الإستبداد.. وهزيمة مشروع الإنسان العربي

يتعالى الحُكّام على شعوبهم. افترضوا أنهم يحكمون مجتمعات يتآكلها الفقر والمرض، وأن الحداثة تقتصر عليهم وعلى حاشيتهم. أطلقوا برامج تحديث من فوق. تجاهلوا أن مجتمعاتهم أكثر حداثة منهم، وأن توقها للحرية يفوق كل اعتبار، وأن قمعهم لشعوبهم واضطهادهم لها ليس له ما يبرّره إلا التسلّط والتعالي. انفكت عرى التفاهم مع شعوبهم وصار الواحد منهم لا يختلط بالناس ولا يظهر في المناسبات إلا خطيباً من وراء الستار.

اعتبر هؤلاء الحُكّام أن مجتمعهم متخلّفٌ، فاحتكروا الحداثة، وأفسحوا المجال للدين على أساس اعتبارهم أنه لا يليق بالمجتمع المتخلّف غيره. في المقابل، كان الدين عند الناس أحد وسائل المعارضة لتحديث قسري، يفتقر القيمون عليه لأي فهم لمجتمعهم، ورغباته، وتطلعاته، وحاجاته. فكان من الطبيعي أن يتوسّع مجال الجماعات الدينية في وقت اعتبر الحُكّام أن مجال الحداثة يختص بهم.

لم تكن لدى المجتمع رغبة بمقاومة الحداثة. الجميع كانوا يدركون ضرورتها. وكانت هي التيار الغالب منذ ما سمي عصر النهضة في القرن التاسع عشر؛ كانت هناك مقاومة لاحتكار النظام للحداثة، وفقدانه الشرعية باحتقاره شعبه، وتعظيم تراثه، والهزء بدينه، وفقدان الثقة بالمجتمع الذي كان اعتماد حركة التحرر الوطني عليه قبل الاستقلال، واعتماد حاشية أشبه بالمرتزقة والمماليك في السلطة.

فقدان الشرعية سريعاً بعد الاستقلال كان الآفة الكبرى لدى الحُكّام الجُدد. ما داموا لم يفهموا معنى الانتماء للعروبة وأهمية السياسة والدولة، فهم لن يستطيعوا فهم شعوبهم. قبل الاستعمار، الذي سبقهم، وثاروا عليه، وحرّروا البلد منه، كان فهمهم لمجتمعهم أشبه بالمستشرقين. هم أيضاً اعتمدوا على مستشارين أجانب في مختلف الحقول، كما اعتمد الاستعمار على خبراء، كانوا مستشرقين. كان اعتمادهم على الشرق
(الاتحاد السوفياتي السابق) حيناً، أو على الامبراطورية (أميركا والغرب) حيناً آخر؛ وعلى الدين، والإسلام، لا على المسلمين، وعلى حزبهم (“البعث”، و”جبهة التحرير”، إلخ..) لا على مجتمعهم، بعد أن حوّلوا الحزب إلى إناء فارغ يتلقى الأوامر وينفذها، ولا ينبع منه قرار. استعانوا على الحزب بالجيش، وعلى الجيش بالأجهزة الأمنية. صار نظامهم آلة مرتزقة. حتى مشايخ الدين الذين استعانوا بهم كانوا مرتزقة، ومن وعّاظ السلطان (كما سماهم على الوردي). لكنهم لم يثقوا بمجتمعهم، ولم يدركوا أنه في جميع الأنظمة، سواء الديموقراطية أو الديكتاتورية، الجمهورية أو الملكية، لا تستمد الشرعية إلا من المجتمع؛ فأصابهم الخوف والهلع، والطاغية دائماً جبان، فأحاطوا أنفسهم بالأسوار، ووضعوا الحواجز بينهم وبين مجتمعهم. ليس بالضرورة أن يكون جدار الفصل العنصري مبنياً من الإسمنت والحجر، بل يمكن أن يكون معنوياً. وكلما ضعفوا وشعر الآخرون بذلك، تكاثرت الانقلابات، وسمّوها ثورات. وكانوا عاراً عليها.

كان جمال عبد الناصر بريق أمل وسط كل ذلك، لأنه بخلاف جميع الطغاة الآخرين، كان على علاقة بمجتمعه، مُندمجاً في مشاعره، مُنسجماً مع تطلعاته، مُستجيباً لرغباته وحاجاته. لكنه هُزِمَ وانهزم معه مشروعه. هو مشروع الناس الذي وضع العروبة والوحدة العربية فوق كل اعتبار. فكانت وفاته المبكرة إيذاناً بمجيء سلطة علاقتها بالخارج مفضوحة وعلانية

لا يعني التحرر الوطني، التحرر من الحكم الخارجي والاستعمار، حرية الأفراد في المجتمع، بل ربما قاد الى العكس. معظم البلدان التي حقّقت استقلالها، وطردت المستعمرين، حكمها بعد التحرر الوطني طغاة، كانوا أبطالاً للتحرير. رأسمالهم الوحيد كان التحرير. اعتبروا بسببه أن لهم منة على شعبهم. وفي بعض الأحيان، اعتبروا التحرر الوطني ولادة جديدة للمجتمع، لا تطوراً يجب البناء عليه. بل ولادة هم سببها. فاعتبروا أنفسهم آباء الشعب، وكأنهم خالقوه. وكان أمراً طبيعياً بالنسبة لهم أن يدوم حكمهم إلى الأبد. فكانوا يجرون انتخابات دورية هي أشبه بالاستفتاء، إذ لا منافسين لهم. فيفوزون بأغلبية كاسحة اعترافاً من شعبهم بالجميل لهم. وكيف لا يعترف لهم شعبهم بالجميل لهم وهم مؤسسو دولته، وخالقو استقلاله، والمضمر أنهم خالقوه!

مع طغيان الاستبداد واتساع أجهزته وتمتين علاقاته بالخارج، تحوّل مزاج الناس نحو الدين، وفقد الاعتقاد الديني رحابته التي كانت معروفة أيام محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وقبلهما رفاعة الطهطاوي. تغيّر الدين تبعاً لذلك، وتحوّل من إيمان فردي، تتخذ فيه صلاة الجمعة مكانة مركزية، كما في الأزمنة منذ ظهور الإسلام. ولا شيء جديداً في ذلك. انما الجديد هو تشكّل جماعات إسلامية طرحت شعار تطبيق الشريعة، بالأحرى تضمينها الدستور، لا خوفاً على الدين من أهله بقدر ما كان الأمر معارضة للسلطة الاستبدادية.

تلاعبت السلطة بالإشتراكية، والتسيير الذاتي، وجميع قضايا المجتمع، بما في ذلك العروبة (الانفصال وخيانة الوحدة)، وقضية فلسطين ذات المكانة المركزية في الوجدان العربي. كان جمال عبد الناصر بريق أمل وسط كل ذلك، لأنه بخلاف جميع الطغاة الآخرين، كان على علاقة بمجتمعه، مُندمجاً في مشاعره، مُنسجماً مع تطلعاته، مُستجيباً لرغباته وحاجاته. لكنه هُزِمَ وانهزم معه مشروعه. هو مشروع الناس الذي وضع العروبة والوحدة العربية فوق كل اعتبار. فكانت وفاته المبكرة إيذاناً بمجيء سلطة علاقتها بالخارج مفضوحة وعلانية. لم تجد طريقاً للشرعية والمشروعية غير الانفتاح على الخارج، والتغازل مع جماعات الإسلام السياسي في الداخل.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أسفار التوراة.. لبنان العبراني والأرز الملعون (3/3)
الفضل شلق

مثقف وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  باكستان.. كادت تصبح عربية لولا حروب الهند