بقعة ضوء في نفق الظلام اللبناني الطويل أن تتمرد السلطة القضائية في لبنان على امعان السلطة السياسية في التدخل بشؤونها وكل تفاصيل عملها وبنيانها، إلا أن الاهم هو ان يتمسك القضاء بموقفه ويطوّره الى أن يصبح سداً معنوياً وعملياً في وجه اي تدخل أو تطويع.
بقعة ضوء في نفق الظلام اللبناني الطويل أن تتمرد السلطة القضائية في لبنان على امعان السلطة السياسية في التدخل بشؤونها وكل تفاصيل عملها وبنيانها، إلا أن الاهم هو ان يتمسك القضاء بموقفه ويطوّره الى أن يصبح سداً معنوياً وعملياً في وجه اي تدخل أو تطويع.
استيقظ "جوزيف. ك" يوماً، ليجد رجليْن يقفان على الباب ويُخبرانه أنّه مطلوب للاستجواب. ساقاه من دون الإفصاح له عن تهمته. وفي مكتب التحقيق، استشرس المسكين، مع محاميه، في الدفاع عن نفسه. ما هي جريمتي؟ سؤالٌ ردّده "جوزيف. ك" مراراً وتكراراً. عبثاً يحاول. فالتهمة المجهولة "تلبسه لبساً".
لا يُحسد نجيب ميقاتي على هذه اللحظة السياسية والأمنية في لبنان. قبله، قيل لا يُحسد حسان دياب على لحظة إنفجار مرفأ بيروت، ذروة الإنهيار اللبناني. الفارق بين الإثنين أن حكومة دياب حكمت لبنان لأشهر عديدة وكأنها لم تحكم، بينما جرت "أسطرة" اللحظة الميقاتية، ليتبين أن لبنان هو بلد المفاجآت والمفارقات الدائمة والصادمة.
لو لم يكن طارق بيطار قاضياً، كان لينخرط في الجيش اللبناني مثل جدّه جبور. جبور لمن لا يعرفه، إبن عيدمون العكارية الواقعة قرب القبيّات وعندقت، كان عسكرياً، وقد اعتنق الأرزة والبلاد مثل كل أسرته. شقيقه كان مفتشاً تربوياً، أما أولاده، فكان أحدهم صحفياً في جريدة النهار، وثانيهم هو والد المحقق العدلي طارق بيطار.. وثالثهم طبيب.
هي جريمة العصر، لكن لا تستطيع هذه الحكومة، أو أي حكومة أخرى، أن تتعاطى مع انفجار 4 آب/أغسطس على أنه جريمة، سواء كانت حاصلة عن إهمال مقصود أو غير مقصود، وسواء كانت متعمدة أم لا.
"أيام حاسمة يمكن أن ترسم صورة المشهد الحكومي اللبناني بشكل واضح". عبارة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تأتي غداة عودة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري إلى بيروت.
كل اللبنانيين يجمعون على وجوب الكشف عن الحقيقة في جريمة تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، لا بل يريدون لهذا الملف أن يصل إلى خواتيمه وأن يؤسس لمسار جديد عنوانه عدم الافلات من العقاب.
لم تكن المشادة القضائية التي نشهد فصولها المستمرة، السقطة الأولى للسلطة القضائية اللبنانية، فأزمة الدولة تعكس غفوات متتالية ومستمرة لم تفلح مناشدات المواطنين بإيقاظها. وقد كانت حيثيات إدارة ملف تفجير مرفأ بيروت إحدى المحطات "الساطعة" على هذا السقوط، وكان اللافت حينها تسليط الضوء على طائفة القاضي لضمان عدالة الملف.
"الفساد مثل زواج المصلحة. إذا أفسدنا المصلحة، يبطل الزواج. ويصبح الأحبّة أعداءً، يدمِّر بعضهم بعضاً". هكذا يمازح القاضي الإيطالي أنطونيو دي بييترو صحافيّاً كان يستفسره، عمّا يعنيه قوله "إنّ الفساد يدمّر الدولة من الداخل، لذلك يجب تدميره من داخله". ودي بييترو هذا، ليس قاضياً عاديّاً. إنّه أسطورة إيطاليا القضائيّة الحيّة.
علينا أن نختار، إما نكون بشراً، او نعاجاً. القضاء نعجة لبنان المثالية. يطيع ولا يُطاع. ليس امامه إلا الافلاس. المشاهد الاخيرة لمهزلة العدالة وخراب القضاء، كانت مهينة. دلَّت بوضوح فاجر. أن الطغمة الحاكمة من زمان، تصر على أن "الامر لي". لقد أجهز القضاء على نفسه علناً. انه لأمر معيب ولا يمكن له بعد الآن إخفاء عوراته.