من أين أبدأ النهاية؟ في أي عصر نحن؟ لماذا اكتب؟ كي يقرأني العميان؟ أم تعلقاً بأمل مضاءٍ بالدم؟
من أين أبدأ النهاية؟ في أي عصر نحن؟ لماذا اكتب؟ كي يقرأني العميان؟ أم تعلقاً بأمل مضاءٍ بالدم؟
منذ صدمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، صارت الولايات المتحدة أكثر تدخلاً في السياسة الإسرائيلية، سياسياً وعسكرياً، وصولاً إلى البحث في تفاصيل اليوم الذي سيلي توقف الحرب في غزة.
منذ حوالي الشهر، يقف العالم بمعظمه مذهولاً أمام وحشية وإجرام جيش الاحتلال الإسرائيلي بحقّ الفلسطينيين في غزّة. إجرامٌ لا يُوفر طفلاً أو امرأة أو عجوزاً أو صحافياً أو مسعفاً أو طبيباً أو مستشفى أو مدرسة أو مجمعاً سكنيّاً. ضحايا بالآلاف يسقطون كلّ يوم شهداء وجرحى، في الوقت الذي تستمرّ فيه السلطات الرسميّة والإعلامية في الغرب بالانحياز الكامل للنظام الصهيوني الذي يبقى بالنسبة للغرب فوق المواثيق الدولية والقانون الدولي وفوق القيم الإنسانية وفوق الجميع.
موضة هذه الأيّام أن تنشر كلّ جامعة في أمريكا على صفحتها على الإنترنت تصريحاً تعترف فيه بأن الأرض التي هي عليها كانت موطناً لبعض قبائل أمريكا الأصلية، على أن يُقرأ هذا التصريح علناً عند افتتاح مناسبات رسمية ومؤتمرات علميّة في هذه الجامعات.
أيُّ معنى للخصوصيّة الجيوسياسيّة لقطاع غزّة وهو أشبه بمعسكر كبير للاجئين الفلسطينيين القادمين من مدنٍ وبلدات وقرى الجوار القريب تحت وطأة "النكبة"؟
من المرجَّح أن يستفزَّ بعضُ الخطاب السّياسي والدّبلوماسي الإيراني أغلبَ الأفراد المتابِعين من ذوي العقول الغربيّة التّكوين تحديداً (أي، ومع التّبسيط: "العقلانيّة" على الطّريقة الدّيكارتيّة كما فصّلنا في السّابق من المقالات)، وكذلك الحال بالنّسبة إلى ذوي العقول العربيّة التّكوين والتّنشئة (أي، ومع التّبسيط أيضاً: القريبة جدّاً من النّزعة الأوروبيّة السّالفة الذّكر).
إضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى تأكيد وحدة السلطة في حرب إسرائيل ضد غزة. فظهر، بعد اجتماع وزارة الحرب، مع زميليه المهرجين الآخرين لعقد مؤتمر صحفي، وكل منهم يرتدي كنزة سوداء لا خضراء ذات كم قصير كما يفعل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي (وهو أيضاً يهودي كما يُقال). لا بد أن في اختلاف الزي إشارة الى أن زيلينسكي يخوض حرباً وهؤلاء يخوضون محرقة تعلموا أصولها من النازية، وإن اختلف الأداء.
إذا تأملنا مسار العالم العربيّ خلال السنوات الأخيرة نجده هادئاً ومستقراً في بعض جهاته ومجتمعاته وبلدانه، ومضطرباً وعاصفاً في أخرى؛ باعثاً على القوّة والأمل، وخاصَّة مع بداية التحولات العربيّة في تونس ومصر؛ أو على الخوف والإحباط، مع تحول الأوضاع إياها إلى أزمات ممتدّة كما في الجزائر والسودان والعراق وتونس؛ وحروب مركبة، كما في ليبيا واليمن وسوريا.
لم تعد الكلمات تجد مطرحاً لها في مواجهة الدم الذي يفوق كل خيال متصور. هي مذبحة وأكثر. هي حرب إبادة وأكثر، وبرغم ذلك يقف العالم متفرجاً، لا بل تعطي الولايات المتحدة من خلال رفضها وقف النار الفوري رخصة بالقتل المفتوح. قطاع غزة يُشعرنا في كل دقيقة وساعة أننا أسرى هذا الصمت العربي المتمادي.. ماذا بعد؟
لم نصل بعد إلى النهاية. لدينا الكثير من البكاء. الدموع صامتة. الأحزان مؤجلة أو مكتومة. نحتفظ بالبكاء ونشهر غضباً ملجوماً. أرواحنا المثخنة بجراح الأطفال والنساء وكل الشهداء مرابطة في الذاكرة. ممنوع النسيان. مجرمٌ من يتناسى. فلسطين، جديرة بشهدائها وحريصة على أوجاعها. الجمرة بين ضلوعها: أمهات، أطفال، رجال، مقاتلون، ورجال.. ثم رجال، بعضهم يمضي وبعضهم يرفع دمه راية.