“إمبريماتورا” الشرق الأوسط: الحرب بوصفها مادة تأسيسية

ثمة لحظات في تاريخ المناطق تتجاوز وظيفة الحدث، وتتحول إلى مادة تأسيسية لزمن جديد. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب من هذا المعنى. حرب تمتد منذ أشهر، يتداخل فيها مضيق هرمز مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، وأمن الخليج مع أسواق الطاقة، ولبنان مع خرائط النفوذ، والممرات البحرية مع مفهوم القوة نفسه. كل ساحة تبدو متصلة بالأخرى، وكل حركة في مكان تنتج أثرًا يتردد في أمكنة أبعد، حتى بات الإقليم كله يتحرك داخل زمن استراتيجي واحد.

لهذا تبدو قراءة الحرب باعتبارها امتدادًا لما سبق أقل قدرة على التقاط التحول الجاري. الحروب السابقة راكمت الوقائع؛ هذه الحرب تبدو كأنها تغيّر الأرضية التي ستُقرأ فوقها الوقائع المقبلة. العلاقات بين واشنطن وطهران، تصورات دول الخليج لأمنها، معنى المظلة الأميركية، موقع إسرائيل، وظيفة الممرات البحرية، التحالفات، وحدود القوى الإقليمية؛ جميعها تدخل مختبر إعادة تعريف.

والفارق بين التراكم والتأسيس جوهري هنا. التراكم يضيف واقعة إلى واقع قائم، فيما يعيد التأسيس تحديد نقطة البداية ذاتها. في لحظة التراكم تبقى القواعد الكبرى حاضرة، وتتحرك القوى داخلها؛ أما اللحظة التأسيسية فتطال القواعد، المواقع، الوظائف، مفهوم القوة، وحدود الممكن. وهذا تحديدًا ما يمنح الحرب الراهنة معناها الأعمق: إنها تدفع اللاعبين إلى إعادة تعريف أنفسهم بقدر ما تدفعهم إلى إعادة تعريف خصومهم وحلفائهم.

لقد دخلت المنطقة هذه الحرب وهي تحمل إرث عقود من المعادلات: أمن الخليج، الردع الإيراني، الحضور الأميركي، القوة الإسرائيلية، أدوار القوى الوسيطة، شبكات الحلفاء، الاقتصاد النفطي، وحدود الدولة أمام الجغرافيا السياسية. غير أن الحرب أخذت هذه العناصر جميعًا ووضعتها في اختبار واحد. ومن داخل هذا الاختبار يجري فرز ما يصلح للاستمرار، وما يحتاج إلى إعادة صياغة، وما سيتحول إلى مادة خام لنظام إقليمي مختلف.

هنا يصبح الزمن نفسه عنصرًا استراتيجيًا. فالحرب التي تؤسس تحتاج إلى زمن كي تستهلك المعادلات القديمة، وتكشف حدود القوى، وتتيح لكل طرف أن يختبر مقدار ما يستطيع تحمله ومقدار ما يستطيع فرضه. ولهذا قد تأتي التسوية، في لحظة ما، بوصفها تتويجًا لما أنتجته الحرب من حقائق جديدة. فالتفاوض في مثل هذه اللحظات يصبح عملية تثبيت لنسب القوة التي صنعتها عناصر الميدان والسياسة والاقتصاد والجغرافيا معًا.

ولفهم طبيعة هذه اللحظة، ربما نحتاج إلى استعارة تأتي من خارج القاموس السياسي التقليدي.

في الرسم هناك مفهوم شديد الدقة اسمه “الإمبريماتورا” (Imprimatura). قبل أن تبدأ اللوحة في إظهار عالمها، يضع الرسام على أرضيتها طبقة لونية أولى، رقيقة وممتدة، تمنح السطح نبرته الأساسية. ستأتي فوقها ألوان كثيرة، وخطوط، وأجساد، وضوء وظلال؛ فيما تبقى تلك الطبقة الأولى حاضرة في العمق، تتسلل إلى العلاقات بين الألوان وتمنح العمل مزاجه البصري العام. إنها تهيئة للسطح، وفي الوقت نفسه اختيار مبكر للطبيعة التي ستنمو فوقه.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى الحرب الحالية على إيران باعتبارها “إمبريماتورا” الشرق الأوسط الجديد.

فالذي يجري أمامنا يتجاوز رسم التفاصيل. نحن أمام إعداد للأرضية التي ستُرسم فوقها التفاصيل لاحقًا. ولذلك يبدو أحيانًا أن كثيرًا مما سبق هذه اللحظة يتراجع إلى الخلف: تفاهمات فقدت وزنها، خطوط ردع تغيّرت، وظائف سياسية وأمنية يُعاد تعريفها، ومراكز قوة تبحث عن مواقعها المقبلة. عملية المحو هنا جزء من التأسيس؛ فالأرضية الجديدة تحتاج إلى مساحة تستطيع فوقها القوى أن تعيد توزيع اللون والكتلة والفراغ.

وهذا ما يجعل السؤال الاستراتيجي الحقيقي أوسع من سؤال المنتصر والمهزوم. السؤال هو: أي أرضية ستتركها الحرب للجميع؟ ما طبيعة إيران التي ستخرج منها؟ ما صورة الحضور الأميركي؟ أي مفهوم للأمن ستتبناه دول الخليج؟ ما موقع إسرائيل داخل النظام الذي يتشكل؟ أين يقع لبنان في شبكة التوازنات الجديدة؟ وأي قيمة ستكتسب الممرات البحرية والطاقة والاقتصاد أمام القوة العسكرية؟

قيمتها الاستراتيجية، وفق هذه القراءة، تكمن في قدرتها على تأسيس الأرضية التي ستُبنى فوقها المرحلة التالية. كثير من المسلّمات التي حكمت العقود الماضية تدخل طور إعادة الصياغة: الردع، التحالف، السيادة، أمن الطاقة، حدود النفوذ، والعلاقة بين القوة العسكرية والاقتصاد والممرات الجغرافية. وحتى المفاوضات المقبلة، حين تنضج، ستنطلق من الوقائع التي صنعتها هذه الأشهر، ومن موازين القوة التي أظهرتها، ومن نقاط القوة والهشاشة التي كشفتها.

ومن هنا يصبح طول هذه الحرب مفهومًا بصورة مختلفة. فالزمن فيها جزء من الفعل التأسيسي نفسه. كل أسبوع إضافي يختبر قدرة دولة، ويعيد حسابات أخرى، ويدفع عاصمة إلى تعديل مفهومها للأمن والمصلحة. وكل تحول ميداني يترك أثرًا أعمق من حدوده الجغرافية، لأنه يدخل في تكوين الأرضية التي سيقوم عليها التوازن المقبل.

ولهذا يحتاج الحكم على هذه الحرب إلى شيء من الزمن أيضًا. نحن قريبون جدًا من الطبقة الأولى، فيما التفاصيل الكبرى ما زالت تتكون فوقها. وحين تبدأ التسويات، والتحالفات الجديدة، وترتيبات الأمن والطاقة والممرات، ستظهر تدريجيًا وظيفة هذه الأشهر في التاريخ الإقليمي.

عندها ربما نفهم أن الحرب كانت أكبر من مجموع معاركها، وأن أهم ما أنتجته كان الأرضية التي تركتها خلفها.

“الإمبريماتورا” تسبق اكتمال اللوحة، وما يجري اليوم قد يكون “إمبريماتورا” النظام الإقليمي المقبل.

إقرأ على موقع 180  إنقاذ "المريض اللبناني".. بعملية جراحية لا بالمسكنات!

 

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الإمام الصدر "غُيِّبَ" على طريق مار شربل!