يقف لبنان على تقاطع وتعارض مصالح إقليمية تُعقّد المسارات التي يريد أن يسلكها في إطار تشكل الشرق الأوسط الجديد، في ضوء الفراغ الذي تركه انكفاء النفوذ الإيراني في المنطقة.
يقف لبنان على تقاطع وتعارض مصالح إقليمية تُعقّد المسارات التي يريد أن يسلكها في إطار تشكل الشرق الأوسط الجديد، في ضوء الفراغ الذي تركه انكفاء النفوذ الإيراني في المنطقة.
لا تُقاس الصراعات الكبرى دائمًا بميزان القوة العسكرية أو باتساع رقعة الاشتباك أو بعدد الضحايا وحجم الدمار، بل بطبيعة العلاقة التي تربط أطرافها قبل لحظة الانفجار. فغالبًا ما تكون النزاعات الأخطر تلك التي تنشب بين أبناء المسار الواحد. عندها، لا يعود الصراع مواجهةً بين مشروعين متعارضين، بل يتحوّل إلى نزاع على تعريف الأصل ذاته، وعلى من يمتلك حق تمثيله واحتكاره.
لطالما فرضت الأحداث في الشرق الأوسط، تعديلاً في أولويات السياسة الخارجية للإدارات الأميركية ومن بينها إدارة الرئيس دونالد ترامب. المثال الأسطع على ذلك، الهجوم الذي نسب إلى تنظيم "داعش" في تدمر بالبادية السورية في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وما تلاه من ضربات "انتقامية" واسعة ضد معاقل للتنظيم في عدد من المحافظات السورية.
بعيدًا عن عنوان احتفالية السنة الأولى: "عام على التحرير"، فإنّ الأهم هو محاولة استشراف المستقبل السوري، من خلال قراءة أداء رئيس المرحلة الانتقالية على مدى السنة المنقضية. فقد بدا أنّ لسوريا اليوم رئيسًا يُخاطب الخارج اسمه أحمد الشرع، ورئيسًا للداخل اسمه "أبو محمد الجولاني"، والفارق بينهما أنّ الأول يلبس بدلة رسمية وربطة عنق، ويتوسّل الاعتراف الدولي والإقليمي به، فيما الثاني ما يزال يرتدي البذّة العسكرية ويعتمدها لغة لتعامله مع مكوّنات المجتمع السوري.
يُمثّل الشّمال الشّرقي السّوري، الممتدّ من ريف حلب الشّرقي مروراً بالرّقة ودير الزّور وصولاً إلى الحسكة، واحدةً من أكثر المناطق تعقيداً في المشهد السّوري. يتقاطع في هذه الجغرافيا حضورٌ كرديٌّ بارز ٌمع ثقلٍ عشائريٍّ عربيّ، إلى جانب مكوّناتٍ أخرى سريانيّةٍ وآشوريّةٍ وغيرهم، ضمن مساحةٍ غنيّةٍ بالموارد النّفطيّة والزّراعيّة. ومع بروز دولةٍ سوريّةٍ جديدةٍ بمؤسّساتّ انتقاليّةٍ في دمشق، تتشكّل علاقةٌ إشكاليّةٌ بين هذه المنطقة والسّلطة المركزيّة، تتداخل فيها الأبعاد السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
يقف المشهد السّوريّ في نهاية العام 2025 عند تقاطع تحوّلاتٍ إقليميّةٍ ودوليّة عميقة، بعد سقوط النّظام السّابق وبروز حكومةٍ انتقاليّةٍ برئاسة أحمد الشّرع. هذا التّحوّل لم يؤدِّ إلى استعادةٍ تلقائيّةٍ لسيادةٍ مركزيّةٍ مكتملة، بل فتح الباب أمام مرحلةً جديدةً تُعَادُ فيها صياغة موقع سوريا ضمن شبكةٍ واسعةٍ من التّوازنات المحيطة بها، مع حضورٍ مباشرٍ وغير مباشرٍ لقوًى إقليميّةٍ ودوليّةٍ متعدّدة.
يشهد المشرق، اليوم، انهياراً في البنية التاريخية التي كانت تنظّم عيشه المشترك أكثر مما تنظّم عباداته. فالمشكلة لم تعد في اختلاف المذاهب بحدّ ذاته، بل في غياب «سعة التصوّر» التي شكّلت عبر القرون الإطار السياسي والفلسفي لإدارة هذا الاختلاف. ومع تراجع دمشق عن دورها كمركز لهذا الأفق الواسع، تتقدّم في المنطقة خطاباتٌ متشدّدة ومتقابلة لتجعل الدين أداة صراع على السلطة والهوية.
مع اقتراب مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، لا يزال السؤال الكبير: هل سوريا في طريقها إلى التعافي واستعادة الدور، أم أنها ستبقى على المدى المنظور ساحة محكومة بالإضطرابات الداخلية، وأطماع الخارج، القريب والبعيد؟
أشرنا في ما سبق إلى أنّ وعيَ كثيرٍ من المسلمين في منطقتنا وحول العالم أجمع- بل لا-وعيهم بالأخصّ- لم يزل يبحث في مواضع كثيرة عن "الخليفة" الموعود (أو "العائد")، لا سيّما بعد سقوط السّلطنة العثمانيّة مطلع القرن الماضي. الوقائع المتراكمة، قد تدفع نحو طرح السّؤال الآتي: هل نجح الاستعمار الأنغلو-ساكسونيّ في بلادنا- أي، البريطانيّ-الأميركيّ تحديداً- في استغلال وضع "عقلنا العربيّ-الاسلاميّ" المُزري واقعاً، إلى حدِّ تمكُّنِه من تبؤ موقع "الخلافة الفعليّة" للمُسلمين حول العالم إلى يومنا هذا؟
يأتي اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، الثلاثاء المقبل، في لحظة تنخرط فيها أميركا بقوة في إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بعد عامين من الحروب الإسرائيلية، وما أسفرت عنه من اختلال كبير في موازين القوى بالمنطقة.