لم يمانع دونالد ترامب في تولي نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، مقاليد الحكم كرئيسة مؤقتة، ومتجاهلاً التطرق إلى ضرورة وضع جدول زمني لإجراء انتخابات واختيار قادة جدد، على غرار ما فعل الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش الأب عندما غزا بناما واعتقل رئيسها مانويل نورييغا عام 1989، حيث حدّد ثلاثة أسابيع لانتخاب سلطة جديدة، وهكذا جرى بالفعل.
أما ترامب، فقد عمد إلى تحذير رودريغيز من أنها ستلاقي مصير مادورو، إن هي لم تتعاون مع القرارات الأميركية في كل ما يتعلق بمستقبل البلاد، وفي مقدمها القبول بأن تتولى واشنطن ولفترة غير محددة “إدارة” قطاع النفط الفنزويلي. أولى هدايا رودريغيز كانت مليون برميل من النفط لأميركا بقيمة ثلاثة مليارات دولار.
وكان لافتاً للانتباه تجاهل ترامب الحديث عن الانتقال الديموقراطي، لا بل ذهب إلى حد ازدراء زعيمة المعارضة كورينا ماتشادو، والقول بأنها لا تحظى بشعبية في فنزويلا. ربما فعل ذلك بدافع الغيرة كونها خطفت منه جائزة نوبل للسلام للعام 2025.
سر ررودريغيز!
وإذا كان ترامب لا يُكنُ اعجاباً لماتشادو، فإنه لم يأتِ مطلقاً على ذكر إدموند غونزاليس، مرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2024، بينما تؤكد مؤسسات استطلاع محايدة، أنه فاز بنسبة 70 في المئة من الأصوات، لكن مادورو رفض الاعتراف بالهزيمة.
والملاحظ أن اسقاط ترامب من حساباته الذهاب إلى انتخابات في المستقبل القريب في فنزويلا، جعل المراقبين يُسلّطون الضوء على شخصية رودريغيز نفسها. فنائبة الرئيس لم يكن دورها هامشياً في السلطة خلال السنوات الماضية، إذ كانت مسؤولة عن ملفي النفط والاستخبارات، ما يجعلها قريبة من مجرى الأحداث حتى لحظة دخول الجنود الأميركيين إلى غرفة نوم مادورو واقتياده وزوجته منها. أما شقيقها خورخي رودريغيز، فيتولى رئاسة البرلمان.
فهل لعبت رودريغيز دوراً في تسهيل العملية الأميركية، أم أن ترامب أراد أن لا يطيح النظام برمته كي لا تقع فنزويلا في الفوضى، وتتحول إلى عراق جديد أو أفغانستان جديدة في الكاريبي؟ مثل هذا التطور السلبي، إن حدث سيحرم الرئيس الأميركي من الاستفادة من خيرات فنزويلا النفطية وكأنه في سباق مع الوقت.
من صدام حسين إلى مادورو
ومنذ أن أصبح مادورو في قبضة أميركا ومثوله أمام قاض في نيويورك، تراجعت الاتهامات للرجل من قائد عصابات لتهريب مخدر “الفنتانيل”، وصار الحديث عن اتجاره بالكوكايين، فيما تفيد تقارير أميركية بأن فنزويلا ليست هي البلد المصنع للمخدرات التي تصل إلى الولايات المتحدة، ولا هي مركز تعبر منه المخدرات. وثمة إدراك أن المكسيك، هي البلد الذي تمر به هذه المواد على أنواعها وكذلك حال المهاجرين غير الشرعيين. وفي هذا المجال يظهر ترامب بأنه أقرب إلى الرئيس جورج بوش الإبن الذي غزا العراق عام 2003 باتهامات كاذبة عن امتلاك صدام حسين أسلحة للدمار الشامل وعن تعاونه مع تنظيم “القاعدة” الذي هاجم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البتناغون في واشنطن عام 2001.
وحتى الاتهامات لمادورو بأنه سرق النفط الأميركي من خلال تأميم قطاع الطاقة، لا تتطابق مع الواقع، لأن التأميم حصل قبل وصول مادورو إلى السلطة في 2013 وكذلك قبل تولي سلفه الجنرال الراحل هوغو تشافيز السلطة في 1999، وتبني المسار البوليفاري.
والابقاء على نظام مادورو من دون رأسه، استفز كاتب العمود في صحيفة “النيويورك تايمز” توماس فريدمان، الذي قال: “أولوية ترامب في اعتقال مادورو لم تكن لجعل هذا البلد آمناً باستعادة الديموقراطية، بل جعله آمناً لاستعادة هيمنة شركات النفط الأميركية على استخراج النفط الفنزويلي”.
إنها الانتخابات النصفية!
يُمكن الانتقال هنا، إلى سؤال استطرادي، عن السبب الذي يجعل ترامب يُقدِم النفط على الديموقراطية؟ بعض التفسير يُمكن أن يذهب إلى إن الولايات المتحدة تشهد هذه السنة الانتخابات النصفية التي يتوقف على نتائجها، ما إذا كان ترامب سيتمكن من مواصلة تنفيذ سياساته بلا قيود من الكونغرس، وحتى التفكير في الولاية الثالثة!
وتظهر استطلاعات الرأي تدنياً في شعبية ترامب إلى ما دون شعبية الرئيس السابق جو بايدن في سنته الأخيرة من الولاية. والسبب الأساسي في هذا التراجع، يكمن إلى حد كبير في فشل ترامب بعد سنة من عودته إلى البيت الأبيض، في كبح جماح التضخم. ولم يكن فوز بعض المرشحين الديموقراطيين في انتخابات فرعية وبلدية في الأشهر الأخيرة وبينهم الديموقراطي زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، فألٌ حسنٌ بالنسبة للرئيس الجمهوري وحزبه.
وفي هذا المجال، تفيد الخبيرة الاقتصادية في جامعة كامبردج البريطانية هيلين طومسون، بأنه “حتى التعريفات الجمركية التي روّج لها (ترامب) كثيراً على الواردات الصينية تغيّرت خمس مرات خلال الأشهر الستة الأولى بعد تنصيبه. وكانت نتيجة كل هذا التردد والفوضى، هي انخفاض التأييد له إلى ما دون تلك التي حصل عليها بايدن”.
الفكرة المبسطة لدى ترامب تستند إلى أن وضع أميركا يدها على النفط الفنزويلي وضخه في الأسواق من شأنه أن يؤدي إلى انخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة، بما ينعكس على سلع أخرى، فيشعر المواطن الأميركي بارتياح اقتصادي يجعله يقتنع بانتخاب المرشحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
لكن تدفق النفط الفنزويلي بالكميات التي يتوقعها ترامب ليس متاحاً بهذه السهولة التي يتصوّرها. فالشركات الأميركية تبدي تردداً في الذهاب إلى فنزويلا لأن إعادة ترميم القطاع المهمل منذ فرض العقوبات الأميركية على فنزويلا قبل عقدين أو أكثر، تحتاج إلى استثمارات تقدر بمئة مليار دولار وإلى وقت وليست عملية أوتوماتيكية.
هذا الواقع من شأنه أن يُعقد ويُصعّب حسابات وطموحات ترامب إلى طرح كميات كبيرة من النفط الفنزويلي في السوق، كي يتدنى سعر البرميل إلى 50 دولاراً. ومنذ الآن، يعد ترامب الصين ببيعها كميات أكبر مما كانت تستورده من النفط في عهد مادورو.
من فنزويلا إلى غرينلاند
ربما تكون هذه أحد الأسباب الرئيسية التي حملت ترامب على عدم الخوض في عملية إطاحة النظام الفنزويلي بالكامل. والنموذج عينه، يحاول الرئيس الأميركي تطبيقه على كولومبيا والمكسيك وكوبا، بحيث يريد من حكومات هذه الدول التعاون اقتصادياً بشكل حصري مع الولايات المتحدة، وتناسي الصين وروسيا وحتى أوروبا.
وكما يطمع بثروات فنزويلا، جدّد ترامب المطالبة بجزيرة غرينلاند الدانماركية بين آيسلندا والقطب الشمالي، لضرورات “الأمن القومي الأميركي” في مواجهة الصين وروسيا. ويصل به الأمر إلى حد المجازفة بفرط حلف شمال الأطلسي “الناتو” إذا كان ذلك هو الثمن.
هي إمبريالية يُوظفها ترامب في خدمة سياساته. لكنها تجعل العالم يقف على أصابع قدميه منتظراً أين ستضرب أميركا بعد فنزويلا. وهذا الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي لورنس هاس، يُحذّر في مقال بمجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية، من أن “عالَماً يتساءل ما الخطوة التالية التي ستقدم عليها الولايات المتحدة بعيداً عن سواحلها، سيكون عالَماً أقل استقراراً وينطوي على مخاطر أكبر”.
ويُعلّق رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي” الأميركية رافي أغراوال، على التدخل الأميركي في فنزويلا قائلاً: “إنه بعد سنة من الولاية الثانية لترامب، ومن دون أن يكون مُقيداً بمسؤولين يُحذّرونه من ميوله الغريزية، فإن الرئيس الأميركي يشعر براحة متزايدة عندما يأمر أكبر جيش في العالم بتنفيذ أوامره”.
وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن م. والت يقول في مقال بالمجلة نفسها إن محاولة إدارة النصف الغربي من الكرة الأرضية تحت تهديد السلاح، لن تنجح في المستقبل مثلما لم تنجح في الماضي. وتخرج مجلة “الإيكونوميست” البريطانية باستنتاج أنه “في عالم ترامب، يأخذ الأقوياء كل ما وسعهم.. لكن هذا سيكون سيئاً لأميركا وللآخرين”.
ومن يستمع أيضاً إلى وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث ونائب رئيس فريق الموظفين في البيت الأبيض ستيفن ميلر، سرعان ما يدرك أن هذه الإدارة الأميركية لن تتوقف عند حدود النصف الغربي من الكرة الأرضية، وبأن مزيداً من المغامرات العسكرية في أنحاء أخرى من العالم قد يكون على الطريق.
وميلر، الذي يعتبر المستشار الأقرب إلى إذن ترامب، يقول على سبيل المثال: “إننا نعيش في عالم تحكمه القوة، وهذه هي القوانين الحديدية للعالم، منذ بدء الزمن”.
هذه الميول التوسعية لترامب، عدا عن أنها تلقى معارضة لدى تيار “ماغا” (MAGA) اليميني المتطرف المؤيد لسياسة “أميركا أولاً”، بدأت تثير الشك للمرة الأولى لدى أعضاء جمهوريين في الكونغرس، يخشون التورط مجدداً في “حروب أبدية”. وتجلى ذلك في وقوف خمسة أعضاء جمهوريين يوم الخميس الماضي إلى جانب زملائهم الديموقراطيين في التصويت على إجراء يطلب من الرئيس الأميركي الحصول على تفويض من الكونغرس قبل شن عمليات عسكرية أخرى في فنزويلا. ورد ترامب بغضب على الجمهوريين الخمسة، معتبراً أنهم لا يستحقون اعادة انتخابهم في اقتراع منتصف الولاية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وبأن حدود قرارات التدخل في الخارج “تُقيّدها فقط أخلاقه”، على ما نقلت عنه “النيويورك تايمز”.
ويتزامن ذلك مع احتجاجات وتظاهرات في عدد من الولايات الأميركية في الأيام الأخيرة بسبب سياسات إدارة ترامب، وخصوصاً ملف التدخل في فنزويلا وعلى خلفية مقتل امرأة برصاص عنصر من وكالة الهجرة والجمارك الأميركية.
