خارطة الصراع في شرق الفرات: اللاعبون الدوليون والإقليميون
A Turkish n armored vehicles patrol as they conduct a joint ground patrol with American forces in the so-called "safe zone" on the Syrian side of the border with Turkey, near the town of Tal Abyad, northeastern Syria, Friday, Oct.4, 2019. The patrols are part of a deal reached between Turkey and the United States to ease tensions between the allies over the presence of U.S.-backed Syrian Kurdish fighters in the area. (AP Photo/Baderkhan Ahmad)

بإعلان تركيا عن اكتمال الاستعدادات للعملية العسكرية في شمال سوريا، غداة حصولها على ضوء أخضر أميركي، تتأكد مجدداً حقيقة أن منطقة شرق الفرات ستكون الميدان الأخير لتحديد المشهد الإقليمي والدولي، ففيها تتداخل العوامل الأميركية والروسية والتركية والإيرانية، وقد أضيف إليها أخيراً العامل الإسرائيلي، ما يرفع مستوى المخاطر على وجود الدولة السورية، وينذر بتصعيد في المواجهة الإقليمية والدولية على الأرض السورية.

يشكل الكرد المتوزعون بين تركيا وسوريا والعراق  وإيران كتلة سكانية كبيرة قد تصل من حيث التعداد السكاني لحدود الأربعين مليون نسمة، حيث تتركز الكثافة السكانية العالية في مناطق متصلة جغرافيا مع بعضها البعض، إذ تتموضع  في كل من جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا وشمال العراق وشمال غرب إيران، ما يمنحهم موقعاً جيوسياسياً عالي الحساسية، يستطيع أن يؤثر على إقليم غرب آسيا بأكمله، وقد استطاعوا أن ينجزوا خطوة كبيرة في سبيل تحقيق رؤيتهم القومية بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وأنشأوا كياناً شبه مستقل ضمن الدولة العراقية، مستفيدين من الحماية الأميركية في البقاء والاستمرار حتى هذه اللحظة.

مع اندلاع الحرب في سوريا، تمكن الكرد السوريون، وخاصةً وحدات حماية الشعب الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الوجه السوري لحزب العمال الكردستاني، من استثمار الفراغ الذي حصل في شمال سوريا بفعل انسحاب القوى العسكرية السورية النظامية منها، والذي ترافق مع دعم عسكري كبير من دمشق بالسلاح منذ بدايات الحرب، وأن يسيطروا على مساحات واسعة من الشمال السوري.

تحول المشهد في الشمال السوري مع نهاية عام 2014 بعد تهديدات تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) بتقطيع مناطق التواصل الكردي باجتياح منطقة عين العرب – كوباني، والذي أوجد الذريعة المثلى للدخول الأميركي من باب جديد إلى المعادلات الإقليمية، وبشكل مباشر، وبدعم عسكري جوي لوحدات حماية الشعب، ما أتاح لها استعادة السيطرة على كل المناطق التي خسرتها، والتمدد إلى مناطق في غرب الفرات، وأتبع ذلك دخول قوات أميركية وبناء ثلاث عشرة قاعدة عسكرية متفاوتة الأحجام، أدت إلى تمدد الوجود الأميركي نحو الجنوب في سباق مع الزمن نتيجة التحولات الدولية  الكبيرة  والمتسارعة لغير صالحهم، ليصل إلى كامل منطقة شرق الفرات.

ومع الدخول الأميركي المباشر، تحولت أزمة منطقة شرق الفرات وبقية المناطق الخاضعة لقوات التحالف الدولي إلى منطقة صراع دولي وإقليمي ومحلي كبير، اختزلت بها مسألة الصراع على سوريا بعد تحرير دمشق وحلفائها  لمناطق واسعة تصل إلى الحدود العراقية، وهي تعتبر الآن الميدان الأخير لتحديد المشهد الإقليمي والدولي، وأكثر ما تتداخل فيه العوامل الأميركية والروسية والتركية والإيرانية، وقد أضيف إليها أخيراً العامل الإسرائيلي، مما يرفع من سوية المخاطر على وجود الدولة السورية كقوة إقليمية ذات دور فاعل ويهدد نجاحات محور طهران- دمشق في وصل المناطق الممتدة من أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط، خاصةً وأنّ هذه المنطقة ستبقى سيفاً مصلتاً على هذا الوصل، يتحول شيئاً فشيئاً إلى مشروع استثماري بعيد المدى، وسيبقي في إثره التدخل الأميركي- الإسرائيلي ممتداً إلى زمن طويل إذا لم تتغير فيه معادلات القوة لصالح القوى الصاعدة.

القوى الدولية الفاعلة

1- الفاعل الأميركي، حيث تعتبر الولايات المتحدة هذه المنطقة بمثابة منصّة استراتيجية جديدة تطل منها على مستقبل النظام الدولي، فهي تتيح تحقيق جملة من المكاسب في المواجهة القائمة مع ثلاثة مشاريع متداخلة ومتقاطعة، أولها “المشروع الأوراسي” الذي ينظر إلى كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا كمكونات أساسية للربط بين البحر الأبيض المتوسط والخليج الفارسي والمحيط الهندي، ويليه “المشروع الصيني” الساعي لإحياء طريق الحرير وصولاً إلى  أوروبا، سعياً وراء إعادة دورها على غرار ما كان في  العالم القديم حيث تكون فيه الصين مركز الاقتصاد العالمي، والذي لا يمكنه النجاح إذا لم يتوفر الاستقرار في هذه الدول الأربع. أما ثالث المشاريع، فهو مشروع “طهران –دمشق” الذي يعمل على تثبيت إنجازاته، والربط بين أفغانستان وكامل المناطق الممتدة إلى البحر الأبيض المتوسط، ويشكل امتدادً عملياً لطريق الحرير الصيني.

ولا يوجد خير من الكرد ككتلة شعبية كبيرة يمكن الاعتماد عليها، لمنع المشاريع الثلاثة من النجاح، إذ تعتبر  هذه الكتلة الشعبية جزءاً أصيلاً  من نسيج المنطقة.  وإذا ما استطاعت  الولايات المتحدة أن تستحوذ على القرار الكردي، فإن ذلك سيقوّض المشاريع الثلاثة بحكم التموضع الجغرافي لهم، وبما يتيح دوراً جيو- سياسياً كبيراً . ولا يجوز إغفال أن أحد العناصر المحددة هو حسم الصراع الداخلي مستقبلا بين ترامب ورؤيته(تحظى بدعم أغلبية الناخبين الأميركيين)  وبين ما تعرف بدولة الأمن القومي في الولايات المتحدة التي تتشبث بالوجود الأميركي في المنطقة ومن ضمنها شرق الفرات، وهذه “الدولة” حالت دون تنفيذ ترامب قراره بالإنسحاب أكثر من مرة.

2- الفاعل الروسي، الذي أسس لمجموعة منطلقات و بتصورات جديدة تعوّض عن انهيار الاتحاد السوفياتي، وبناء منظومة دولية جديدة، تعتمد على علاقات التعاون كبديل لسياسة الهيمنة، وتشكل فيه روسيا قلب هذا العالم الجديد القديم، ولذلك فإن سياساتها تعتمد على إزاحة الولايات المتحدة من كل المناطق التي تعتبرها مجالاً حيوياً لها، والحلول مكانها في إدارتها. وتعتبر منطقة غرب آسيا أهم مجال حيوي لها، وخاصةً مربّع تركيا وإيران وسوريا والعراق، ولذلك، فإنها تتعامل مع ملف شرق الفرات بما ينسجم ومصالحها مع هذه الدول كأولوية قصوى، وخاصةً تركيا التي تسعى جاهدةً لاستقطابها وإخراجها من حلف الناتو، وبالدرجة الثانية لمصالحها مع سوريا وإيران. قد تتبدل هذه المصالح بين الفينة والأخرى تبعاً لطبيعة التعاطي الأميركي وأثره على الفاعل التركي. ومن الجلي أن روسيا تريد أن تتحول إلى نقطة التقاطع بين جميع العناصر المكونة للمنطقة حيث تسعى لاقامة توتزن بين جميع الأطراف المتصارعة بما يؤهلها لادارتها، كبديل للإدارة الأميركية التي تتحالف مع فريق وتعادي الآخر.

3- الفاعل الصيني، وهو لا يتواجد بشكل مباشر في هذه المنطقة، ولكنه معني بما يحدث، وهو المستهدف الأول من التواجد الأميركي في شرق الفرات، إذ لا يمكن لمشروع طريق الحرير أن يرى النور إذا ما استطاع الأميركيون تنفيذ خطتهم في شرق الفرات، فهم يدركون جيداً بأن مسار هذا الطريق سيمر بالضرورة من شمال غرب إيران وجنوب شرق تركيا، وبمعنى آخر من قلب الكثافة السكانية للكرد في الدول الأربع. وفي حال تم تغيير المسار ليمر من س%D

أحمد الدرزي

كاتب وباحث سوري

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download