رأي Archives - 180Post

799-3.jpg

مع تجدد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء العمل بمذكرة التفاهم وتعليق المسار التفاوضي، تبدو منطقة غرب آسيا أمام تصعيد يندرج في سياق محاولة اعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بالإكراه، بعدما استَنفذت وسائل الردع فاعليتها. وتبادُل الضربات تجاوز إدارة الأزمة تحت النار، وتحوّل إلى اختبارِ قدرةِ الأطراف المتحاربة على تحمُّل الاستنزاف.

The-Middle-East-black-hole.jpg

​لم تعد النيران المشتعلة في منطقتنا مجرد حرب تقليدية تبحث عن وقف مؤقت لإطلاق النار. إننا نعيش المخاض العنيف لولادة نظام إقليمي جديد؛ صراع ممتد يعيد تعريف السيادة الوطنية، ويتمحور حول التحكم بمفاتيح الطاقة، والإمساك بالممرات البحرية والبرية، وتوجيه شبكات التمويل والتكنولوجيا. السؤال الجوهري اليوم لم يعد: متى تصمت المدافع؟ بل: من يصيغ جغرافيا "اليوم التالي"؟ ومن يملك القدرة على إدارة تدفقات الاقتصاد الدولي؟

nonaligned_movement.jpeg

أعيش اليوم حالة نادرة وعجيبة؛ فمن كل صوب تهب نسمة، وتارة أخرى تهب زوبعة، تحمل كل منهما حزمة من الذكريات عن مرحلة أو أخرى من مراحل تكويني الإنساني والأكاديمي والسياسي. بحثت عن سبب لعله يخفف بعض العجب. لم يطل بحثي، إذ وجدت السبب أمامي وأنا أراجع على شاشة جهازي مجمل ما ورد عليها مؤخراً من تطورات دولية وإقليمية ومصرية، ومن ملخصات وردود فعل عليها وتعليقات وإضافات. كانت هذه المراجعة هي الثانية المتأنية بعد القراءة الصباحية المبكرة، وعادة ما تكون سريعة وخاطفة.

801-6.jpg

معقدة هي العلاقة بين الحرب والمفاوضات. فأحيانًا ما يُستخدم التفاوض غطاءً سياسيًا أو تكتيكيًا لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، أو امتصاص الضغوط الدولية، بينما تدور رحى العمليات العسكرية في الميدان. وفي أحيان أخرى، تكون الحرب وسيلة ضغط على الطرف الآخر لإجباره على التفاوض، وإبداء مرونة، وتقديم تنازلات، فيما يسمى «التفاوض تحت النار». وفي الحالتين، تتناغم استراتيجية «الحرب من أجل التفاوض» مع الطرح الخالد للجنرال والمفكر الاستراتيجي البروسي الأشهر، كارل فون كلاوزفيتز، بأن «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى».

800-33.jpg

لا تبدو الأزمة اللبنانية مجرد أزمة دولة ضعيفة أو نظام سياسي مأزوم. هذا البلد وبرغم الانهيارات المتكررة التي عرفها، لم يتفكك بالكامل، كما لم ينجح في التحول إلى دولة حديثة تحتكر القرار السياسي والأمني بصورة كاملة. وبين هذين الحدين نشأ نموذج مختلف، يقوم على إدارة التوازنات أكثر مما يقوم على بناء سلطة مركزية قادرة على تجاوز الانقسامات.

800-34.jpg

يشكّل الخطاب الذي يقدّمه الشاعر والمفكّر علي أحمد سعيد أسبر (أدونيس) حول امتناع الثورة في الثقافة العربية الإسلامية نموذجاً إشكالياً لقراءة تنزع إلى التعميم الجذري، وتؤسس على فرضية مفادها أن "خاتمية النبوة" قد أغلقت أفق الفعل التاريخي، وحوّلت النص الديني إلى بنية مكتملة لا تقبل التمرد أو التجاوز. غير أن هذا التصور، عند إخضاعه لمقاربة إبستمولوجية نقدية، يكشف عن التباس منهجي عميق بين مستويين متمايزين: مستوى الوحي بوصفه حاملاً لقيم مطلقة، ومستوى التاريخ بوصفه مجالاً مفتوحاً للصراع والتأويل والتحقق.

800-31.jpg

ستبقى العلاقات اللبنانية – السورية متشابكة في السياسة والمجتمع طالما أن الجغرافيا هي التي فرضت هذه الحتمية. لا جدال في ذلك. لكن إدارة العلاقة بالإستفادة من العبَر التي غالباً ما انتهت بالدم، هي ما يصنع الفارق بين سلطة وأخرى. على أن ذلك مرتبط بمدى استقلالية القوى السياسية اللبنانية واتعاظها من رهانات لم تفشل فحسب بل كانت قاسية على من سلكها ولم يتعظ منها.

800-30.jpg

في مقابلة أثارت موجات واسعة من التساؤلات والتأويلات، تحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "ضوء أخضر" قد يمنحه للسلطة الانتقالية السورية للتدخل في لبنان، مشيراً إلى أنها ستتعامل مع ملف حزب الله بطريقة مختلفة، أكثر دقة وأقل ميلاً إلى الهدم. وأضاف أنه "يعلم أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يرغب بذلك". وجاء التصريح مقروناً بهدية سياسية لدمشق، تمثلت في مطالبة ترامب الكونغرس الأميركي برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

790-3.jpg

لم يعد الجدل الدائر في الغرب حول الهجرة أو الدين أو الهوية مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح مؤشراً إلى تحولات أعمق تطاول فكرة الدولة الوطنية نفسها. فما الذي جعل الهويات الفرعية تستعيد حضورها بعد عقود من هيمنة مفهوم "الدولة-الأمة"؟ وكيف تحولت هذه التحولات إلى البيئة التي ازدهر فيها اليمين الشعبوي؟

810-2.jpg

​في قلب الشرق الأوسط، لم يعد دويّ المدافع يتردد في غرف العمليات العسكرية ومراكز التخطيط الاستراتيجي وحسب، بل باتت أصداؤها تتداخل، بشكل غير مسبوق، مع ضجيج الحملات الانتخابية وحسابات صناديق الاقتراع في العواصم الفاعلة.