لم يكن "اتفاق الإطار" اللبناني الإسرائيلي الصادر في واشنطن مجرد إجراء تقني لتهدئة الحدود أو تدبير أمني لإدارة الصراع، بل مثّل محطة تحول هيكلي في موقع لبنان الإقليمي والدولي.
لم يكن "اتفاق الإطار" اللبناني الإسرائيلي الصادر في واشنطن مجرد إجراء تقني لتهدئة الحدود أو تدبير أمني لإدارة الصراع، بل مثّل محطة تحول هيكلي في موقع لبنان الإقليمي والدولي.
يشكل القرار الذي اتخذه البابا لاوُن الرابع عشر بشأن منح سينودسات الكنائس البطريركية صلاحية السير في إجراءات عزل البطريرك من منصبه تحولًا ذا دلالة عميقة في بنية الحكم الكنسي الشرقي وفي العلاقة بين السلطة البطريركية والسلطة السينودسية والكرسي الرسولي.
جديرٌ بالاهتمام تعبير الإمام السيد موسى الصدر بـ"الأوهام"، و"الحجج الواهية"، في وصفه مرتكز الفعل الدبلوماسي للسلطة اللبنانية، والذي ذكره في سياق موقف احتجاجي-نقدي لنهج تلك السلطة، وذلك على خلفية تعامل تلك السلطة مع العدوان الإسرائيلي على بلدة كفرشوبا، سنة 1975.
ثمانية وأربعون عاماً على غياب الإمام السيد موسى الصدر. غيابٌ ما زال أبعد من قضية رجل خرج في رحلة ولم يعد.. لقد غاب الصدر في واحدة من أكثر لحظات لبنان قسوة وحساسية، حين كانت الحرب اللبنانية، منذ عام 1975، تمزق المجتمع اللبناني، بينما كان الجنوب اللبناني مكشوفاً أمام الخطر الإسرائيلي بعد اجتياح 1978. بعد قرابة نصف قرن، تبدّلت الوجوه والتحالفات والحروب، لكن أسئلة كثيرة بقيت معلّقة: أي دولة يريدها اللبنانيون؟ أي مواطنة تجمعهم؟ وكيف يمكن حماية وطن متعدد من خطر الخارج إذا ظل داخله هشاً، ومنقسماً؟ وهنا، تحديداً، تستعيد أفكار الصدر راهنيتها.
كانت إحدى القواعد المتعارف عليها، غير المكتوبة في التاريخ الاستراتيجي، أن إنتاج أثر كبير يحتاج إلى فاعل كبير. فالحرب تحتاج إلى دولة، والجيوش تحتاج إلى ملايين البشر، والقوة الاستخبارية تحتاج إلى مؤسسات واسعة وخبراء مختصين ومال وفير، والتأثير الإعلامي يحتاج إلى شبكات ضخمة، أما القدرات الاستراتيجية المعقدة فتحتاج إلى موارد ومال وبنية تحتية ولوجستيات لا تتوافر عادة إلا للدول والمؤسسات الكبرى؛ لكن هذه العلاقة التاريخية بين حجم الفاعل وحجم الأثر بدأت تتعرض لتبدلات عميقة.
للسؤال عن كيفية بناء المواطنة السورية في زمن الجراح وجهٌ آخر، أقلّ ظهوراً وربّما أكثر عمقاً: كيف نبني الانتماء لدى إنسان لم يعُد واثقاً من معنى الانتماء نفسه؟ وكيف يقتنع بالمواطنة إذا كانت كلمات مثل «الوطن»، و«الدولة»، و«القانون»، و«العدالة»، و«الثورة»، و«المقاومة»، و«المصلحة الوطنية» قد استُهلِكت خلال عقود في خطابات متناقضة، حتى باتت الكلمة الواحدة قادرة على أن تعني الشيء ونقيضه؟ إنّ أزمة المواطنة السورية هي أيضاً تاريخٌ طويلٌ من الاغتراب.
عزيزي القارئ، في الأسطورة اليونانية، كانت طروادة قلعةً عصية على الاقتحام. عشر سنوات من الحرب لم تكن كافية لكسر أسوارها، إلى أن أدرك الإغريق أن القلعة التي يستحيل فتح أبوابها بالقوة يمكن أن تُفتح من داخلها. فكان حصان طروادة.. والبقية، وأنت سيِّد العارفين معلومة لديك.
لم تعد المواجهة التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران مجرد محاولة لإجبار طهران على تقديم تنازلات تحت ضغط العقوبات والتهديد العسكري. فما يتشكل اليوم يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، ليصبح اختباراً لمعادلة أوسع: من يملك القدرة على فرض شروطه في المنطقة؟ ومن يستطيع تحويل أدوات الضغط المستخدمة ضده إلى عناصر قوة في مواجهتها؟
لا يجوز التقليل من أهمية الحرب الاقتصادية التي أعلنتها الإدارة الأميركية ضد إيران، لكن اللافت للانتباه أن معظم العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية ليست جديدة؛ إذ أن جانباً كبيراً منها فُرض على إيران منذ العام 2018، عندما انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الذي أُبرم في العام 2015. الجديد اليوم هو تشديد هذه العقوبات وتوسيع نطاقها، بحيث لا يقتصر تأثيرها على الشركات والمؤسسات، بل يمتد إلى الدول التي تتعامل مع إيران.
قلّما يمرّ يوم في الشرق الأوسط من دون أن تكون تركيا حاضرة في أحد ملفاته الساخنة. من سوريا، حيث تتصاعد حساسيتها حيال التحركات الإسرائيلية ويتبادل الطرفان رسائل عالية السقف، إلى شبكة علاقاتها وتحالفاتها الدفاعية الممتدة من أذربيجان إلى اتفاق مكة مع السعودية وباكستان؛ ومن ليبيا، حيث بدأت أنقرة تجني بعض ثمار حضورها الطويل بالتوازي مع التحسن المطّرد في علاقاتها مع القاهرة، إلى العراق وشرق المتوسط، وصولًا إلى اهتمام متزايد بالملف اللبناني في سياق نظرتها الأوسع إلى بلاد الشام.