ما الذي جعل بايدن يتحرك.. قصف القنصلية الإيرانية أو قافلة الإغاثة؟ 

تطوران حدثا الأسبوع الماضي وأمليا على الرئيس الأميركي جو بايدن التلويح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"عواقب" في حال لم يحدث تغييراً في سياسته المتبعة حيال غزة: الأول هو قصف القنصلية الإيرانية في دمشق الإثنين الماضي وقتل مسؤول "قوة القدس" في سوريا ولبنان الجنرال محمد رضا زاهدي مع ستة من مساعديه، والثاني هو قصف قافلة المطبخ المركزي العالمي (وورلد سنترال كيتشن) على ساحل غزة، ما أدى إلى مقتل 7 من المتطوعين في الجمعية الخيرية لمؤسسها الأميركي الإسباني خوسيه أندريس. 

الفارق بين الحدثين كان بضع ساعات؛ قصف القنصلية حدث بعد ظهر الإثنين، واستهداف عمال الإغاثة حدث ليل الإثنين-الثلثاء، لكن الحدثين شكّلا دافعاً لإدارة بايدن كي تتحرك مجدداً في محاولة لمنع تدحرج ضربة دمشق إلى حرب واسعة، بينما قتلُ متطوعي المطبخ المركزي العالمي يُوجّه ضربة قوية لجهود الإغاثة ويدفع بمئات آلاف الفلسطينيين إلى جوع مُحقَّق.

منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، نجحت واشنطن بالتنسيق مع طهران في منع توسع حرب غزة، برغم الاشتباكات اليومية على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وجبهتا لبنان والبحر الأحمر، ارتبطتا بالتوصل إلى هدنة جديدة في غزة، وبقيتا في سياق “منضبط” إلى حد كبير.

بيد أن حرب غزة استطالت وبدأت تتحول حرب استنزاف يغرق فيها نتنياهو ويعتقد أن اجتياح رفح براً سيُوصله إلى تحقيق الهدف الذي يُشكّك إسرائيليون وأميركيون كثيرون في امكان بلوغه وهو “سحق حماس”. في سبيل ذلك، يشتري نتنياهو الوقت ويُعرقل التوصل إلى هدنة قد تُهدّد إئتلافه الحكومي.

حتى أنه ذهب أبعد من ذلك، إذ أنه وبعد قرار مجلس الأمن 2728 الذي صدر في 26 آذار/مارس الماضي، ودعا إلى وقف فوري للنار في رمضان وامتناع أميركا عن استخدام “الفيتو” لمنع تمرير القرار، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية، علماً أنه بعد أربعة أيام من القرار، كانت وسائل الإعلام الأميركية تكشف عن صفقة أسلحة أميركية لإسرائيل بمليارات الدولارات بينها 50 مقاتلة “إف-15” وآلاف القنابل من طراز “إم. كي. 84” التي تزن الواحدة منها 904 كيلوغرامات وقادرة على تدمير مبنى كامل وإحداث حفرة في الأرض تصل إلى 11 متراً.

لا جدال بأن ضربة دمشق، هزّت “التفاهم” الأميركي – الإيراني القائم على النأي بالشرق الأوسط عن حرب أوسع نطاقاً. كما أن الرئيس الأميركي يُدرك أن الشرق الأوسط لا يتحمل تصعيداً إسرائيلياً مفتوحاً ضد إيران ورداً إيرانياً محتملاً على إسرائيل، لأنه سيقود إلى حريق إقليمي كبير لا يُبقي ولا يُذر، وستجد الولايات المتحدة نفسها في قلبه شاءت أم أبت

تسريب خبر الصفقة، كان المقصود منه أن يقول جو بايدن، أن الامتناع عن استخدام “الفيتو” في مجلس الأمن، على غرار ما حصل مع ثلاث مسودات سابقة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، لا يعني تخلياً عن إسرائيل بأي شكل من الأشكال من قبل رئيس يعتبر نفسه “صهيونياً من غير أن يكون يهودياً” وأن والده الذي قاتل في الحرب العالمية الثانية أوصاه خيراً بإسرائيل!

ومع ذلك، ازداد نتنياهو عناداً وبات يهاجم بايدن علناً مؤكداً أن ما من قوة في العالم، بما فيها أميركا ستمنع إسرائيل من الدخول إلى رفح. وإدارة بايدن لم تمانع يوماً الدخول الإسرائيلي إلى رفح، إنما أرادت أن يحدث ذلك مع أقل خسائر ممكنة في جانب المدنيين، حتى لا يُلام الرئيس الأميركي من قبل الجناح اليساري والأميركيين من أصل أميركي، ويدفع الثمن في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. يُعيدُنا هذا أيضاً إلى أن الإعلان عن صفقة الأسلحة، أراد بها بايدن أن يؤكد على المقلب الآخر للجناح المؤيد لإسرائيل في الحزب الديموقراطي، أن توجيه انتقادات لأداء نتنياهو لا يعني ترك إسرائيل في زمن الحرب. ويتذكر بايدن جيداً أن دخول جيمي كارتر في نزاع مع المؤيدين لإسرائيل في الحزب الديموقراطي عام 1979 كلّفه خسارة الانتخابات في العام 1980.

جو بايدن عالق بين جناحين، وكل همه الظهور بمظهر المتوازن. لكن نتنياهو العالق بدوره بين جبهتي غزة وجنوب لبنان، يُريد انتصاراً بأي شكل كي يحفظ ائتلافه من التداعي، في ظل تجدد الحركة المطالبة باستقالته واجراء انتخابات مبكرة، وهي الحركة التي عبّأت مئات الآلاف قبل الحرب في مواجهة التعديلات القضائية التي تحد من دور المحكمة العليا. في الأشهر الأولى من الحرب، لم تظهر أية معارضة في الشارع لنتنياهو، على عكس ما يجري في الأيام الأخيرة وصولاً إلى ليل أمس. حتى الوزير في مجلس الحرب بيني غانتس حاول أن يُجاري المطالبين بانتخابات مبكرة، باقتراحه أيلول/سبتمبر موعداً لها.

الشارع الإسرائيلي المتشكك بنيات نتنياهو من وراء إطالة أمد الحرب، ليس وحده مصدر المتاعب للائتلاف الحكومي المتشدد. هناك قانون تجنيد الحريديم الصاعق الذي يُمكن أن يُفجّر الائتلاف من الداخل، في حال قرر حزبا “شاس” و”يهودوت هاتوراه” مغادرة الحكومة، إذا ما أقر قانون تجنيد الحريديم، الذي يُصر عليه غانتس وإلى حد ما وزير الدفاع يوآف غالانت ويلقى تجاوباً من الرأي العام، في ظل حاجة إسرائيل إلى مزيد من الجنود لحرب طويلة.

من غزة إلى جنوب لبنان والداخل الإسرائيلي، قرّر نتنياهو أن يقصف القنصلية الإيرانية في دمشق، برسالة تُعبّر عن ضيقه من استمرار “حزب الله” في قصف المستوطنات الشمالية وبقاء 80 ألف مستوطن إسرائيلي نازحين عنها.

إقرأ على موقع 180  "التنوير" يخدم العدوّ الصّهيوني.. يوسف زيدان نموذجاً

قصف القنصلية، المراد منه قلب قواعد الاشتباك السائدة حتى الآن والقول بأنه لم يعد ثمة تمييز بين حلفاء إيران.. وإيران نفسها. هنا تصبح أميركا معنية بالحفاظ على معادلة منع الحرب الإقليمية الواسعة. وعلى هذا الأساس سارعت واشنطن إلى النأي بنفسها عن الضربة الإسرائيلية نافية علمها المُسبق بها.

وبعد ساعات من الضربة، سارع وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى الإعلان عن توجيه طهران “رسالة مهمة” إلى واشنطن عبر القناة السويسرية، لترد واشنطن بالتحذير من التعرض للمنشآت الأميركية، بينما وضعت إسرائيل نفسها وسفاراتها في الخارج في حال استنفار. وأعلن مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي أن “اسرائيل ستعاقب على يد رجالنا البواسل”، في إشارة إلى أن إيران سترد بنفسها على الضربة الإسرائيلية. الرد الإيراني قد يتخذ أشكالاً غير الرد العسكري المباشر. ماذا لو سرّعت طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 أو أكثر في المئة؟ أو ماذا لو سلّمت إيران روسيا صواريخ باليستية لتزيد المشهد الأوكراني تعقيداً؟

في توقيت متفجر، أتت مكالمة بايدن مع نتنياهو ليل الخميس الماضي، بعنوان مقتل عمال الإغاثة في المطبخ المركزي العالمي بنيران مُسيّرة إسرائيلية من طراز “هرمز 450″، إنما المضمون هو البحث في مرحلة ما بعد قصف القنصلية الأميركية بدمشق.

“وقف فوري للنار الآن”، عبارة وردت على لسان بايدن للمرة الأولى، للتأكيد على أن الأمور تُهدّد بالخروج عن السيطرة. ووحدها الهدنة يُمكن أن تنزع فتيل تفجير واسع، لا تريده أميركا، في حين وضع نتنياهو إيران أمام الإختبار الأقسى منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر وربما منذ اغتيال قائد “قوة القدس” في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني بأمر من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في مطلع كانون الثاني/يناير 2020.

الرد الإيراني قد يتخذ أشكالاً غير الرد العسكري المباشر. ماذا لو سرّعت طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 أو أكثر في المئة؟ أو ماذا لو سلّمت إيران روسيا صواريخ باليستية لتزيد المشهد الأوكراني تعقيداً؟

لا جدال بأن ضربة دمشق، هزّت “التفاهم” الأميركي – الإيراني القائم على النأي بالشرق الأوسط عن حرب أوسع نطاقاً. كما أن الرئيس الأميركي يُدرك أن الشرق الأوسط لا يتحمل تصعيداً إسرائيلياً مفتوحاً ضد إيران ورداً إيرانياً محتملاً على إسرائيل، لأنه سيقود إلى حريق إقليمي كبير لا يُبقي ولا يُذر، وستجد الولايات المتحدة نفسها في قلبه شاءت أم أبت.

التحذير الأميركي لنتنياهو من “عواقب” إذا لم يُغيّر سياسته ويقبل بدخول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع إلى غزة، والحض على ابداء مرونة حيال هدنة الأسابيع الستة في أقرب وقت وإبرام صفقة تبادل الأسرى وتناسي موضوع اجتياح رفح، قد تكون من قبيل علاج الإسعافات الأولية لتهدئة النزيف موقتاً، وليست العلاج الشافي.

هذه المحاولة الأميركية الأولى الأكثر جدية في نزع فتيل الحرب الإقليمية والحؤول دون إخراج “حرب الظل” بين إيران واسرائيل إلى العلن.

لا شيء يشي بأن جو بايدن سيكون حظه أوفر هذه المرة.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان وصندوق النقد: مَنْ يضحك على مَنْ؟