الدولة اللبنانية Archives - 180Post

800-11.jpg

ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.

800.jpg

هناك ظاهرةٌ لافتةٌ للانتباه فعلاً في المشهد اللّبنانيّ الحاليّ بالذّات، وقد تجلّت بوضوح أكبر- بل بوضوح يستوقف الانتباه بعمق واقعاً - منذ اعلان بدء موجة المفاوضات المباشرة بين السّلطة - أو الدّولة - اللّبنانيّة وبين العدوّ الاسرائيليّ مؤخّراً. وهي ظاهرة يمكن تسميتها، من دون حُكم قِيميّ بالضّرورة ومن دون تهجّم شخصيّ أو عقائديّ الطّابع، بـ"الجوع التّطبيعيّ"، والذي قد يبدو عميقاً جدّاً في أحيان كثيرة وعند أوساط مُعيّنة – باتت أكثرَ تنوّعاً نسبيّاً - من اللّبنانيّين.

801-3.jpg

لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان حدثًا يُقرأ بقدر ما يُفهم بوصفه لحظة انكشاف. حين تتوقف الحروب فجأة، لا تترك خلفها فراغًا بقدر ما تكشف البنية التي كانت تخفيها ضوضاء العنف. فما يتبدى اليوم ما هو إلا انكشاف لنمطٍ من السياسة ظلَّ يعمل في الظلّ – سياسة تُدار على حافة الانقطاع، وتستمد تماسكها من قابليتها الدائمة للانهيار.

800.jpeg

تبدو هدنة وقف إطلاق النار في لبنان، لعشرة أيام، كخط رفيع فوق تضاريس متفاوتة العلوّ والقسوة. اتفاقٌ يحمل في داخله قابلية حركية عسكرية مفتوحة تحت عنوان “استباق التهديد الأمني”، حيث يتيح لأحد الأطراف (إسرائيل) المبادرة عند استشعار تهديد. هذه البنية تجعل الهدنة إطارًا إجرائيًا أكثر منها نهاية صلبة للصراع.

800-5.jpg

سيناريوهات مختلفة نسمع بها، أو نشهد نقاشات حولها، تتعلق بمستقبل الحرب الإسرائيلية على لبنان والعوامل التي تؤدي إلى وقفها. أحد هذه السيناريوهات يقوم على أن هذه الحرب تخضع لمنطق «وحدة الجبهات» مع الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران. ويستند هذا السيناريو إلى تصريحات إيرانية تفيد بأن من شروط إنهاء القتال، أو ما يمكن تسميته «برزمة الشروط والشروط المضادة لوقف القتال»، وولوج باب التسوية أياً كانت طبيعتها، أن تشمل الجبهة اللبنانية.

800-47.jpg

لم يتشكّل لبنان الحديث بوصفه دولة وطنية مكتفية بذاتها، بل نشأ ضمن شبكة معقّدة من الارتباطات الخارجية التي نسجتها طبقته السياسية وجماعاته الطائفية الكبرى، وبدرجات متفاوتة، مع مرجعيات وداعمين إقليميين ودوليين. ولم تُفهم هذه الارتباطات يومًا باعتبارها عنصرًا طارئًا أو انحرافًا عن المسار السياسي الطبيعي، بل جرى التعامل معها بوصفها جزءًا بنيويًا من التوازنات المتحركة في الكيان اللبناني.

759.jpg

في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.

760-1.jpg

ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.

800-35.jpg

لبنان عند مفترق حاد، لكن السؤال المطروح عليه اليوم ليس جديداً بقدر ما هو مُعاد بصيغة أكثر قسوة: هل يُفاوض تحت النار، أم يؤجل التفاوض حتى تتغيّر موازين القوة؟ ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل بنيوية أيضاً، تطال الاقتصاد والمؤسسات والنزوح وخطاب الكراهية إلخ..

800-52.jpg

في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، استهدفت إسرائيل مقرّ حركة حماس في الدوحة، مدّعيةً أنها لا تستهدف قطر بل قيادات الحركة. هذا السيناريو هو نفسه الذي تسوّقه دوليًا وإقليميًا في لبنان، لكن الفارق كان في إدارة الردّ. آنذاك، لم تكتفِ القيادة القطرية ببيانات الاستنكار والإدانة، بل عملت منذ اللحظة الأولى على تكثيف حملاتها عبر مسارات متعددة: سياسية، ودبلوماسية، وإعلامية.