لا يمكن مقاربة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان بوصفه حدثاً طارئاً، ولا باعتباره نتيجة أخطاء تقنية في السياسات النقدية أو سوء إدارة.
لا يمكن مقاربة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان بوصفه حدثاً طارئاً، ولا باعتباره نتيجة أخطاء تقنية في السياسات النقدية أو سوء إدارة.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تدرّجت علاقة لبنان بفلسطين، في تصوّرات لبنانية متباينة، من إطار يُقدَّم على أنه التزام قومي، إلى ملف ذي أبعاد داخلية متزايدة، ومن شعار تحرّري إلى أداة حاضرة في ترتيبات وضبط إقليمي، ومن ملف صراع مع إسرائيل إلى ملف يُطرح في سياق الصراع على لبنان نفسه. وتُقدَّم قراءة هذا المسار التاريخي عادةً كمدخل لفهم الوضع اللبناني الراهن، قبل الانتقال إلى سؤال الرؤية الوطنية في الحاضر.
تواجه الدولة اللبنانية اليوم استحقاقًا تاريخيًّا يتجاوز ترف الوقت؛ حيث تبرز معضلة التوفيق بين إتمام أخطر مهمة في تاريخ لبنان المعاصر، وهي وقف الاعتداءات وحصر السلاح بيد الدولة، وبين هشاشة الغطاء التنفيذي الداخلي. لذا، يضعنا النهج الحالي لرئيس الحكومة، نواف سلام، كما العهد بشكل عام، أمام تساؤل بنيوي حول قدرة الفاعل السياسي «المستقلّ» على المناورة داخل نظام محكوم بإكراهات المحاصصة؟
يعيش لبنان اليوم سباقاً بين مهمّتين مصيريتين هما: حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإطلاق مسار إصلاحي سياسي ومالي وقضائي وإداري يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة المفقود. لكن السؤال الجوهري هو في كيفية تحقيق هذين الهدفين في نظام لم يبنَ أصلاً لإنتاج القرار، بل لما يسمّى إدارة التوازنات؟
في ليالي بيروت، يمكن لزائر عابر أنْ يرى مطعماً مكتظاً على واجهة بحرية، طاولات محجوزة، موسيقى مرتفعة، فواتير تُدفَع بالدولار النقدي من دون كثير تردد. على مسافة دقائق، مبنى سكني غارق في العتمة، يختار سكّانه ساعات تشغيل المولّد بعناية، ويحسبون كلفة الدواء كما لو كانت قراراً استثمارياً كبيراً.
لم يتشكّل لبنان كدولة تستند إلى سردية وطنية جامعة أو مشروع سياسي واضح المعالم. لقد وُلد من تقاطع ظروف تاريخية وجغرافية وطائفية، لا من فكرة وطن متخيَّل أو عقد اجتماعي متين. وحين أُعلن «لبنان الكبير» في مطلع القرن العشرين، لم يكن الهدف إقامة دولة حديثة بقدر ما كان محاولة لخلق مساحة توازن بين جماعات سكنت الجبل والساحل والداخل، لكلٍّ منها تاريخها وحساسيتها وخطابها عن ذاتها. ومنذ اللحظة الأولى، بدا السقف الذي جمع هذه المجموعات هشًّا، كما لو أنه سُقِّفَ على عجل فوق بيت لم تُبنَ جدرانه بعد.
تاريخيًا، تشكّل النظام السياسي في لبنان حول زعامات محلية ومناطقية لعبت دور الوسيط بين المجتمع والدولة. فقد جمع الزعيم المحلي بين الحظوة الاجتماعية والقدرة على تعبئة الأنصار وتأمين الخدمات، مستندًا في شرعيته إلى شبكة من الولاءات العشائرية والطائفية والمناطقية منحت حضوره السياسي بعدًا متجذّرًا في بيئته المباشرة.
لا يُمكن فصل مشروع قانون الفجوة المالية الجديد عن السياق السياسي والاقتصادي الذي نشأ فيه، ولا عن النقاش الحاد الدائر منذ سنوات حول مسؤوليّات أزمة الودائع في لبنان. فالقانون لا يُطرح بوصفه أداة تقنية محايدة لمعالجة خلل محاسبي فحسب، بل يأتي في لحظة شديدة الحساسية، يسعى فيها النظام الاقتصادي - المالي إلى إعادة ترتيب الخسائر وتحديد الجهات التي ستتحمّلها، وتلك التي سيُصار إلى تحييدها عن كلفتها.
لم يعد ممكنًا للبنان اليوم أن يفاوض خارجيًّا على حدوده، أو على قواعد الاشتباك، أو على حقوقه السيادية، فيما يبقى الداخل بلا حسمٍ واضحٍ لحدود السلطة بين الدولة واللاعبين الداخليين. فالنهج الذي حكم التجربة اللبنانية لعقود لم يعد قابلًا للاستمرار، ذلك أنّ الشروط التي سمحت به تسقط واحدةً تلو الأخرى
مسألة الحياد في لبنان شائكة ومعقدة. تُطرح منذ نشوء الكيان قبل أكثر من مائة سنة، لكن اللبنانيين يتصرفون واقعاً بما يتناقض مع مقومات الحياد. بل إنه شعارٌ يُرفعُ ضد تدخل دول دون أخرى أو محور دون آخر.