تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.
تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.
في 13 نيسان/أبريل 2026، تمرّ واحد وخمسون سنة على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حدثٌ لم يُطوَ بعد من الذاكرة الجماعية، ولم تتحوّل دروسه إلى ضمانة لعدم تكراره. فالحرب، وإن توقفت عسكرياً، ما زالت حاضرة في خطاب الكراهية؛ في لغة الغاء الآخر؛ في الانقسامات التي تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؛ لكأن التاريخ لا يُعلمنا، بل نصرُّ على إعادة كتابة الصفحات المؤلمة نفسها.
في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.
لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟
يأتي كتاب زهير هوّاري «أحكي وفي فمي تراب الكلام.. سيرة حياة وسط الحروب» الصّادر عن دار الفارابيّ (2025) بوصفه نصّاً يكتب ذاته من داخل الجرح، لا من خارجه. ليس مجرّد مذكّرات صحافيٍّ لبنانيٍّ عاش الحرب، بل محاولةً لترميم معنى الحياة حين يكون زمن المرء هو زمن المدافع، وحين تصبح السّيرة الشّخصّية، شاء صاحبها أم أبى، متشابكةً مع خرائط الجبهات والتّحالفات والانهيارات.
تُمثّل رواية "الحرب بيننا يا حياة" لعبّاس جعفر الحسينيّ، وثيقةً سرديّةً تتجاوز حدود الحكي الفنّيّ لتتحوّل إلى أرشيفٍ حيٍّ للذّاكرة الجماعيّة اللّبنانيّة. لا تُقْرَأُ الرّواية بوصفها نصّاً أدبيّاً فحسب، بل بوصفها نصّاً ينصت إلى المجتمع وهو يتكلّم عبر شخوصه، أزمنته، وأمكنته؛ شهادةً على ضياع جيلٍ، وتسجيلاً لتحوّلاتٍ بنيويّةٍ عميقةٍ أصابت النّسيج الاجتماعيّ عبر حقبتين متداخلتين: بدايات الحرب الأهليّة اللّبنانيّة حتى اجتياح العام 1982، وحصار العراق عام 2000.
في حزيران/يونيو ١٩٨٢، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان في إطار عملية أطلق عليها تسمية "سلامة الجليل" بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية واضعاف الحركة الوطنية اللبنانية واخراج الجيش السوري من بيروت. خلال أيام قليلة بلغت الدبابات الإسرائيلية مشارف العاصمة بيروت وحاصرتها. تدخّل الوسيط الأميركي فيليب حبيب (مبعوث الرئيس رونالد ريغان في حينه)، وتوصّل إلى اتفاق يضمن انسحاب القوات الفلسطينية من العاصمة عبر مرفأ بيروت إلى دول عربية، والقوات السورية برًا إلى البقاع اعتباراً من الأول من أيلول/سبتمبر ١٩٨٢. بعدها، انتشرت قوة متعددة الجنسيات معظم جنودها من قوات البحرية الأميركية (المارينز).
يُنْظَرُ إلى الدّولة في الفكر السياسيّ الحديث باعتبارها الإطار الجامع الذي ينظّم العلاقات داخل المجتمع، ويمنحها طابع الشّرعيّة والاستقرار.
بعد أن تناولنا في القسم الأول مسار الصراع والتعايش بين الجماعات السُنّية والدرزية في الإطار الإقليميّ، منذ نشأة الطائفة الدرزية في ظل الدولة الفاطمية وحتى التحولات الكبرى في العصر العثماني وما تلاه، نعرض في الجزء الثاني والأخير لآليات تكيّف الجماعات المحلية مع السلطة المركزية، وتحليل أنماط الاستقرار والصراع ضمن بيئة تتسم بعدم الاستقرار. وانطلاقًا من هذا السياق، يستعرض النص نفسه تطورات العلاقة السُنيّة-الدرزية في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة.
"إنها التجربة الأولى في الكتابة.. كتبت تجربتي ولم تكن هذه التجربة سهلة". بهذه الكلمات اختارت وداد حلواني أن تفتتح توقيع أول كتبها (ذاكرة ليست تمضي.. ما لم أقله)؛ في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب.