المسألة ليست ثنائيّةً أو تِقْنيّةً بين الطرفين، بل هي دوْليَّةٌ متعدِّدة الأبعاد. وترتبط في العمق بـِ:
- التوازنات الإستراتيجيّة الجديدة في العالم بعد الحرب.
- وبما إذا كانت واشنطن تعتزم الاعتراف بأنَّ عدوانها مع “تل أبيب” على إيران، لم يحقق لهما أي انتصارٍ إستراتيجي.
- وبأنَّ فشلهما في تحقيق ما أعلناه من أهداف، أَنْتجَ معادلاتٍ جديدة لمصلحة إيران وحلفائها لا يمكن التنكُّرُ لها.
هذه النقاط الثلاث تحكُمُ النظرة إلى ما يدور من حديث عن “وقف إطلاق النار“. الاستعجال بالثقة هنا خطيرٌ جدّاً. والمسألة بالغة التعقيد. وتحتاج إلى وقتٍ ربّما يكون طويلاً قبل أن تتبلور المسارات في صياغاتٍ إجرائيّةٍ، إذْ إنَّ الرأسماليّة الأميركيّة الشابِحةَ المتحالفة مع الصهيونية، والمتقنِّعة بالتوظيف الديني، ستبقى حتى اللحظات الأخيرة تراوغ وتقامر دفاعاً عن مصالحها الطبقية ولو أدَّت إلى خراب العالم.
وما قد يدور من محادثاتٍ (يمكن أن تتحوَّل إلى مفاوضات) في إسلام آباد هو الذي سيحدِّد المآلات. الصين وروسيا تدعمانِِ إيران وتُوازِنانِ المعادلات الإستراتيجية المستقبليَّة بدقةٍ وأناةٍ، وتتصرَّفان من منطلق أنَّ الصمودَ الإيرانيّ هو المسمارُ الذي دُقَّ مَكِيناً في نعش الأُحادية القطبية الأميركيَّة التي أُسْقِطَتْ إلى غير رجعة. وهو الذي كشف أيضاً أنَّ الصراع العالمي على الطاقة والموارد والممرات المائية (المضائق من هرمز إلى مَلَقا) وخرائط النفوذ، هو الأصل في الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل في منطقة ” الشرق الأوسط”.
إذا افترضْنا أن المفاوضات اندفعت إلى الأمام في إسلام آباد، فإنّ العواصم الثلاث طهران وبكين وموسكو معنيَّةٌ بِرسْم رؤية سياسيّة لأيِّ اتفاق لوقف إطلاق النار. هذه الرؤية – بحسَب ما ستستقرُّ عليه – ستكونُ قنبلة انفجار أو صِمامَ انفراج. ومن دون رؤية سياسيَّة تتفق عليها هذه الأطراف، ستتكرَّر تجارب واشنطن الرأسماليّة الاستعمارية السابقة. ومن أبرز أمثلتها مشروعُ وقف إطلاق النار في باريس عام 1973 بين الأميركيين والفيتناميين الذي لم تحترمه واشنطن، ولم يصمد أكثر من ثلاثة أيام، فاستمرت الحرب بعده سنتين وانتهت بهزيمة أذلَّتِ الولايات المتحدة عام 1975. ولا نُغفل طبعاً المثال الراهن وهو القرار 1701 (برغم كلِّ التواءاته والتباساته) الذي لم يحترمه العدوُّ الإسرائيلي في أيِّ حالةٍ من الحالات، وما زال يواصل اعتداءاته الوحشيّة ومحاولاته لتفجير المجتمع اللبناني بعد أن فشل في كسر المقاومة.
إذاً، الحذر الواعي هو السِمةُ الإستراتيجية في النظر إلى مقترح وقف إطلاق النار. ومن المغامرة التعاملُ معه بمفهوم الاتفاق قبل أن يصبح اتفاقاً بالفعل. إنَّه محطة في حرب من النواحي العسكرية والقانونيّة. ويبدو واضحاً جدَّاً أنَّ طهران تأخذ هذه الحقيقة في الحُسبان، ذلك أنها تراه خطَّاً موازياً للحرب ما لم يتحوَّل إلى اتفاقٍ دقيق ومكتوب، ويتضمَّن رؤية سياسية، وآلية مراقبة وضمانات، وإلّا فإنَّه يكون ستاراً لضربةٍ مقبلة، ولا مستقبل لِخديعةٍ جديدة هذه المرَّة.
