رأي Archives - 180Post

796.jpg

من يراقب مسار صناعة القرار السياسي في لبنان يكتشف سريعًا أن السؤال الأهم ليس: ماذا تُقرّر السلطة؟ بل: أين، وكيف، ومن يُقرّر باسم السلطة؟ فخلافًا لما هو سائد في الديموقراطيات الراسخة، حيث تُصاغ القرارات داخل مؤسسات منتخبة وفق قواعد واضحة ومعروفة سلفًا، تبدو القواعد في الحالة اللبنانية مائعة، تتبدل بتبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية، وتختلط فيها حسابات الطوائف بحسابات العواصم الخارجية.

IMG_8314_0.jpeg

لم تعد منطقة الشرق الأوسط، ولا العالم، كما كانا قبل "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تاريخٌ لم يكن عابرًا، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار قواعد قديمة، وبداية تشكّل نظام دولي وإقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ بلا مواربة.

800-31.jpg

يعيش لبنان اليوم سباقاً بين مهمّتين مصيريتين هما: حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإطلاق مسار إصلاحي سياسي ومالي وقضائي وإداري يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة المفقود. لكن السؤال الجوهري هو في كيفية تحقيق هذين الهدفين في نظام لم يبنَ أصلاً لإنتاج القرار، بل لما يسمّى إدارة التوازنات؟

800-30.jpg

بغضّ النظر عن المعارك الدامية بين القوات السورية الرسمية و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) في حلب، والاتفاق الذي تبعها، فإنّ المشكلة الكردية في سوريا، بكل تعقيداتها ومتاهاتها، ورثها النظام الجديد من النظام القديم، وتختلط فيها الحقوق العادلة والمشروعة للشعب الكردي في سوريا مع تداخلات ومصالح قوى خارجية إقليمية ودولية. وقد ازداد الأمر تعقيدًا مع حركة الاحتجاج الواسعة التي انطلقت في العام 2011، وأطاحت ببشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، واتّخذت أشكالًا مختلفة سلمية وعنفية، واختلط فيها فعل المعارضة مع فعل السلطة في أقسى مراحلها وأشدّها عسفًا وانفلاتًا وإرهابًا.

799.jpg

قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ العام 1979 بناءً على ثورة شعبية عارمة، جاءت من خارج الاصطفافات الدولية آنذاك (المحور الشرقي بزعامة الإتحاد السوفياتي – المحور الغربي بزعامة الولايات المتحدة)، وحملت لغة ثورية إسلامية لم تكن مألوفة في مفرداتها واتساع مداها الإسلامي. وفي الوقت الذي خرجت فيه مصر من الصراع مع إسرائيل، دخلت إيران على خط الصراع والقيادة، ما شكّل صدمة للمراهنين آنذاك على تدجين «ثورة آيات الله» في بوتقة المصالح الغربية، في مواجهة ما يُسمى "المد الشيوعي".

750-4.jpg

تقوم المعضلة الكردية على مفارقة مركزية: جماعة بشرية واسعة، متواصلة في ذاكرتها ولغتها وعاداتها، تعيش داخل أربع دول إقليمية كبرى، وتتحرك سياسيًا ضمن حدود رسمتها تحولات القرن العشرين وصراعاته. يتشكل المعنى الكردي عبر طبقات متراكبة: طبقة أنثروبولوجية تحمل سمات المجتمع وتقاليده، طبقة لغوية تُنتج الوعي بالذات، طبقة تاريخية تروي سرديات الأصل والانتماء، ثم طبقة استراتيجية تُترجم كل ذلك إلى سؤال القوة والحدود والاعتراف والتمثيل.

pirat2.jpg

منذ العام 1945، بدا النظام الدولي كأنه سقفٌ زجاجيّ معلّق فوق رأس العالم: نراه ولا نلمسه. نختلف على نقاوته أو سماكته. صلابته أو مرونته. ومع ذلك، وعلى كثرة عِلاته وتواتر الملاحظات على عدالته وقدرته على الإنصاف وإحقاق العدالة، بقي الناس والدول يلوذون به. سقفٌ يقول: ثمّة حدود، ثمّة سيادة، ثمّة ميثاق، ثمّة قيدٌ على القوة ولو كان القيد صدئًا، ولو كان يُفتح للأقوياء ويُغلق بوجه الضعفاء.

GettyImages-2188791915.jpg

في الأماكن التي تتقاطع فيها الطرق أكثر مما تتقاطع الهويّات، لا تُفهم الجغرافيا بوصفها حدًّا نهائيًا، بل مسارًا مؤجَّل الاكتمال. هناك، في الأرياف اللبنانية الملاصقة للحدود السورية، تشكّلت حياة كاملة خارج سرديات العاصمة، وخارج فكرة الدولة المكتملة. لم تكن الحدود جدارًا، بل محطة مؤقتة في طريق أطول من الخرائط.

TRUMP-ARCHER.jpg

في صباح بارد على شاشات وول ستريت، تبدو القصة كأنّها إعادة عرض لفيلم قديم، ضجيج سياسي، تهديدات جمركية، ثم تسوية في اللحظة الأخيرة. المتعاملون الذين عاصروا 2019 يتذكرون كيف قفز اسم غرينلاند إلى العناوين ثم تراجع إلى الهامش، وكيف تعاملت الأسواق مع الأمر كفقاعة كلامية أخرى في قاموس التفاوض الخشن. كثيرون، اليوم، يشعرون بالسيناريو ذاته، “مساومة تجارية” على طريقة دونالد ترامب، سقف مرتفع ثم هبوط منظم، وربما صورة تذكارية لصفقة ما.