” للإتحاد الأوروبي والقطب الثالث والموقف المستقل، ونظرية “الحليف” وليس “التابع”، هو حديث ليس مستساغاً في الولايات المتحدو وبعض الدول الأوروبية وتحديداً الشرقية منها، بإستثناء المجر، بينما لم تتضح بعد مآلات الحرب الروسية-الأوكرانية ويحتدم الصراع على تايوان. ومناورات “تطويق تايوان” الصينية الأخيرة، التي تلت إستضافة رئيس مجلس النواب الأميركي كيفن ماكارثي للرئيسة التايوانية في كاليفورنيا، الأسبوع الماضي، أثبتت أن إحتمالات إندلاع مواجهة عسكرية، باتت كبيرة.

زعماء ومسؤولون أوروبيون لا سيما من الشطر الشرقي للقارة إتهموا ماكرون بالمقايضة بين المواقف الإستراتيجية ومصالح فرنسا الإقتصادية. أكثر المتجرئين على الرئيس الفرنسي كان رئيس الوزراء البولندي أندريه مورافيتسكي الذي دعا في كلمة أمام مركز المجلس الأطلسي للأبحاث في واشنطن إلى إعلان الإتحاد الأوروبي فوراً عن تحالف إستراتيجي مع أميركا. وقال مورافيتسكي إنّ الأوروبيين “يتطلّعون إلى الصين بقصر نظر حتى يتمكّنوا من بيع منتجات أوروبية بتكلفة جوسياسية هائلة”. وهذا كلام مقصود به المستشار الألماني أولاف شولتس الذي كان من بين القادة الأوروبيين الذين زاروا بكين في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

الأكيد أن أميركا تواجه صعوبات في الفصل بين أوروبا والصين. ما يُدلّل على ذلك، هو أن أشد المسؤولين الأوروبيين المؤيدين لواشنطن، إعتبروا أن الصين هي القوة الوحيدة في العالم القادرة على التأثير على روسيا من أجل وقف الحرب في أوكرانيا. وهذا إعتراف مبطن بدور الصين كقوة عالمية باتت تملك من التأثير ما لا يقل عما تملكه أميركا نفسها

إتهام مورافيتسكي يتضمن تكريساً لمبدأ وزير الدفاع الأميركي الراحل دونالد رامسفيلد عن “أوروبا الجديدة” و”أوروبا العجوز” عشية الذهاب إلى غزو العراق عام 2003. ووفقاً لصحيفة “الفايننشال تايمز” البريطانية، “فإن كل إنطباع يُشكّك بالوحدة عبر الأطلسي، يبعث بإشارات مقلقة في الكثير من العواصم (الأوروبية) الشرقية في وقت لا تزال أوروبا معتمدة إلى حدٍ كبيرٍ على الدعم الأميركي لأوكرانيا، وفي الوقت الذي بدأ البعض في الحزب الجمهوري يتساءل حيال مدى التورط الأميركي في دعم كييف”. وتستشهد الصحيفة بتصريح لوزير الخارجية الليتواني غابريليوس لاندسبرجيس قال فيه: “لسوء الحظ، لم نشفَ من عمانا الإستراتيجي بالكامل. لقد إخترنا أن لا نرى العدوان الروسي، والآن نختار أن لا نرى العدوان الصيني.. إننا على حافة تكرار الخطأ نفسه”.

مجلة “ذا ناشيونال إنترست” كانت أكثر قسوة على ماكرون، وقالت إنه يحاول تقليد شارل ديغول عندما كان يتخذ مواقف إبان الحرب الباردة متناقضة مع المواقف الأميركية وصلت به إلى حد الدعوة إلى نوع من السيادة المشتركة مع الإتحاد السوفياتي، ومن ثم كان قراره سحب فرنسا من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي عام 1966.

وقبل النزاع الأوكراني، وعشية الإنسحاب الأميركي من أفغانستان من دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين عام 2021، كان ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من بين الداعين إلى إنشاء قوة أوروبية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي، الذي وصفه ماكرون نفسه انه مصاب بـ”موت سريري”. لكن تقاعد ميركل وإندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في شباط/فبراير 2022، جعلا أميركا تعود مجدداً للعب دور قيادي في الأمن الأوروبي وتصير هي الدولة الأكثر تقديماً للمساعدات العسكرية والإقتصادية لأوكرانيا.

لقد بدّدت الحرب الأوكرانية، كل كلام عن القوة الأوروبية المستقلة، وكشفت عجز الدول الأوروبية عن الحؤول دون إنفجار النزاع، وتالياً أكدت أن حاجة هذه الدول إلى الإستظلال بالمظلة الأمنية الأميركية، لا تزال ضرورة لا مفر منها في المدى المنظور.

ويقود هذا الواقع إلى جعل واشنطن تتحكم بالقرار العسكري في أوكرانيا، وأن تكون هي صاحبة الكلمة الفصل في تقرير مصير حرب يتوقف على نتائجها ما إذا كان العالم سيتجه نحو التعددية القطبية أو تبقى أميركا هي القطب الواحد.

إقرأ على موقع 180  ثقافة الأنظمة.. مثقفو البلاط!

دعوة ماكرون أتت في توقيت سيء بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتبر أن أوروبا يتعين عليها الوقوف معها في مواجهة الصين من قبيل رد الجميل السياسي. ببساطة تقول واشنطن للأوروبيين المتهافتين على بكين: أنا حميتكم من روسيا، ولذا يتعين عليكم الوقوف معي في تايوان، لا الدعوة إلى الحياد.

وأخشى ما تخشاه أميركا في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، أن تؤدي التشققات في الموقف الغربي حيال الصين، إلى تقوية نفوذ بكين في العالم، وواشنطن تشاهد بقلق إنقلابات المشهد في الشرق الأوسط بدفع من المصالحة السعودية-الإيرانية ومفاعيلها في اليمن إلى الإنفتاح العربي على سوريا. إشارات مقلقة دفعت بالإدارة الأميركية إلى مراقبة التطورات المتسارعة بعيون غواصة تعمل بالوقود النووي في مياه الخليج وعلى متنها 154 صاروخاً من طراز “توماهوك”.

الهجمات التي يتعرض لها ماكرون وضعته في موقف الدفاع ووجد نفسه مضطراً للتذكير بإرسال فرنسا فرقاطة إلى مضيق تايوان الصيف الماضي عقب التوترات التي تلت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركية السابقة نانسي بيلوسي إلى تايبيه، برغم أنه لم تكن مضت أشهر على إلغاء أوستراليا صفقة الغواصات الفرنسية لمصلحة صفقة غواصات أميركية أكثر تطوراً بالتزامن مع الإعلان عن حلف “أوكوس” الأمني الثلاثي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا. وإلى الآن لا يعرف الفرنسيون لماذ تم إستثناؤهم من الحلف على رغم أن فرنسا لا يزال لديها مصالح مهمة في المحيطين الهادىء والهندي!

ومهما كانت الإعتبارات التي أدت بماكرون إلى قول ما قاله، سواء كانت تتعلق بالظرف الآني أم بالتاريخ، فإن الأكيد أن أميركا تواجه صعوبات في الفصل بين أوروبا والصين. ما يُدلّل على ذلك، هو أن أشد المسؤولين الأوروبيين المؤيدين لواشنطن، وبينهم وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ـ المرشحة لخلافة ينس ستولتنبرغ كأمينة عامة لحلف شمال الأطلسي بحلول نهاية العام ـ إلى الممثل الأعلى للإتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، كلهم في معرض ردهم على ماكرون إعتبروا أن الصين هي القوة الوحيدة في العالم القادرة على التأثير على روسيا من أجل وقف الحرب في أوكرانيا. وهذا إعتراف مبطن بدور الصين كقوة عالمية باتت تملك من التأثير ما لا يقل عما تملكه أميركا نفسها.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  إستهداف أبو ظبي بالمُسيرات.. تدويل أكبر لحرب اليمن!