داهمت التحديات والشكوك، بأسرع من أيّ توقّع، مذكرةَ التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي أوقفت بمقتضاها إحدى أخطر الحروب في الشرق الأوسط، كأن حقول ألغام انفجرت مرة واحدة.
داهمت التحديات والشكوك، بأسرع من أيّ توقّع، مذكرةَ التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي أوقفت بمقتضاها إحدى أخطر الحروب في الشرق الأوسط، كأن حقول ألغام انفجرت مرة واحدة.
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها: ما جرى في سوريا كان حرباً أهليّة، وإن كانت في الوقت نفسه حرباً بالوكالة غذّتها أطرافٌ خارجيّة بالمال والسلاح.
تشهد العلاقة الأميركية–الإسرائيلية في المرحلة الراهنة مستوى غير مألوف من التوترات السياسية والتجاذبات العلنية، خصوصًا على خلفية التطورات المتسارعة في الملفين الإيراني واللبناني. فعلى الرغم من متانة التحالف بين الطرفين واستمراره بوصفه أحد أكثر التحالفات رسوخًا في النظام الدولي، فإن الوقائع الأخيرة أظهرت اتساع مساحات الخلاف حول إدارة الأزمات الإقليمية وحدود السلوك الإسرائيلي المقبول أميركيًا.
أنهى الاتفاق الإطاري الأمريكي-الإيراني (مبدئيّا) الحرب، وفتح الباب أمام ستين يوماً من التفاوض حول الملفات العالقة، من البرنامج النووي إلى العقوبات والترتيبات الأمنية في المنطقة. غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في بنوده المباشرة، بقدر ما تكمن في النتيجة السياسية التي كشفها. فالخلاصة الأساسية للحرب، هي أن التحالف الأمريكي الاسرائيلي انتهى إلى الاعتراف بالنفوذ الإيراني، بعد أن دخل المواجهة تحت عنوان تقويضه. وإسرائيل التي سعت إلى تثبيت نفسها مركزاً إقليمياً، وقوة تقود وتقرر منفردة مصير المنطقة، أصبحت تتصرف في نهاية المطاف كذراع ضمن الاستراتيجية الأمريكية.
في التجربة السياسية العربية الحديثة، لا يبدو مفهوم «النصر» ثابتاً أو محدداً بوضوح، كما قد توحي به التعريفات الكلاسيكية المرتبطة بالحسم العسكري أو الإنجاز السياسي الملموس. بل يتخذ هذا المفهوم طابعاً مرناً وقابلاً لإعادة التشكيل، بحيث يغدو أقرب إلى بناء تأويلي يتشكل عبر تفاعل الثقافة والخطاب والحاجات النفسية للجماعة.
مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران- إذا نُفِّذت - ترسَّخ معادلاتٍ إقليمية ودولية جديدة انطلاقاً من الشرق الأوسط. وسواء أنجح التنفيذ أم لا، بسبب خرق ٍأميركيٍ أو إسرائيليٍّ فإنَّ هذه المعادلات تكرَّست واقعياً. لا عودة إلى الوراء إلَّا نحو حربٍ أشدَّ جنوناً، وأكثرَ اتساعاً تنتهي بمزيدٍ من التخريب الرأسمالي في العالم، وتُعجِّلُ في انهيارِ الإمبراطوريةِ الأميركيةِ وربيبتِها الإسرائيلية.
كان هنري كيسنجر يردد دائماً أنه يفهم في شيئين: الاستراتيجية الدولية وكرة القدم. فقد حلم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي السابق، الذي عاش قرناً كاملاً قبل أن يتوفى عام 2023، بهيمنة بلاده على الشؤون العالمية، وهو ما تحقق إلى حد بعيد، كما حلم بأن ترفع الولايات المتحدة كأس العالم، وهو الحلم الذي لم يتحقق بعد، برغم سعيه الحثيث إلى وضع بلاده على خريطة كرة القدم العالمية.
لم تعد السياسة تُقرأ بوصفها قرارات خطية يُمكن التحكم بأحداثها من الأسباب إلى النتائج، بل بوصفها مجالاً متعددًا من الاحتمالات المتداخلة، حيث لا يكون الحدث السياسي حالة واحدة، بل شبكة ممكنات.
لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.
في حياة الأمم لحظاتٌ نادرة يتوقف فيها الحاضر عن كونه امتداداً للماضي، ويتحول إلى مفترق طرق تاريخي تتزاحم عنده الأسئلة المؤجّلة والاحتمالات المفتوحة. وفي مثل هذه اللحظات لا تراجع المجتمعات سياساتها فقط، بل تعيد النظر في الأفكار والمعاني التي نظّمت وجودها المشترك ومنحته اتجاهه.