نزع السلاح Archives - 180Post

799-2.jpg

​يتصدّر شرط "نزع السلاح" أجندة الدبلوماسية الدولية والإقليمية كشرط شارط لأي ترتيبات تستهدف صياغة الاستقرار في المنطقة. وتتعامل المبادرات السياسية مع ملف السلاح (غزة ولبنان والعراق) بوصفه أصل الأزمة والمفتاح السحري لإحلال السلام. غير أن هذا الطرح يقع في خطأ تحليلي بنيوي؛ إذ يتعاطى مع القوة المسلحة باعتبارها المسبّب الأولي للنزاع، متجاهلاً حقيقة استراتيجية أثبتتها أدبيات العلوم السياسية وتاريخ الصراعات الممتدة: الأسلحة لا تنشأ من فراغ تكتيكي، ولن تتلاشى بقرارات إدارية أو إملاءات فوقية ما دامت البيئة البنيوية التي أنتجتها قائمة ومستمرة.

801-1.jpg

ينطلق «تقدير الموقف» الصادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، بعنوان «من المظلة الأممية إلى الدور الأوروبي: ما هو مستقبل "حفظ السلام" في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"؟»، من أن انتهاء ولاية «اليونيفيل» في نهاية العام الحالي يعكس أزمة تتصل بالنموذج الذي أُدير به أمن الجنوب اللبناني طوال نحو خمسة عقود. لذلك ينتقل السؤال، كما يوضح التقدير، من «من يراقب الحدود؟» إلى سؤالين أكثر عمقاً: ما طبيعة النظام الأمني المطلوب في الجنوب، ومن يمتلك القدرة على ضمان تطبيقه؟

800-8.jpg

دخلت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد مع تراكم الآثار الممتدة للنزاع العسكري الذي اندلع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحيث لم تعد المسألة تنحصر في تقديم الإغاثة العاجلة، بل امتدت إلى معضلة إعادة بناء مجتمع بأكمله فقد جزءًا كبيرًا من بنيته التحتية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

823.jpg

​لم يعد مجدياً مقاربة المشهد في جنوب لبنان بمنطق الثنائيات الكلاسيكية: "الحرب الشاملة" أو "وقف إطلاق النار". لقد تجاوزت الأزمة الحالية حدود الاشتباك التكتيكي لتتحول إلى اشتباك بنيوي حول هندسة الأمن الإقليمي. في أروقة العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تُطبخ الصياغات الدبلوماسية للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، لا يدور النقاش حول تعديل بنود القرار 1701 فحسب، بل يمتد إلى محاولة فرض مقاربة سياسية وأمنية جديدة يمكن تسميتها بـ "المناطق التجريبية" (Experimental Zones).

135.jpg

شهد الرابع من حزيران/يونيو 2026 لحظة فارقة في المشهد الجيوسياسي الشرق أوسطي، مع الإعلان عن اتفاق وقف النار بين إسرائيل ولبنان، بوساطة أميركية. تطورٌ أثار ردود فعل وتحليلات عميقة في الأوساط الأوروبية، عكستها وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والبيانات الرسمية. لم يكن الموقف الأوروبي موحداً، بل تراوح بين التفاؤل الحذر بإمكان احتواء الصراع، والقلق العميق إزاء هشاشة الاتفاق وتداعياته المحتملة على الاستقرار الإقليمي والأمن الأوروبي نفسه.

790-2.jpg

يتخيَّل إلينا، عندما نستمع اليوم إلى بعض الحديث الدّائر لا سيّما ضمن أوساط رسميّة (أو "سياديّة") لبنانية معيّنة، كما إلى أغلب خطابها السّياسيّ المتجلّي في المرحلة الرّاهنة بشكل خاصّ: يتخيّل إلينا، إلى حدّ كبير نسبيّاً، وربّما يكون ذلك مقصوداً.. وكأنّ مشروع "بناء الدّولة" في لبنان، يتمحور حول نقطةٍ واحدةٍ فقط عمليّاً أو ضمنيّاً، ألا وهي مسألة "حصر السّلاح" كما تُسمّيها الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، أو مسألة ما يُشار إليه أحياناً "باحتكار العنف".

800-32.jpg

لم تعد الحرب على لبنان، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قابلة للاختزال في معادلة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فالمشهد، بعد اتساع التدمير والنزوح، وانتقال الملف إلى جولات تفاوضية في واشنطن، وظهور مسار أمني تُيسّره الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، يكشف أننا أمام طور جديد من الصراع والتفاوض يسيران في خطين متوازيين. وفي هذا الطور، يصبح الميدان الجغرافي عنصرًا حاسمًا في إعادة ترتيب الأرض والديموغرافيا والسيادة، بل وربما مستقبل لبنان وبنية نظامه السياسي.

backhome.jpg

في اليوم التّالي تقريباً لإعلان اغتيال المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران السيد علي الخامنئي على يد الجَيشَين الاسرائيليّ والأميركيّ، أو بالأحرى في وسط اللّيلة التّالية لهذا الإعلان، فاجأ “حزب الله” – أقلّه في الظّاهر – الحكومة اللّبنانيّة وأغلب أركان الدّولة اللّبنانيّة بانخراطه عمليّاً في الحرب الدّائرة في الإقليم، مُعلناً أنّه قد قام بمهاجمة عدد من الأهداف الاسرائيليّة شمال الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، ممّا أدخل الجبهة اللّبنانيّة عمليّاً في المواجهة العسكريّة والأمنيّة المعقّدة القائمة حاليّاً في المنطقة.

FB_IMG_1776069351699.jpg

تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.

750.png

تأتي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل 1975، فيما يستعد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، تحت مظلّة العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشظي الكبير في الموقف الوطني، حيث لا تحمل الدولة اللبنانية بعدُ سلة تفاوضية جامعة في جعبتها باسم جميع مكوّناتها، ولا يقيها سقفٌ سياسيٌّ وإقليميٌّ واضحٌ يضبط هذه المحادثات ويمنع انزلاقها من التفاوض إلى الإملاء. هكذا يعود السؤال اللبناني القديم، لكن بصيغة أشدّ خطورة: هل تدخل الدولة إلى التفاوض طلبًا لوقف النار وحماية السلم الأهلي، أم تدخل إليه تحت النار ومن دون تفويض جامع، فتتحول الطاولة نفسها إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى؟