ترامب و«مجلس السلام».. حين تُصبح القوة قانوناً دولياً!

نعيش منذ سنوات في عالم مرتبك في تطلعاته وأساليبه؛ عالمٌ على طريق الانحدار صادف في طريق انحداره رئيساً جديداً للولايات المتحدة اختار تسليط التهديدات وسيلة عساه ينجح في أن يستعيد بها بعض أو جل ممارسات الهيمنة التي درجت عليها أميركا في نهايات القرن الماضي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال نظام القطبين وانفراد أميركا بالهيمنة. 

اختار الرئيس ترامب فرض التعريفة الجمركية على دول لا تستجيب فوراً لمطالبه، شخصية كانت أم لتحقيق أهداف سياسية، اختار أيضاً التهديد بفرض الحصار الاقتصادي والاحتلال العسكري والسعي لتغيير الأنظمة القائمة. جرّب كذلك حملات التشويش وإغراق العلاقات الثنائية بتصريحات متناقضة عن قصد أو بطبيعتها المنبثقة عن شخصيته. لجأ أيضاً إلى أسلوب سبق أن استخدمه برعونة وخداع على أوسع مجال بيبي نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وهو صُنع خرائط مزيفة تعكس الأطماع الشخصية والمتطرفة قومياً ودينياً، وعرضها على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، أما الرئيس ترامب فقد اختار مسارحه الشخصية في البيت الأبيض ومؤتمراته الصحفية ساحة ومجالاً لنشر خرائطه.

لم يفاجئنا الرئيس ترامب في ولايته الثانية بالجوانب الخطيرة الكامنة في شخصيته وفي طموحاته المادية وفي منظومة أخلاقه وسلوكياته السياسية. تعرّفنا على بعضها خلال الولاية الأولي ولا أظن أن الحريصين في العالم العربي على تحقيق أهداف شعوبهم فقدوا بخروجه من السلطة حليفاً وصديقاً، وعلى كل حال لم يتوانَ الرئيس فور هزيمته في انتخابات تجديد رئاسته عن تجييش جماعة من الغوغاء سلطها على مبنى الكونجرس اصطدموا بالحرس وببعض النواب والشيوخ وبينهم نائب الرئيس باعتباره رئيساً لمجلس الشيوخ في الوقت نفسه.

***

كثيرون بيننا من قيادات العمل السياسي والإعلامي في دول عربية ودول نامية أخرى لم نتمنَ له عودة للعمل السياسي، وبخاصة من كان منا يأمل في دعم أميركي لحقوق الشعب الفلسطيني أو دعم لحقوق الشعوب العربية بشكل عام؛ ولكنه عاد. عاد محمولاً على أكتاف حركة شعبية أميركية يحلم أعضاؤها باستعادة مكانة وقوة أميركا كدولة عظيمة. شهور قليلة في العام الأول لولاية الرئيس ترامب كانت كافية لتهتز الثقة المتبادلة، إن وجدت، في نفوس غالبية المنتمين للحركة ولقطاعات واسعة في الرأي العام الأميركي.

اهتزت الثقة عندما وقع الصدام الأول بين أيديولوجية الحركة الموالية للرئيس وبين واقع تحالفاته السياسية الداخلية وعلاقاته الخارجية. حدث هذا عندما سقط اغتيالاً أحد قادة شباب حركة “ماجا” (MAGA) بينما هو يخطب في جماهيرها منتقداً سياسة الانحياز الأميركي لصالح دولة إسرائيل وتخصيص معونات ضخمة لحكومتها بينما تحرم الطبقة الفقيرة في أميركا من الإنفاق على تلبية احتياجاتها المشروعة. انتشرت بسرعة تسريبات تتهم جهاز المخابرات الإسرائيلي بارتكاب جريمة الاغتيال بينما تولت الحكومة التعتيم على القضية برغم الشعبية الهائلة التي كان يتمتع بها الشاب القتيل ريتشارد كيرك.

لم يكن الاغتيال، على خطورة تداعياته على شعبية الرئيس واستقرار نظامه نهاية أحزان ترامب ومريديه. رصدتُ من جانبي بعض السلبيات التي بدأت تتراكم لتؤثر بدورها في صنع تطورات لم تكن في الخاطر وأهمها ابتكار فكرة تأسيس “مجلس للسلام” في الشرق الأوسط يتحول عشوائياً، أقصد بدون خطة موضوعة سلفاً، إلى جماعة دولية يشرعها مجلس الأمن الدولي بقرار أصدره في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. أتصور، وهو مجرد تصور لم يجد الوقت الكافي ليتحول إلى نتيجة محققة، أنه بدون هذه السلبيات التي أحاطت بنظام وعقل الرئيس ترامب لربما ما ابتكر ولا تجسدت فكرة تأسيس “مجلس السلام”.

***

قبل هذا وذاك “مجلس السلام” الذي يسمح لرئيسه ترامب بشن الحرب على أي دولة واحتلال أراضيها واعتقال رئيسها ومحاكمته، وهو المجلس المرخص له من رئيسه أن يحل محل الأمم المتحدة في كل ما يراه أنه يخدم هدف السلام كما يراه ترامب، أي يصير من مهامه مثلاً تحرير نتنياهو وأعوانه من إدانة محكمة العدل، وإعلان ضم الضفة إلى إسرائيل أسوة بالجولان والقدس، وإعلان تأسيس إمارة كوشنر– ترامب للترفيه والسياحة على أراضي قطاع غزة

أما السلبيات، وأؤكد حسب تصوري، أنها تقف مجتمعة ومتكاملة ومغذية الواحدة منها البقية، القوي منها والأقوى، وصولاً إلى ابتكار عديد الأفكار الصارخة في تناقضها، والمسئولة عن عشرات القرارات والبيانات والتسريبات التي تسببت في صنع مزيج خطير من السياسات الخارجية المغامرة في آثارها وعواقبها.

تأتي في بداية السلبيات ما تسرب إلى عقل الرئيس ترامب والمقربين إليه من قيادات الحزب الجمهوري عن توقعات لا تبشر بالخير عن النتائج المحتملة للانتخابات التكميلية في مجلسي الشيوخ والنواب والمقرر إجراؤها في تشرين الثاني/نوفمبر القادم. يرتبط هذا الشك بالانقسام الذي وقع داخل صفوف حركة “ماجا”، أي الحركة “من أجل استعادة أميركا عظيمة من جديد”، في أعقاب اغتيال الشاب كيرك وإصرار ترامب على مواصلة نهج دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، وفي الوقت نفسه ازداد الضغط الصهيوني والإسرائيلي على حكومة ترامب سعياً وراء تحييد الرأي العام الأميركي إزاء الإدانات الشعبية المتكررة على كافة الأصعدة لاستخدام إسرائيل الإبادة والقمع العنيف لشعب غزة.

من السلبيات أيضاً استمرار تدهور أوضاع الشعب الفلسطيني وعجز ترامب عن وقف أعمال الإبادة أو تحريك عملية السلام بالضغط، وهو ممكن، على إسرائيل، وعلى نتنياهو تحديداً. بمعنى آخر، عجز ترامب عن التحرر من الضغوط الصهيونية التي بلغت حد تهديد الحزب الجمهوري بعدم المشاركة في تمويل مرشحيه إذا لم يلتزموا بالاستمرار في دعم سياسات إسرائيل، الأمر الذي أضاف إلى مخاوف ترامب من احتمال الفشل في تحقيق الأغلبية المطلوبة لحزبه في تشرين الثاني/نوفمبر القادم.

إقرأ على موقع 180  كما لو تمّ إلقائي من النافذة!

تصادف أن الرئيس ترامب كان قد زج بقوات فيدرالية في عمليات مطاردة المهاجرين غير الشرعيين واعتقالهم وطردهم من البلاد. أدى مصرع سيدة برصاص هذه القوات إلى مظاهرات عنيفة وغضب عارم في مدينة مينيابوليس ومدن أخرى عديدة، وهو الغضب الذي أضاف إلى ضعف الثقة في داخل صفوف الحزب الجمهوري والرأي العام.

أضف إلى ما سبق الحالة الذهنية للرئيس ترامب وبخاصة ما تتسبب به أمراض الشيخوخة من آثار مباشرة على علاقة الجماهير بقياداتها السياسية. هنا أظن أن الأزمة التي وقعت مؤخراً داخل مجموعة من شيوخ الحزب الجمهوري تعود في بعض جوانبها لشكوك تتراكم عن صحة ترامب وسلامة القرارات التي يتخذها. في الوقت ذاته، لا يمكن إنكار الأثر على ثقة الشخص نفسه في نفسه وبخاصة أنه متخذ القرارات التي تمس أطماعه وطموحاته المادية والعائلية. هنا لا أستطيع إهمال أو إنكار حقيقة الدور الذي يلعبه السيد جاريد كوشنر زوج إيفانكا ترامب الملقب بين بعض المفاوضين بـ”أمير غزة” تفهماً لحجم أحلامه ومتانة خطته في شأن مستقبل غزة السياحي والترفيهي، ولعلها الخطة الوحيدة المتقنة في مزيج التخبط والجشع الملازم لجماعة المطورين المحيطة بترامب.

***

تلك كانت الخلفية التي ساهمت في تأسيس “مجلس السلام”؛ المجلس المكلف ضمناً بإنقاذ إسرائيل من نفسها، وتمهيد الظروف القانونية والسياسية الضرورية لتولي كوشنر إمارة غزة؛ المجلس الذي يُحيي بكل ثقة وأمانة مكانة “شركة الهند الشرقية”؛ الشركة التي أنجبت وأسّست للاستعمار مقارنة بالمجلس الذي يؤسس صراحة لاستعمار جديد؛ المجلس الذي ابتدع فكرة خصخصة أمن دول الشرق الأوسط وبخاصة أمن الدول المشاركة في عضوية المجلس حين حدّد الرئيس ترامب منفرداً مبلغ ألف بليون دولار مساهمة العضو المشارك، وهو المجلس الذي قرر لنفسه رئيساً بالاسم ولمدى الحياة ولا يخلفه أحد ووضع له مذكرة تعلو بمكانتها فوق جميع الدساتير وفوق ميثاق الأمم المتحدة ومختلف المواثيق السائدة. وهو قبل هذا وذاك “مجلس السلام” الذي يسمح لرئيسه ترامب بشن الحرب على أي دولة واحتلال أراضيها واعتقال رئيسها ومحاكمته، وهو المجلس المرخص له من رئيسه أن يحل محل الأمم المتحدة في كل ما يراه أنه يخدم هدف السلام كما يراه ترامب، أي يصير من مهامه مثلاً تحرير نتنياهو وأعوانه من إدانة محكمة العدل، وإعلان ضم الضفة إلى إسرائيل أسوة بالجولان والقدس، وإعلان تأسيس إمارة كوشنر– ترامب للترفيه والسياحة على أراضي قطاع غزة.

***

“مجلس السلام” تجديدٌ في فقه الدساتير والمؤسسات الأممية وتطويرٌ هامٌ في نظرية العلاقات الدولية القائمة على أولوية مبدأ القوة؛ هو تطوير أيضاً في عمليات صنع السلام. يبقى الفضل في الابتكار والتأسيس والاستمرار معزوًا للرئيس ترامب ولبعض أعوانه ومريديه في دول العالم النامي.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "الإبراهيمية" أو الدين في خدمة المستعمر.. كيف النجاة؟