تُعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل ـ مهما بلغت دقتها ـ أن تزيلها أو تغيّرها.
تُعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل ـ مهما بلغت دقتها ـ أن تزيلها أو تغيّرها.
حتى القوة الأميركية لها حدودها. هذا ما يقوله الدرس الفنزويلي والدرس الإيراني. في كاراكاس، بدا أن واشنطن عثرت على وصفة سريعة للإخضاع: عملية خاطفة تطال رأس السلطة، واجهة دستورية تمنع الفوضى، سلطة انتقالية قابلة للتطويع، ثم إعادة فتح المورد النفطي أمام الشركات الأميركية وشبكات النفوذ الجديدة. أما في إيران، فقد اصطدمت الوصفة ذاتها بواقع مختلف: جغرافيا صعبة، دولة أكبر وأعمق، مؤسسة أمنية أكثر استعدادًا، حلفاء لا يسمحون بالعزلة الكاملة، ومضيق بحجم هرمز قادر على تحويل أي حرب محلية إلى أزمة دولية.
لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.
عند كلّ اشتدادٍ للصّراع السّياسيّ الدّاخليّ في لبنان، ولا سيّما ما يتعلّق بمسألة "المقاومة المسلّحة"، وبمسألة الجنوب والبقاع الغربيّ، يعود الكلام حول رمزيّة الإمام المُغيَّب السيّد موسى الصّدر، وحول ما يمكن تسميتُه "بتَأويل" سيرته وخطابه. فكأنّ سيرةَ هذا الرّجل-القائد المحوريّ وخطابَه وتجربتَه هي بمثابة.. مادّة مفتوحة للتّأويل السّياسيّ والتّاريخيّ الدّائم، بحيث يحاول كلّ فريقٍ أن يُنتج "موسى الصّدر" الذي يناسبه، وإلى حدّ كبير، وعند كلّ اصطدام لبنانيّ عظيم.
انتهت 8 و14 آذار يوم توقفتا عن تفسير لبنان، وبقي البلد منذ ذلك الوقت يبحث عن تعريفه أكثر مما يبحث عمّن يحكمه. فعلى مدى عشرين عاماً، حكم هذان التحالفان الحياة السياسية اللبنانية قبل أن يتآكلا تحت وطأة التحوّلات الكبرى. ما بدا عام 2005 انقساماً حاداً بين مشروعين متقابلين، انتهى عام 2026 إلى مشهد آخر، تبدّلت فيه القوى والاصطفافات، وتغيّر السؤال الذي قام عليه الانقسام من أساسه.
اعتاد الشعب اللبناني مشاهدة البرامج الحوارية التلفزيونية، حيث يُستضاف فيها سياسيون ومحللون في مشهد من الاصطفاف يبدأ بالإدلاء بالرأي الصريح وصولًا إلى التناحر والتحريض والتدافع بالأيدي أحيانًا، ولكن ما برز مؤخرًا هو زجّ المراهقين في هذا الاصطفاف ودفعهم نحو مسرح التمثيل السياسي وتنصيبهم على منابر تضج بالصراخ المتفلت.
مع قرب التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور، إلى أنه تحدّث قبل الاتفاق مع قادة كلّ دول الشرق الأوسط المعنيّة بالأزمة، قبل أن يعود ويتحدث مع بنيامين نتنياهو.
ما أن أصيبت المقاومة بنكسة كبيرة في أيلول/سبتمبر 2024، ثم على مدى 15 شهراً تلت توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حتى صار "الخيار الإسرائيلي" في لبنان له سرديته ومن يدافع عنه في السياسة والإعلام، بعدما ترسخت طويلاً فكرة أن هذا "الخيار" هُزِمَ لبنانياً في لحظة إقرار اتفاق الطائف.
منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث الجدي عن احتمال ولادة تفاهم أميركي ـ إيراني جديد، دخل الشرق الأوسط مرحلة من التوتر السياسي، وكأن المنطقة تقف على أعتاب تحوّل تاريخي يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. غير أن قراءة المشهد بعيداً عن الانفعالات والشعارات تكشف حقيقة أكثر تعقيداً، مفادها أن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تكن يوماً صراعاً تقليدياً بين عدوّين بالمفهوم الكلاسيكي، بل شكّلت على الدوام جزءاً من إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية والدولية.
إذا تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالصورة الراهنة التي تم تسريبها لوسائل الإعلام طوال الأيام الماضية، فإن طهران ستكون قد حققت نجاحًا سياسيًا حقيقيًا، وستكون الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد مُنيتا بخسارة استراتيجية كبرى.