الدولة اللبنانية Archives - 180Post

ayman.jpg

في ليالي بيروت، يمكن لزائر عابر أنْ يرى مطعماً مكتظاً على واجهة بحرية، طاولات محجوزة، موسيقى مرتفعة، فواتير تُدفَع بالدولار النقدي من دون كثير تردد. على مسافة دقائق، مبنى سكني غارق في العتمة، يختار سكّانه ساعات تشغيل المولّد بعناية، ويحسبون كلفة الدواء كما لو كانت قراراً استثمارياً كبيراً.

800-58.jpg

لم يتشكّل لبنان كدولة تستند إلى سردية وطنية جامعة أو مشروع سياسي واضح المعالم. لقد وُلد من تقاطع ظروف تاريخية وجغرافية وطائفية، لا من فكرة وطن متخيَّل أو عقد اجتماعي متين. وحين أُعلن «لبنان الكبير» في مطلع القرن العشرين، لم يكن الهدف إقامة دولة حديثة بقدر ما كان محاولة لخلق مساحة توازن بين جماعات سكنت الجبل والساحل والداخل، لكلٍّ منها تاريخها وحساسيتها وخطابها عن ذاتها. ومنذ اللحظة الأولى، بدا السقف الذي جمع هذه المجموعات هشًّا، كما لو أنه سُقِّفَ على عجل فوق بيت لم تُبنَ جدرانه بعد.

800-49.jpg

تاريخيًا، تشكّل النظام السياسي في لبنان حول زعامات محلية ومناطقية لعبت دور الوسيط بين المجتمع والدولة. فقد جمع الزعيم المحلي بين الحظوة الاجتماعية والقدرة على تعبئة الأنصار وتأمين الخدمات، مستندًا في شرعيته إلى شبكة من الولاءات العشائرية والطائفية والمناطقية منحت حضوره السياسي بعدًا متجذّرًا في بيئته المباشرة.

750-14.jpg

لا يُمكن فصل مشروع قانون الفجوة المالية الجديد عن السياق السياسي والاقتصادي الذي نشأ فيه، ولا عن النقاش الحاد الدائر منذ سنوات حول مسؤوليّات أزمة الودائع في لبنان. فالقانون لا يُطرح بوصفه أداة تقنية محايدة لمعالجة خلل محاسبي فحسب، بل يأتي في لحظة شديدة الحساسية، يسعى فيها النظام الاقتصادي - المالي إلى إعادة ترتيب الخسائر وتحديد الجهات التي ستتحمّلها، وتلك التي سيُصار إلى تحييدها عن كلفتها.

800-41.jpg

لم يعد ممكنًا للبنان اليوم أن يفاوض خارجيًّا على حدوده، أو على قواعد الاشتباك، أو على حقوقه السيادية، فيما يبقى الداخل بلا حسمٍ واضحٍ لحدود السلطة بين الدولة واللاعبين الداخليين. فالنهج الذي حكم التجربة اللبنانية لعقود لم يعد قابلًا للاستمرار، ذلك أنّ الشروط التي سمحت به تسقط واحدةً تلو الأخرى

800-48.jpg

هل أصبحت إسرائيل قدر شعوب المنطقة؟ سؤال يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يسعى لتفكيك الدول الوطنية، وخلق كيانات ضعيفة ومقسمة طائفياً، ليصبح لبنان هدفاً استراتيجياً، لا لكونه مجرد دولة حدودية، بل لأنه نقطة ارتكاز في مشروع إقليمي واسع يضع مصير شعوبه على المحك.

8000.jpg

في ظل التحوّلات العميقة التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من قممٍ وتحالفاتٍ ورسمٍ لخرائط جديدة، تعود دولٌ إلى الساحة السياسية بقوة، فيما تتربّع أخرى على عرش زعامة الإقليم لتقود مسار التغيير. الشرق الأوسط يقلب أوراقه من جديد، ويفرض نفسه كنقطة ارتكاز في زمن العولمة الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية. لكن يبقى السؤال الجوهري: أين يقف لبنان وسط هذه المتغيرات؟ وما موقعه في خريطة التحالفات المقبلة؟

800-37.jpg

في ظلّ تهاوي الأنظمة الإقليمية القديمة، وتشكّل تحالفاتٍ جديدةٍ، في قلب هذه العاصفة الجيوسياسيّة، يقف لبنان كسفينةٍ تتقاذفها أمواجٌ عاتيةٌ. إنّه المشهد الأكثر تعقيداً في منطقةٍ متغيّرةٍ، دولةٌ تمتلك كلّ مقوّمات النّجاح، لكنّها حبيسة صراعاتها الدّاخلية وتداخلاتها الإقليميّة. السّؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إنْ كان لبنان سيتغيّر، بل كيف سيغيّر نفسه لينجو من العاصفة ويبني مستقبلاً يليق بشعبه.

34344343443.jpg

في هذا البلد العظيم الذي اسمه لبنان؛ من «قانون الفجوة» إلى «قانون الانتظام المالي» لم يتغيّر سوى العنوان، فيما المسار الإجرائي نفسه يُعيدنا إلى حيث توقّف طرح حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.