رأي Archives - 180Post

IMG_8261.jpeg

العالم اليوم لا يقترب من حرب عالمية كبرى بقدر ما يعيش داخلها بالفعل. ما يجعل هذه المرحلة شديدة الخطورة ليس عدد الصراعات المشتعلة، بل الطابع الخادع للمشهد العام، حيث تبدو الأحداث وكأنها أزمات منفصلة بينما هي في الحقيقة حلقات مترابطة ضمن صراع واحد على إعادة تشكيل النظام الدولي.

TRUMPLAND.jpg

بسرعة لم يتخيلها أحد، يقوم الرئيس دونالد ترامب، الذي لم تنتهِ بعدُ سنةُ حكمه الأولى، إذ يتبقى له ثلاث سنوات كاملة وعدة أيام، بتفكيك قواعد النظام العالمي في سابقة تاريخية، يُعاد معها تعريف الدور الأميركي الجديد على الساحة العالمية.

humanrights.jpg

في مطلع القرن الحادي والعشرين، أطلق السياسي والمفكر الأميركي باتريك جيه بوكانن صرخة تحذيرية في كتابه الشهير "موت الغرب"، معتبرًا أن الحضارة الغربية تسير نحو حتفها بسبب ما أسماه الانتحار البيولوجي الناتج عن نقص الولادات، والتآكل الثقافي الناجم عن ضياع الجذور المسيحية والقيم التقليدية. الأفول الذي تنبأ به بوكانن بات يتخذ مسارات أشد قتامة ووحشية مما خطه قلمه. فالغرب اليوم لا يواجه موتًا ديموغرافيًا صامتًا فحسب، بل يعيش حالة انكشاف أخلاقي كامل، تتجلى بوضوح في حرب الإبادة الجماعية على غزة، وفي سياسات البلطجة  تجاه كل من يرفض الانصياع لهيمنة الغرب المطلقة.

800-5.jpg

لم تكن تغريدة وليد جنبلاط حدثًا عابرًا في سجال لبناني مألوف، بل لحظة كاشفة عن توتّر عميق يتراكم تحت سطح المشهد السياسي والإعلامي. فحين قال بوضوح إن دولة عربية تقيم علاقات مميّزة مع إسرائيل — في إشارة مباشرة منه إلى الإمارات — تحاول تطويق المملكة العربية السعودية عبر حضرموت، وتُسهم في نشر الفوضى في السودان وصولًا إلى حدود مصر الجنوبية، لم يكن يطلق اتهامًا إنشائيًا، بل كان يضع إصبعه على مسار إقليمي بات يصعب تجاهله.

800.jpeg

جاءت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كوميضٍ عملياتي كثيف، حركة خاطفة تُدار على إيقاع ثوانٍ محسوبة، انتقالٌ سريع من الرصد إلى الإمساك، ومن الإمساك إلى الإخراج، ضمن سلسلة محكمة تُشبه سباق نقاط على شاشة رقمية.

800-6.jpg

من حينٍ إلى آخر، تبرز مواقف وكتابات تنطوي على دعوات صريحة للذهاب نحو خيار الفيدرالية في لبنان وسوريا والعراق، ناهيك عن طروحات مماثلة في ليبيا والسودان، بالإضافة إلى اليمن الذي غدا أوثقَ انشدادًا نحو الفدرلة، وربما إلى ما بعدها، من مصيرٍ انقساميٍّ وتقسيميّ.

G1iuAAEXIAArdcA.jpg

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

3deenero.jpg

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في صباح الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، أنّ الولايات المتحدة نفّذت عملية عسكرية داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جوًا خارج البلاد، وسط تقارير مصوّرة أكدت حدوث ضربات وانفجارات في كاراكاس، ولم تمض ساعات حتى كانت واشنطن تُعلن عن نقل مادورو إلى سجن في بروكلين بمدينة نيويورك، تمهيداً لمحاكته.

Trump-Imp.Krieg-engl.jpg

لا يُمكن قراءة الحدث الفنزويلي المتمثل باختطاف رئيس دولة من غرفة نومه مع زوجته واقتياده إلى أحد سجون نيويورك بوصفه حدثًا محليًا ولا يُمكن قراءة الحرب في أوكرانيا بوصفها حدثًا قائمًا بذاته، ولا حتى كصراع إقليمي بين روسيا والغرب. ما يجري، في جوهره، هو مرحلة ضمن عملية إعادة ترتيب شاملة لمسرح الصراع الدولي، حيث تُغلق جبهة لتُفتح أخرى، وتُخفّض كلفة الاشتباك في ساحة، تمهيدًا لنقل الثقل إلى ساحة أخطر وأكثر حساسية.

Oil-Flag.jpg

تأتي العملية العسكرية–الأمنية الأميركية المفاجئة، التي انتهت بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، بمثابة صدمة سياسية كبرى على الصعيد الدولي؛ لا على المستوى السياسي فحسب، بل أيضًا من حيث الخرق الفاضح والكلي للمبادئ والقواعد والقوانين الدولية، ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة الناظمة للعلاقات بين الدول.