هُرمز ورقة التسوية.. أم شرارة الانفجار الكبير؟

يُصوّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحصار البحري للموانىء الإيرانية الذي بدأ في 13 نيسان/أبريل، قد منحه أفضلية في النزاع مع إيران، أكثر بكثير مما منحته إياه 40 يوماً من الحرب. ومقياسه في ذلك، هو التقدم الذي يزعمه نحو إبرام اتفاق وشيك مع طهران، يُلبي تقريباً معظم المطالب الأميركي، غير أن هذا الحصار جعل طهران تلجأ مجدداً إلى ورقة إغلاق المضيق جزئياً.

يرى دونالد ترامب أن الحصار البحري، نزع ورقة مضيق هرمز من إيران، بعدما كانت السلاح الأمضى الذي ضغطت به على أميركا لوقف النار، ولو مؤقتاً، بفعل تأذي الأسواق العالمية من إغلاق الممر الذي تبحر عبره 20 في المئة من وارادات العالم من النفط و25 في المئة من الغاز المسال، عدا شحنات الهيليوم التي تحتاجها أسواق التكنولوجيا بشدة، ناهيك عن سلع أخرى. وبعد أقل من 20 ساعة على الإعلان عن فتح المضيق بعد الاستجابة لمطلبها بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، عادوت إيران إغلاقه، لأن أميركا لم ترفع الحصار البحري.

في الوقت الذي من غير المعروف فعلاً أين وصلت المفاوضات مع إيران عقب زيارة قائد الجيش الباكستاني المارشال عاصم منير لطهران في وقت سابق من الأسبوع، يمكن تلمس بعض النتائج الفعلية على الأرض. إسرائيل، توافق على هدنة من عشرة أيام في لبنان، وإيران بعد 24 ساعة من ذلك، تعلن عن فتح مشروط لمضيق هرمز أمام الناقلات التجارية خلال ما تبقى من أيام الهدنة بين أميركا وإيران التي تنتهي بعد غدٍ الثلاثاء. وبعدها سرت أنباء عن لقاء الإثنين في إسلام آباد بين مفاوضين أميركيين وإيرانيين، لوضع اللمسات الأخيرة، على اتفاق-إطار بين واشنطن وطهران، على أن يعقب ذلك مفاوضات بين الجانبين للتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون 60 يوما، يُصار خلالها إلى إعادة تمديد الهدنة.

بنى ترامب على هذه التطورات الإيجابية، إلى حد المبالغة، والقول إن إيران وافقت على نقل كمية اليورانيوم المخصبة بنسبة 60 في المئة (ما بين 450 و460 كيلوغراماً دُفِنَ معظمها تحت أنقاض منشأة أصفهان) إلى الولايات المتحدة، ووافقت أيضاً على تجميد تخصيب اليورانيوم وتعمل بالتعاون مع أميركا على نزع الألغام من مضيق هرمز، كما أنها وافقت على وقف الدعم لحلفائها في المنطقة، وأكد مجدداً أن هدنة لبنان لا علاقة لها بالاتفاق مع إيران، ونفى أن تكون واشنطن ستفرج عن أية أموال إيرانية مجمدة.

قبل أن ينفي كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف ما أعلنه ترامب، ويربط فتح المضيق بوقف النار المؤقت في لبنان، تركت تغريدات الرئيس الأميركي تأثيرها على أسعار النفط التي انخفضت إلى ما دون الـ90 دولاراً، بينما انتعشت أسهم السندات في البورصات العالمية قبل أن تقفل أبوابها في عطلة نهاية الأسبوع، ولتثار معها التساؤلات عما إذا كان النزاع مع إيران في طريقه إلى الانتهاء قريباً.

ورقة النفط الغالية

لا شك في أن الحصار البحري، يلحق ضرراً بإيران، ويجعلها تفقد بعض عناصر القوة التفاوضية التي تأتت لها عبر إغلاقها مضيق هرمز. الضغط الذي مارسته إيران على الأسواق العالمية وبينها السوق الأميركية، يرتد بنسبة معينة على الداخل الإيراني الآن، مع توقف صادرات النفط (80 منها إلى الصين). وعلى رغم أن إيران معتادة على التأقلم والتكيف مع العقوبات المفروضة عليها منذ عقود وقد تمكنت من إيجاد بدائل للالتفاف عليها، فإن ما يجب التوقف عنده، هو أن الاقتصاد الإيراني قبل الحرب كان يمر في أزمة غير مسبوقة، حملت الناس على النزول إلى الشوارع في أوسع احتجاجات من نوعها ضد النظام.

هل يعني هذا، أن ورقة هرمز قد استنفدت؟ لا يمكن الحسم بالأمر، إذ أن إيران لا تزال تتمسك بمطلب استيفاء الرسوم من الناقلات العابرة، وتسعى إلى جعل هذا الترتيب بمثابة إجراء دائم وكجزء من الاتفاق النهائي مع الولايات المتحدة. ما تنازلت عنه إيران، هو الإقفال الدائم للمضيق الذي استجر الحصار البحري الأميركي، بينما كانت عشرات الدول تبحث في مؤتمر افتراضي ترأسته فرنسا وبريطانيا، في تشكيل تحالف بحري لتأمين حرية الملاحة في المضيق. المفارقة، أن إيران ترفض هذه الخطوة، بينما يقول ترامب أن لا حاجة إليها نظراً إلى الموقف السلبي الذي يتخذه من الحلفاء، الذين رفضوا طلبه المشاركة في الحرب.

وإيران، التي نبّهتها الحرب إلى أهمية الجغرافيا، تحاول تفادي تجربة البرتغال التي أمسكت في القرن الـ16 بالمضيق وفرضت رسوماً على السفن المارة بين أوروبا والهند، إلى درجة استفزت بقية الدول التي ردت بتحالف عسكري انتزع المضيق من البرتغاليين.

وإذا كانت إيران قد استثنت الناقلات المتوجهة إلى الصين وبعض الدول من الإغلاق، فإن الحصار البحري الأميركي، يترك تأثيراته على بكين، التي بدأت البحث عن بدائل للنفط الإيراني، سواء بزيادة الاعتماد على الفحم في توليد الطاقة أو بالتوجه نحو روسيا. كما أن التقديرات تشير إلى أن دول الخليج العربية، هي الأخرى بدأت تبحث عن بدائل لهرمز. ومثلاً، تمكنت السعودية والإمارات من الاستمرار في تصدير ثلثي كميات النفط التي تُصدّرانها في العادة، عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر وعبر ميناء الفجيرة المطل على بحر عُمان. ومع الزيادة التي طرأت على الأسعار بعد الحرب، تمكنت الدولتان من تعويض الخسائر الناجمة عن النقص في الصادرات. وتستطيع الكويت وقطر والبحرين، التي لا منافذ لها إلا عبر هرمز، اللجوء إلى صناديق الثروة السيادية لديها والاستدانة لتأمين المداخيل.

إقرأ على موقع 180  ورقة لبنان إلى مؤتمر بروكسل للنازحين.. كفى!

وهذا يعني أن دول الخليج يمكنها تحمل إغلاق هرمز على المدى القريب، إذا لم تستأنف الحرب أو توعز إيران إلى الحوثيين بإغلاق باب المندب، لتفعيل الضغط الاقتصادي.

عصا الماريشالية الباكستانية

ثمة معادلة دقيقة بين تأثيرات الحصار البحري وإغلاق هرمز، ويُصبح السؤال من هو الطرف الذي سيرمش أولاً؟ هُنا يأتي دور المفاوضات الجارية وما يطرح فيها من مساومات ومقايضات وتنازلات متبادلة. ويرى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشورى الإيراني بين عامي 1997 و2005 سيد حسين موسويان في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، إن على كل من أميركا وإيران “أن تتقبل أن الآخر، أقوى من أن يهزم. إن الاستمرار في التظاهر بخلاف ذلك، لن يؤدي إلا إلى المزيد من الأزمات والصراعات، الآن، وفي المستقبل”.

والملاحظ أن ترامب يستخدم تغريداته للإيحاء بأن سياسته نجحت في تغيير النظام في إيران (لكن في أي اتجاه حصل التغيير؟)، وبأن ما أقدم عليه لم يستطع أي رئيس أميركي أن يفعله منذ 1979، وبأن الاتفاق المزمع مع إيران يختلف اختلافاً جوهرياً عن ذاك الذي أبرمه سلفه باراك أوباما في 2015.

بينما يفيد الواقع بأن أي اتفاق نووي جديد سيكون نسخة معدلة لاتفاق أوباما، مع فارق موافقة إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة معينة، وهو متوقف أصلاً بحكم تدمير أجهزة الطرد المركزي في فوردو وأصفهان ونطنز في الغارات الأميركية في حزيران/يونيو 2025، لكن كمية اليورانيوم الضائعة ما تزال محل تفاوض من دون أن تحسم وجهتها حتى الآن، كما أن إيران تطالب بالإفراج عن 20 مليار دولار من ودائعها المجمدة في قطر والعراق، كإجراء لبناء الثقة. وزيادة على ذلك، تطمح إيران إلى تثبيت حقها في استيفاء الرسوم عن الملاحة في مضيق هرمز، وتتمسك طهران بعلاقاتها مع حلفائها في المنطقة وترفض إدراج هذه العلاقات على طاولة التفاوض.

وحسب البيان الصادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أمس (السبت)، فإن أبواب التفاوض ما زالت مفتوحة، ولا سيما في ضوء المقترحات الأميركية الجديدة التي سلّمها قائد الجيش الباكستاني إلى المسؤولين الإيرانيين، لكن البيان اشار بشكل واضح إلى أنه من “بين الشروط الأساسية” لقبول إيران بوقف إطلاق نار مؤقت، “هو وقف إطلاق النار في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”.

وبين تغريدات ترامب المتأرجحة وبيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ومجريات المفاوضات ومضيق هرمز وجنوب لبنان، ما تزال الفجوة واسعة بين أميركا وطهران. وهذا ما يُصعّب على عاصم منير أن يشق بعصا الماريشالية التي يتأبطها الحصار البحري الأميركي وأن يفتح مضيق هرمز، ليبعد المنطقة عن جحيم آخر.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الترسيم البحري.. أخطاء لبنان طوال 15 عاماً