حين يصبح الواقع السياسي مثقلًا إلى حد العجز عن تفسير نفسه، لا يعود الخيال ترفًا فكريًا ولا هروبًا أدبيًا، بل يتحول إلى أداة نقدية. التفكير في عالم موازٍ لا يعني اختراع واقع مثالي، بل النظر إلى الواقع القائم كما لو أن قوانينه ليست قدرًا نهائيًا.
حين يصبح الواقع السياسي مثقلًا إلى حد العجز عن تفسير نفسه، لا يعود الخيال ترفًا فكريًا ولا هروبًا أدبيًا، بل يتحول إلى أداة نقدية. التفكير في عالم موازٍ لا يعني اختراع واقع مثالي، بل النظر إلى الواقع القائم كما لو أن قوانينه ليست قدرًا نهائيًا.
لا تبدو المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مجرد محاولة للعثور على مخرج من حرب استنزفت الكثير من الحسابات السياسية والعسكرية. فالطريق إلى التفاهم يمر بمجموعة ملفات متشابكة، تبدأ من شروط وقف القتال ولا تنتهي عند الطاقة والملاحة والملف النووي والجنوب اللبناني. ولهذا فإن أهمية المرحلة المقبلة لا تكمن فقط في إمكانية التفاوض بل في الأسس التي سيقوم عليها، وما إذا كان كفيلاً بإنتاج تسوية قابلة للاستمرار.
الشرق الأوسط ليس خزانة ملفات، بل هو أقرب إلى بناء واحد له سقف وقاعدة وأعمدة وممرات، وربما كانت إحدى مشكلات التفكير السياسي في المنطقة أننا اعتدنا تقسيمها إدارياً أكثر مما اعتدنا قراءتها جغرافياً: ملف سوري، ملف لبناني، ملف يمني، ملف فلسطيني، وملف عراقي، كأن الحدود التي تفصل الأوراق في مكاتب وزارات الخارجية تستطيع أن تفصل الجغرافيا أيضاً.
احتاجت السلطة طويلًا إلى وجه. ملك على العرش، قائد فوق المنصة، شرطي في الشارع، سجن خلف الأسوار، مؤسسة تعرف أسماء الداخلين والخارجين. ومن هوبز إلى فوكو، ظل سؤال فلسفة السياسة يدور حول مركز القوة: من يحكم؟ من يمنحه الحق؟ كيف يفرض إرادته؟ وكيف يطيع المحكوم؟
عودٌ على بدء: ما مغزى فكرة المقاومة، وعلامَ ينطوي نهجها وممارستها في المجال العربي؟ لعلّ أبرز مظاهر محنة النخب الفكريّة والسياسيّة العربيّة تتجلّى في كيفيّة الإجابة-أو بالأحرى عدم الإجابة-على هذا السؤال المركزيّ الذي ازداد إلحاحاً في العقدين الأخيرين مع تغوّل الإمبراطوريّة الأميركيّة وربيبتها إسرائيل على مجتمعات الوطن العربي ومقدّراته. ذلك أنّ جلّ الأدبيّات المنظِّرة أو المؤرِّخة لحركات المقاومة العربيّة، ولا سيّما المشرقيّة منها، تتناولها من منظورٍ جيوسياسيٍّ ضيّق يفترض استقلالها التامّ عن بنى وأنظمة الدول الوطنيّة للأقطار الحاضنة لها.
في مقالنا الأول من هذه السلسلة، طرحنا سؤالًا رئيسيًا: "ماذا تفعل حينما تكون تائهًا وجوديًا؟" وتوقفنا عند فكرة أن الاستشارة الفلسفية مساحة مستقلة لمن يعاني من حيرة، لا من مرض بحاجة إلى علاج نفسي. انتهى المقال الأول بدعوة القارئ للتساؤل: "متى كانت آخر مرة سمحت فيها لنفسك بالتفكير بهدوء في سؤال واحد: لماذا أعيش؟".
إذا أردنا رسم تاريخ تقريبي للطرائق التي حاول الإنسان من خلالها معرفة الشعوب الأخرى، فلن نجد مراحل منفصلة تحل إحداها محل الأخرى، بل طبقات معرفية متداخلة؛ استفادت كل واحدة منها من سابقتها، وأضافت إليها. فمن روايات الرحالة والجغرافيين والمبشرين، إلى الدراسات الاستشراقية، ثم الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا وعلم الاجتماع والمسوح الاجتماعية، وصولاً اليوم إلى عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
مع الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة في سوريا، لم يعد السؤال المطروح فقط: من شارك في الثورة؟ ومن وقف على الحياد؟ ومن كان مع النظام السابق؟ بل أصبح السؤال الأهم والأخطر: أي دولة نريد أن نبني بعد الثورة؟
لم تكن العزلة الإسرائيلية شبه الكاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة مفاجئة أو عابرة. إنها لحظة كاشفة لما قد يؤول إليه مستقبلها.
باتت وفود السوريين في المهجر تتوافد على بلدهم، وباتت السلطة الجديدة والمؤسسات الدولية تتحدث عن السوريين في الخارج باعتبارهم أحد الروافد الرئيسية لتمويل التعافي. إلا أنه ليس هناك «مهجر سوري» واحد (diaspora). وهذه ربما أهم نقطة ينبغي الانطلاق منها عند الحديث عن دور السوريين في الخارج في تعافي بلدهم. فالسوري الذي يرسل مئتي دولار شهرياً إلى عائلته من ألمانيا، والطبيب السوري في الولايات المتحدة الذي يعود في مهمة طبية، ورجل الأعمال الحلبي الذي بنى مصنعه في مصر، وشبكة جمعيات من أبناء حماة تجمع عشرات الملايين، ورجل الأعمال من أصل سوري الذي يقود شركة قطرية بمليارات الدولارات، لا يقومون بالفعل الاقتصادي نفسه، ولا تتحرك أموالهم بالدوافع ذاتها.