إذا ما غابت فرص انفساح الأفق على التسويات السياسية للحرب الأوكرانية، فإن الفوضى سوف تضرب النظام الدولى كله، أو ما تبقى من أطلال تشير إليه.
إذا ما غابت فرص انفساح الأفق على التسويات السياسية للحرب الأوكرانية، فإن الفوضى سوف تضرب النظام الدولى كله، أو ما تبقى من أطلال تشير إليه.
عادت أوروبا تعيش ذكريات بعض أسوأ أيامها. كان الظن أن سنوات الجوائح والأوبئة والمجاعات والحروب والهجرات، كلها ولّت إلى غير رجعة. كان الظن أيضاً أن العصر الذهبي الذي كانت تعيشه دول أوروبا لسنوات بعد انقضاء الحرب الباردة هو التعويض المناسب لقارة عانت طويلاً وكثيراً. خاب الظن، أو هكذا يبدو لنا.
تتردد تصريحات إيرانية وأخرى أوروبية وأميركية تؤكد استمرار الخلافات التي شلَّت محادثات فيينا منذ أكثر من شهرين. في الوقت نفسه، ثمة دلائل على أن العلاقات المتنامية بين إيران والصين تشير إلى أن طهران تستعد لخيارات احترازية للتحرر من ضغط الغرب، كما تشرح سابينا صديقي في تقرير نشره موقع "المونيتور"(*).
بعد الحرب الروسية الأوكرانية، تصاعد التوتر بين روسيا والغرب إلى مستوى لم يحصل حتى أثناء أزمة الصواريخ الكوبية. لقد تجاوز القادة؛ على جانبي الصراع؛ سلسلة من الخطوط التي لا يمكن حلَّها بسهولة. وباتت حربٌ باردة جديدة تلوح في الأفق. "حربٌ قد تكون أقل عالمية من نظيرتها التي شهدها القرن العشرين ولكن أقل توازناً ولا يمكن التنبؤ بها"، بحسب إيان بريمر، رئيس ومؤسس "مجموعة أوراسيا"(*).
السردية التي يروّجها الغرب في المواجهة الشاملة مع روسيا مبنية على ركيزة واحدة: رأس الأفعى هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبالتالي يجب أن يرحل كما بيّنت لنا "زلّة لسان" الرئيس الأميركي جو بايدن.
الحرب تدور رحاها في أوكرانيا، لكن العين مركّزة على ما يجري وما يمكن أن يستجد بين موسكو وبكين. هنا مربط الفرس.
صار يهف من ذاكرتي خلال الأسابيع الأخيرة عنوان وتفاصيل فيلم سينمائي أظن أني شاهدته في السنوات الأولى من عقد الستينيات الماضية. كان العنوان "إنه لعالم مجنون مجنون مجنون" ومخرجه ستانلي كرامر وبطله ميكي روني النجم الذي أحببت وأنا أمر سريعا في عز سنوات شبابي.
منذ شهرين، وتحديداً في الرابع والعشرين من شباط/فبراير 2022، بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، لتبدأ معها أيضاً مرحلة سياسية وإقتصادية فاصلة ستفضي، تبعاً لنهاياتها، إلى رسم معالم نظام دولي.. جديد.
تتعرض الولايات المتحدة إلى ما يُشبه عملية القضم المتدرج لنفوذها في النظام العالمي، لكن ذلك لا يُبدل حقيقة أنها ما زالت القطب الأول منذ قررت النزول إلى بر أفغانستان في العام ٢٠٠١ ثم بر العراق في العام ٢٠٠٣، فكان أن تسيّدت دولياً وإنطوت حقبة الحرب الباردة.. ولو إلى حين!
أخمن أن الغموض يخيم على أحوال الأمم في كل بقاع الكوكب وأنه باق لفترة قد تطول. لا أعني إطلاقا أنني أتوقع تدهورا أشد في العلاقات على قمة النظام الدولي كشرط تاريخي لقيام وضع جديد تماما. لا محل عندي للتشاؤم في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ العلاقات الدولية. وأسبابي واضحة. فالتدهور الراهن شديد إلى درجة أتصوره صار كافيا لتلبية شرط التغيير كما صاغته العصور السابقة.