وما كان من ميرشايمر ووالت إلا أن بحثا عن جهة أخرى تنشر مقالهما، ولم يكن العثور على بديل بالأمر السهل بسبب خوف الكثير من المجلات المرموقة من تبعات نشره. وفي النهاية وافقت مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» على نشر المقال.
أثار المقال جدلًا شديدًا فور نشره، وهاجم بشدة جماعات ومنظمات وساسة وصحفيين وأكاديميين وأشخاصًا مؤيدين لإسرائيل. واتُّهم كاتبا المقال بالكثير من التهم. وجاء على رأس هذه التهم تبسيط العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وتجاهل الأسباب الاستراتيجية والأخلاقية لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وتكرار أو تمكين الكليشيهات المعادية للسامية.
وعلى النقيض، أشاد بالمقال بعض الأكاديميين والمعلقين، واعتبروا أنه تطرق لموضوع لم يُناقش بشكل كافٍ، وأنه تحدى السرديات التقليدية في مناقشات السياسة الخارجية الأمريكية.
ونشرت صحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«ذا أتلانتيك» تعليقات ومقالات، معظمها نقدية، كما انتشر النقاش عبر الكثير من البرامج الحوارية التلفزيونية. وهكذا أصبح المقال واحدًا من أكثر مقالات السياسة الخارجية نقاشًا في ذلك العقد.
وبعد أقل من عام، نشر البروفسوران كتابًا عن نفس الموضوع بعد تفصيل ما جاء في مقالهما، وجاء الكتاب في 496 صفحة، وقبع الكتاب لأشهر على قائمة أكثر الكتب مبيعًا وقراءة في صحيفة «نيويورك تايمز». وتُرجم الكتاب إلى 24 لغة، وبيعت منه ملايين النسخ داخل الولايات المتحدة وخارجها.
***
عند صدور المقال، كان الدعم الحزبي لإسرائيل في الكونجرس قويًا جدًا، بلا فارق يُذكر بين الحزبين. وعملت AIPAC – آيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، أقوى منظمات اللوبي اليهودي منذ تأسيسها قبل 70 عامًا، على تعزيز العلاقات بين الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية. وخلال تلك العقود السبعة، قامت آيباك بعملها دون مقاومة كبيرة، واتبعت أسلوب الضغط وبناء العلاقات مع المرشحين والسياسيين، ولم تمولهم بطريقة مباشرة.
ومنذ صدور الكتاب، تغيرت بيئة عمل اللوبي اليهودي؛ إذ تأسست منظمة منافسة هي «جي ستريت» عام 2007، وقدمت نفسها على أنها مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسلام، داعية إلى حل الدولتين. في الوقت ذاته، نمت منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل (CUFI)» بسرعة شديدة، وهي أكبر المنظمات الحاشدة للدعم المسيحي الإنجيلي لإسرائيل، وهكذا تمدد اللوبي اليهودي إلى ما هو أبعد من المؤسسات اليهودية الأمريكية.
وشهدت تلك الفترة كذلك نشأة وتمدد حراك النشاط في الحرم الجامعي والنشاط الشعبي، وتأسست حركة سحب الاستثمارات والعقوبات (BDS) بزخم في الجامعات. وهكذا أصبح اللوبي أقل توحدًا وأكثر تنوعًا أيديولوجيًا، بينما واجه أيضًا معارضة أكثر تنظيمًا.
وبين عامي 2006 و2026، تطور اللوبي الإسرائيلي من شبكة نفوذ موحدة نسبيًا مدفوعة بالنخبة إلى منظومة أكثر تعقيدًا وتنوعًا، حيث تعمل هذه الشبكة عبر الضغط السياسي، والتمويل المباشر، والانتخابات، والإعلام التقليدي، ووسائط التواصل الاجتماعي الحديثة.
***
لدى آيباك أعضاء في كل دائرة انتخابية في جميع الولايات الخمسين، وتنفق بسخاء وبشكل كبير لدعم السياسيين المتعاطفين مع إسرائيل، سواء على المستوى القومي في واشنطن أو على مستوى الولايات.
ومنذ «طوفان الأقصى»، تتغير ببطء علاقة إسرائيل بالحزبين الأمريكيين في اتجاه سلبي. ديمقراطيًا، وبدءًا من سنوات الرئيس السابق جو بايدن، الذي كان مؤيدًا بشدة لإسرائيل، عرف الحزب الديمقراطي شرخًا بسيطًا في درجة دعمه لإسرائيل، خاصة بعد اقترافها مختلف أنواع الجرائم في قطاع غزة. وأصبح شباب الحزب الديمقراطي أكثر ميلًا لنصرة الحقوق الفلسطينية بدلًا من التعاطف مع كل ما تقوم به إسرائيل، وأصبح الديمقراطيون بصفة عامة أقل دعمًا لإسرائيل.
جمهوريًا، ورغم الدعم الواسع لإسرائيل حتى الآن، أصبح الحزب، بتياراته المختلفة، أكثر انقسامًا بشأن إسرائيل أيضًا. ومع تبوؤ تيار «أمريكا أولًا» مركزًا متقدمًا في أجندة وسياسة الحزب، برز صوت انعزالي داخل الحزب لا يرغب في أن تشارك أمريكا في حروب خارجية أو تدعم دولًا أجنبية تشارك في حروب ليست بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة.
ووقف اللوبي اليهودي عاجزًا أمام مشاهدة ملايين الأمريكيين، وبخاصة الشباب منهم، صورًا لأطفال غزة القتلى أو الجائعين، وبدأ الكثيرون يتساءلون: لماذا نرسل هذا النوع من المال إلى الخارج لدعم حكومة نعتقد أنها تفعل شيئًا غير أخلاقي؟
***
وخلال السنوات الماضية، اضطرت آيباك فعليًا إلى تغيير تكتيكاتها. فعندما تم انتخاب عدد من الأعضاء الديموقراطيين التقدميين لمجلس النواب عام 2018، ممن يؤيدون بشدة الحقوق الفلسطينية ويرفضون تقديم مساعدات لإسرائيل، أصيبت شبكة اللوبي اليهودي بالذعر، وأدركت أنه لم يعد كافيًا فقط محاولة إقناع صانعي السياسات بالتصويت لصالحها.
وشكلت آيباك مشروع «الديموقراطية المتحدة» لتقديم تمويل مباشر لساسة أمريكيين مؤيدين لإسرائيل، وهو ما لم تقم به على مدار تاريخها، اكتفاءً بجهود اللوبي التقليدية. وهكذا انخرطت آيباك في معارك مباشرة؛ فبدلًا من مجرد إنفاق المال للضغط على السياسيين في واشنطن، قررت فعليًا أن تبدأ في الإنفاق على الحملات الانتخابية لضمان انتخاب الأشخاص المناسبين من الأساس. ووصل حجم إنفاق آيباك المباشر لدعم مرشحين في الكونجرس إلى ما يقرب من 200 مليون دولار العام الماضي فقط.
وبسبب عبء الدفاع عن إسرائيل، والرفض الشعبي المتزايد للعلاقات الخاصة بينها وبين الولايات المتحدة، لجأت آيباك في كثير من الحالات إلى الترويج لمرشح معين دون إبراز علاقاته بإسرائيل، وركزت بدلًا من ذلك على القضايا التي تثير اهتمام القاعدة الانتخابية في كل دائرة، مثل ارتفاع أسعار المساكن، والرعاية الصحية، والوقود، أو قضايا الإجهاض.
وبعدما كان دعم إسرائيل أحد القضايا التي يجمع عليها الجمهوريون والديموقراطيون، تمر علاقة الدولتين بمرحلة صعبة، يُستبعد معها نجاح أي مرشح رئاسي ديموقراطي داعم بقوة لإسرائيل في الفوز ببطاقة الحزب الانتخابية. وقد يختلف الأمر قليلًا لدى الجمهوريين، إلا أنه قد يتجه إلى المسار نفسه خلال أقل من عشرين عامًا.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
