واشنطن وطهران: تفاوض على حافة الحرب

يصعب توقّع ما قد يؤول إليه مسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية في مسقط. كلّ شيء وارد ومحتمل. هناك تناقض فادح بين ما تطلبه الإدارة الأميركية، تحت الضغط الإسرائيلي، من شروط والتزامات، وبين ما بوسع طهران أن تستجيب له، حتى لا يفقد الحكم شرعية وجوده ودوره الإقليمي معًا.

لم تكن العاصمة العُمانية (مسقط) هي الخيار الأول موضعًا للتفاوض، ولا كان هناك اتفاق بين الطرفين المتفاوضين على جدول الأعمال: هل يقتصر على المشروع النووي، أم يشمل ملفات أخرى حساسة وملغّمة، كالمشروع الصاروخي الباليستي ودعم الجماعات المسلحة التي تناهض إسرائيل، مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين المحتلة، و«حزب الله» في لبنان، و«الحوثيين» في اليمن؟

بدت إسطنبول في البداية موضعًا مقبولًا للتفاوض، نظرًا لما أبدته تركيا من جهود دبلوماسية حثيثة، مع أطراف إقليمية أخرى كمصر وقطر، لترجيح خيار التفاوض بديلًا عن حرب لا يمكن التحكّم في تداعياتها الوخيمة على مستقبل الإقليم، إضافة إلى الصلات الخاصة التي تجمع الرئيسين الأميركي والتركي، غير أن إيران اعترضت عليه بذَرائع غير معلنة، يمكن استنتاجها.

إنها فجوات الثقة الواسعة بين تركيا وإيران، التي تفاقمت إثر سقوط النظام السوري السابق، وملاحقة النفوذ الإيراني بدعم تركي كامل.

لم تُرِد طهران لأي أطراف إقليمية، وخصوصًا اللاعب التركي، أن تستثمر استراتيجيًا في الأزمة لاكتساب مزيد من النفوذ الإقليمي على حسابها، أو سحبًا إضافيًا من رصيدها.

ولا أرادت أن تتحوّل المفاوضات إلى «كرنفال إقليمي» تُطرح فيه كل القضايا والأزمات، بما يربك حساباتها ويضعها في موضع المساءلة لا الدعم.

لجأت إلى عبارات دبلوماسية لتسجيل اعتراضها على موقع التفاوض، لكنها لا تُخفي حقيقة الأوضاع والصراعات في إقليم يوشك أن ينفجر.

فضّلت أن يحدث التفاوض في مسقط، مقرّه السابق قبل حرب الاثني عشر يومًا، التي تشاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة.

كانت تلك رسالة مضمَرة بأن المسار المقترح لوقف الحرب هو نفسه المسار السابق، الذي كان جدول أعماله يقتصر على المشروع النووي ولا شيء آخر.

بدا للحظة أن المفاوضات انهارت قبل أن تبدأ، لكن ذلك لم يحدث.

وكان الاستنتاج ــ هنا ــ أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها بعد، وتحتاج إلى وقت إضافي لاستبيان الحقائق حولها، أو الوصول إلى تصوّر أكثر إحكامًا لأيّة عملية عسكرية قد تقوم بها، وحدودها وما بعدها.

وكذلك مدى استعداد الرأي العام الأميركي لقبول انخراط بلاده في حروب وأزمات دولية واحدة تلو الأخرى، وتأثير ذلك على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل؟

يُمثّل الرهان الرئيسي لإدارة «دونالد ترامب» بإثبات قدرة رئيس الولايات المتحدة على عقد الصفقات بـ«سلام القوة»؛ بالتفاوض أو بالحرب، بما يعنيه ذلك من الخروج بنصر ما يدّعيه أمام جمهوره والعالم. وأمام نظره: النفط الإيراني!

إنه رهان يختلف تمامًا وكليًا عن الرهانات الإقليمية، التي تتملّكها مخاوف من أن تُفضي الحرب إلى عواقب لا يمكن تجنّبها، تضرب أمنها واستقرارها.

وتقف على الجانب الآخر، وبالتناقض شبه المطلق، رهانات إسرائيلية تتبنّى الحرب الواسعة لإطاحة النظام الإيراني خيارًا وحيدًا.

قبل أن يبدأ مسار مسقط، أبدت الحكومة الإسرائيلية نشاطًا زائدًا؛ إذ زار المبعوث الرئاسي الخاص «ستيف ويتكوف» تل أبيب لتبادل الرأي في المفاوضات المزمع عقدها، قبل الاستقرار ــ بقدر ما هو ممكن ــ على رؤية موحّدة، قبل أن يُقرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” تقديم موعد سفره إلى واشنطن من 18 الجاري إلى العاشر منه (غداً)، حيث سيعقد لقاء هو الثامن بينهما منذ بدء ولاية ترامب الثانية في العشرين من كانون الثاني/يناير 2025.

وفي الوقت نفسه، كان رئيس الأركان الإسرائيلي «إيال زمير» في واشنطن، يتباحث مع قادة البنتاغون حول الخطط المقترحة لأيّة ضربة عسكرية، وما هو مطلوب من الجيش الإسرائيلي إذا ما نشبت الحرب في أيّة لحظة.

لم يكن هناك غموض بأي درجة في الرهان الإسرائيلي.

إنها الحرب، ولا شيء آخر غيرها.

الفرصة سانحة للتخلّص من النظام الإيراني «الذي لا يمكن الوثوق فيه»، كما يُلحّ الإسرائيليون على صانع القرار الأميركي.

هذا هو الخط الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل، الذي تتماهى فيه المعارضة مع موقف الحكومة اليمينية المتشددة، حسب تأكيدات «يائير لابيد».

وحسب ما تسرّب إسرائيليًا عن الشروط الصارمة التي وضعها رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو»، فلا بد من ربط أي اتفاق بتخلّي إيران عن اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية، والتوقف عن تخصيبه داخل أراضيها، وإيداع ما لديها من مخزون لدى دولة أخرى، مثل روسيا.

أهمّ الشروط وأخطرها: وقف إنتاج الصواريخ الباليستية.

هذا الشرط ــ بالذات ــ يعني استسلامًا غير مشروط للإرادة الإسرائيلية، ينزع عن إيران أيّة قدرة على الردع أو الرد على أيّة تغوّلات إسرائيلية ضد مصالحها وأمنها.

ليس في طاقة إيران الاستجابة لمثل هذه الشروط.

إنه إلزام مسبق للمفاوض الأميركي بإفشال أي اتفاق محتمل في مسار مسقط.

وتحت أي ظرف أو ضغط، فإن التخلي عن ورقة الصواريخ الاستراتيجية هو هزيمة كاملة من دون إطلاق طلقة رصاص واحدة.

إقرأ على موقع 180  قراءة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية: بين شرعية الثورة وامتحان العقد الاجتماعي

وإذا قطعت صلتها بفصائل المقاومة، فإن ذلك انتحار لمشروعها الإقليمي كله.

الخيارات حرجة، ولكل خيار أثمانه وتكاليفه.

«يجب أن يكون خامنئي قلقًا للغاية».

كانت تلك رسالة أطلقها «ترامب» على حافة الأمل المراوغ في تسوية منصفة وعادلة ــ كما يقول الإيرانيون ــ والحرب المدمّرة في أيّة لحظة ــ كما يضغط الإسرائيليون.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "مباط عال": هكذا يُستقبل شي.. وقبله بايدن في السعودية