رأي Archives - 180Post

online682.jpg

قلّما يمرّ يوم في الشرق الأوسط من دون أن تكون تركيا حاضرة في أحد ملفاته الساخنة. من سوريا، حيث تتصاعد حساسيتها حيال التحركات الإسرائيلية ويتبادل الطرفان رسائل عالية السقف، إلى شبكة علاقاتها وتحالفاتها الدفاعية الممتدة من أذربيجان إلى اتفاق مكة مع السعودية وباكستان؛ ومن ليبيا، حيث بدأت أنقرة تجني بعض ثمار حضورها الطويل بالتوازي مع التحسن المطّرد في علاقاتها مع القاهرة، إلى العراق وشرق المتوسط، وصولًا إلى اهتمام متزايد بالملف اللبناني في سياق نظرتها الأوسع إلى بلاد الشام.

810.jpg

يدخل الكيان اللبناني قرنه الثاني مثقلًا بأزمة رافقت نشأته، وعمّقتها اختلالات الصيغة السياسية والدستورية، والصدامات الأهلية، والتدخلات الخارجية، والحروب. وقد نجحت التسويات في تهدئة النزاعات وتأجيل انفجارها، لكنها عجزت عن بناء دولة تحوّل تعدد الجماعات إلى شراكة، وتجسّد مصلحةً وطنية عليا تحول دون ارتداد الاختلاف إلى نزاع على الكيان نفسه.

strait-of-hormuz.jpeg

ثمة لحظات في تاريخ المناطق تتجاوز وظيفة الحدث، وتتحول إلى مادة تأسيسية لزمن جديد. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب من هذا المعنى. حرب تمتد منذ أشهر، يتداخل فيها مضيق هرمز مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، وأمن الخليج مع أسواق الطاقة، ولبنان مع خرائط النفوذ، والممرات البحرية مع مفهوم القوة نفسه. كل ساحة تبدو متصلة بالأخرى، وكل حركة في مكان تنتج أثرًا يتردد في أمكنة أبعد، حتى بات الإقليم كله يتحرك داخل زمن استراتيجي واحد.

800-40.jpg

لم يكن مفاجئًا ما اتفق عليه معظم المراقبين والمتابعين بشأن الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، برعاية الولايات المتحدة، والتي جرت في روما بين 4 و6 آب/أغسطس. وصفها البعض، بلغة دبلوماسية، بأنها كانت متعثرة، فيما رأى آخرون، بصورة أكثر مباشرة، أنها لم تنجح في إحداث أي تقدم ملموس، ولو محدودًا، في المسار التفاوضي.

800-8.png

في عالمٍ تُقاس فيه الكفاءة بالخبرة، يُفترض أن تقترب أحكام الخبراء من بعضها كلما تشابهت الوقائع والمعطيات. فالطبيب الذي يمتلك سنوات طويلة من الممارسة، والقاضي الذي أمضى عمره بين القوانين، والمهندس الذي خاض تجارب مهنية متقدمة؛ هؤلاء يُنتظر منهم التوصل إلى قرارات متقاربة في مواجهة القضية نفسها؛ إلا أن الواقع يكشف مفارقة لافتة للانتباه؛ فقد يختلف قاضيان في الحكم على القضية ذاتها، أو يتباين تشخيص طبيبين للصورة الشعاعية نفسها، أو يمنح مسؤول قبول جامعي طالبًا فرصة الالتحاق بالجامعة فيما يرفضه مسؤول آخر، برغم تطابق المعايير والبيانات.

800-38.jpg

ربما لم يحدث في زمن سابق أن أصبح الاستهلاك بهذا القدر مرادفاً للوجود. لم تعد المسألة: ماذا أحتاج؟ بل ماذا أملك؟ والأهم: هل رأى الآخرون ما أملك؟ كأن مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» قد تحولت في زمننا إلى: «أنا أملك، إذن أنا موجود»، أو ربما: «أنا أملك، أو أستعرض ما أملك، إذن أنا مرئي، حاضر في الإطار والصورة العامة، ولست على هامشها أو حوافها، أو حتى خارجها»، كما هو حال كثيرين، بل ملايين من أبناء شعوبنا العربية اليوم. فالعدد الأكبر بات خارج الصورة.

US-Canada-trade-fight.jpg

لم يعد التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وكندا مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية، ولا مجرد جولة جديدة من المساومة بين واشنطن وأوتاوا حول شروط التجارة. ما يجري اليوم يكشف عن أزمة أعمق في العلاقات الرأسمالية داخل أميركا الشمالية، وعن تحول متزايد في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي نفسه، حيث أخذت قواعد العولمة التي حكمت التجارة الدولية لعقود تفقد قدرتها على تأمين التوازن الذي استفاد منه رأس المال العالمي طويلًا.

2E0Aj9BA-tUOmnppDAifaXm1rDAi47Fayk0edKnOy7ejs3zDqJr7b0oz30aYUbMbVErN7b6wQLz4XMkOP0VXO7fpiuo4Fqa2X3BJPLimzNDSxYISyB9ImrOAd5_Ix69BHzJyVqMnameCl59Fq46tD5mRhwUYZYw94xJSyjm3wTyjg79Zxy09xRiBk__IRVPk-1.jpg

يذكر التاريخ أنماطًا من الحروب قادها زعماء أثارت شخصياتهم وسلوكياتهم كثيرًا من الجدل، فتحولت إشكاليات فردية في اتخاذ القرار وإدراك الواقع إلى أزمات دولية ونزاعات مدمرة أنهكت شعوبًا وبدّدت أحلام أجيال بأكملها. من هنا ظلّ سؤال يتكرر كلما اندلعت حرب جديدة: ما أنماط الشخصية التي تتحكم في سلوك قادة الحروب؟

A-gift.-BECS.-ARGENTINA.jpg

منذ اندلاع الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، يصعب على المراقب أن يتجاهل، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي مرّت، أنّ شيئاً أعمق من الحرب نفسها يتحرّك تحت سطح الأحداث. فبعيداً عن ضجيج هذه الأخيرة، وعن الخطابات الأيديولوجيّة هنا وهناك، وعن محاولة كلّ طرف في الحرب إعلان انتصاره أو التّقليل من إنجازات الآخر.. تبدو المنطقة أمام مراجعة أوسع لتحالفاتها وللأسس التي قام عليها أمنها طوال عقود.