تتجاوز علاقة الإنسان بالمكان كونه مجرد حيز جغرافي صلب، ليصبح المختبر الأول الذي تتبلور فيه الهوية الفردية والجمعية، ووعاءً حياً يختزل الممارسات الثقافية والتاريخية.
تتجاوز علاقة الإنسان بالمكان كونه مجرد حيز جغرافي صلب، ليصبح المختبر الأول الذي تتبلور فيه الهوية الفردية والجمعية، ووعاءً حياً يختزل الممارسات الثقافية والتاريخية.
في لحظة إقليمية مشبعة بالتصعيد المحسوب والتوازنات الدقيقة، يعود الحديث عن السلام بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، لا بوصفه خياراً ناضجاً، بل كاحتمال يُطرح تحت ضغط التحولات أكثر مما ينبع من قناعة راسخة. تتقاطع في هذا المشهد حسابات دولية وإقليمية مع واقع لبناني داخلي منقسم، ما يجعل أي مقاربة لمسألة السلام محكومة بتعقيدات تتجاوز حدود القرار السيادي التقليدي.
ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.
في اليوم التّالي تقريباً لإعلان اغتيال المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران السيد علي الخامنئي على يد الجَيشَين الاسرائيليّ والأميركيّ، أو بالأحرى في وسط اللّيلة التّالية لهذا الإعلان، فاجأ “حزب الله” – أقلّه في الظّاهر – الحكومة اللّبنانيّة وأغلب أركان الدّولة اللّبنانيّة بانخراطه عمليّاً في الحرب الدّائرة في الإقليم، مُعلناً أنّه قد قام بمهاجمة عدد من الأهداف الاسرائيليّة شمال الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، ممّا أدخل الجبهة اللّبنانيّة عمليّاً في المواجهة العسكريّة والأمنيّة المعقّدة القائمة حاليّاً في المنطقة.
«قل لي من تعايش.. أقول لك من أنت». لا بد أن أغلبية اللبنانيين تستشهد بهذا المثل إما أمام ابنهم الطائش أو أمام شريك تجاري خرج عن خط الأمانة.. أو سياسي يُوجّه ملامة لرفيق درب بدأ ينزلق نحو الجل المقابل أو إعلامي يُردّد عبارات لم تكن مألوفة في قاموسه السياسي الإعلامي.
ما شاهدناه في منطقة الخليج في الساعات الماضية، يشي بأن الهدنة المعلنة ليست سوى توقفٍ محسوب في إيقاع الحرب، لا نهايتها. فالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران انتقل من ساحات النار إلى مساحات الرماد، حيث الغموض أداة، والتأجيل سياسة، والتصعيد احتمال دائم. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُدار المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما تبقى نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات.
لم يعد من الممكن قراءة التجربة اللبنانية من زاوية الانقسام الطائفي بوصفه أزمة قابلة للإدارة أو الاحتواء. فبعد ما يقارب أربعة عقود على اتفاق الطائف، تبدّل موقع المشكلة داخل بنية النظام نفسه، لم يعد السؤال كيف يُدار الانقسام، بل كيف تحوّل هذا الانقسام إلى القاعدة التي يقوم عليها النظام.
لم يعد النقاش في لبنان يدور حول سلاحٍ أو تفاوضٍ أو حدودٍ فحسب، بل حول سؤالٍ أبعد وأخطر: أيّ دولة يريدها اللبنانيون، وأيّ دولة يمكن أن تُؤتمن على قرار الحرب والسلم؟ في لحظةٍ تختلط فيها نار الجنوب بانقسام الداخل، ويعلو فيها صوت التفاوض مقابل صوت المقاومة، تتكشف أزمة أعمق من كل العناوين المعلنة: أزمة ثقة بدولةٍ لم تُستكمل شروطها، وبنظامٍ لم يُطبّق عقده المؤسس إلا على نحوٍ انتقائي. من هنا، يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة، لا بوصفه نصًا يُستدعى عند الحاجة، بل بوصفه وعدًا مؤجّلًا لدولةٍ لم تولد بعد.
أن نُكرّم فرداً أو جماعة هو فعل تقدير عميق. هو رسالة كريمة ـ التكريم كلمة مشتقة من الكرم في لغتنا الجميلة ـ فحواها اعتراف بإبداع فرد أو جماعة، اعتراف بجهوده (جهودها) الخلاقة أو مرتبته (مرتبتها) الرفيعة في محيط قريب أو مجتمع أرحب.
في الوقت الذي يرفع فيه الشارع المغربي صوته عاليًا تضامنًا مع غزة، تمضي الهرولة الرسمية نحو التطبيع إلى مستويات غير مسبوقة، تتجاوز الاتفاقيات الدبلوماسية لتطال الوجدان الشعبي والفضاء العام. لم يكن رحيل اليهود المغاربة، بدءًا من عام 1948، مجرد هجرة نحو "أرض الميعاد" كما تروّج السردية الصهيونية، بل كان عملية اقتلاع قسرية حُوِّلت أثمانها إلى حسابات بنكية سرية.