حافظ الأسد Archives - 180Post

800-15.jpg

لم يكن الخط العسكري عند معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا مجرد خط لتسهيل عبور السياسيين اللبنانيين إلى سوريا، بل كان رمزاً لعلاقة اختل فيها التوازن بين دولتين، وتقدمت فيها الامتيازات الشخصية على القنوات الرسمية. لذلك، فإن السؤال عن قدرة النظام السوري الجديد على إدارة علاقته بلبنان من دون هذا الخط يتجاوز المعبر نفسه إلى إرث الوصاية وإمكان التخلص من مضمونها السياسي.

800-31.jpg

ستبقى العلاقات اللبنانية – السورية متشابكة في السياسة والمجتمع طالما أن الجغرافيا هي التي فرضت هذه الحتمية. لا جدال في ذلك. لكن إدارة العلاقة بالإستفادة من العبَر التي غالباً ما انتهت بالدم، هي ما يصنع الفارق بين سلطة وأخرى. على أن ذلك مرتبط بمدى استقلالية القوى السياسية اللبنانية واتعاظها من رهانات لم تفشل فحسب بل كانت قاسية على من سلكها ولم يتعظ منها.

800-55.jpg

عند كلّ اشتدادٍ للصّراع السّياسيّ الدّاخليّ في لبنان، ولا سيّما ما يتعلّق بمسألة "المقاومة المسلّحة"، وبمسألة الجنوب والبقاع الغربيّ، يعود الكلام حول رمزيّة الإمام المُغيَّب السيّد موسى الصّدر، وحول ما يمكن تسميتُه "بتَأويل" سيرته وخطابه. فكأنّ سيرةَ هذا الرّجل-القائد المحوريّ وخطابَه وتجربتَه هي بمثابة.. مادّة مفتوحة للتّأويل السّياسيّ والتّاريخيّ الدّائم، بحيث يحاول كلّ فريقٍ أن يُنتج "موسى الصّدر" الذي يناسبه، وإلى حدّ كبير، وعند كلّ اصطدام لبنانيّ عظيم.

600-9.jpg

مرّت الذكرى الـ43 لتوقيع اتفاق 17 أيار/مايو 1983، مرور السحاب العابر، لكن ظلّها هذه المرّة يُرخي سدوله الثقيل مُنذراً بما هو أكثر سوءاً، وإن كان الجيل اللبناني الذي عاشه يكاد لا يتذكره موسمياً إلا بعنوانه (اتفاق 17 أيار) والجيل الذي وُلِدَ بعده لا يعرفه، ولا يعرف منه حتى إسمه، وبين هذا وذاك، يُكرّر الحكم اللبناني الخطيئة ذاتها، عبر مفاوضاتٍ مباشرة، فهل يُعيد التاريخ نفسه في إتفاق 17 أيار/مايو جديد يُفضي الى انتفاضة 6 شباط (فبراير) ثانية؟ 

800-24.jpg

لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.

800-1.jpg

عام 2025 كانت علامته الفارقة دخول سوريا في مرحلةٍ جديدة للمرة الأولى منذ تشكلها كدولة على أثر اتفاقية سايكس – بيكو والإحتلال الفرنسي بعد إسقاط الحكم الفيصَلي الوليد. وكمجرياتِ فيلمٍ سينمائي، كنا كلبنانيين، نشهدُ سوريا مختلفة، لا عن تلك التي رأيناها عبر جيشها ومخابراتها في لبنان فحسب، بل عن أي سوريا أخرى في التاريخ الحديث.

NEW-SOURIA-..jpg

بعيدًا عن عنوان احتفالية السنة الأولى: "عام على التحرير"، فإنّ الأهم هو محاولة استشراف المستقبل السوري، من خلال قراءة أداء رئيس المرحلة الانتقالية على مدى السنة المنقضية. فقد بدا أنّ لسوريا اليوم رئيسًا يُخاطب الخارج اسمه أحمد الشرع، ورئيسًا للداخل اسمه "أبو محمد الجولاني"، والفارق بينهما أنّ الأول يلبس بدلة رسمية وربطة عنق، ويتوسّل الاعتراف الدولي والإقليمي به، فيما الثاني ما يزال يرتدي البذّة العسكرية ويعتمدها لغة لتعامله مع مكوّنات المجتمع السوري.

801-1.jpg

في الأسابيع الأخيرة، بدا أنّ المبعوث الأميركيّ توم برّاك يرفع منسوب الضّغط على لبنان بخطابٍ مزدوجٍ يجمع بين التّشديد على «نزع سلاح حزب الله» والدّعوة إلى «إصلاحاتٍ اقتصاديّةٍ ومؤسّسيّةٍ عميقةٍ»، وبين التّحذير من أنّ «العالَم سيمضي قُدُماً إنْ لم يتحرّك لبنان سريعاً». تلك الّلهجة الحازمة في التعامل مع الملف اللبناني لم تكن مجرّد رسائل دبلوماسيّةٍ عابرةٍ، بل إعلاناً صريحاً بأنّ واشنطن «لن تبقى إلى ما لا نهاية» وأنّها «لا تطلب سوى مصافحةً متكافئةً» بين لبنان وإسرائيل تمهيداً لتسويةٍ شاملةٍ، في ترجمةٍ عمليّةٍ لطموحات رئيس الولايات المتّحدة دونالد ترامب.