رأي Archives - 180Post

Ablenkungsflut.jpg

نعيش منذ سنوات في عالم مرتبك في تطلعاته وأساليبه؛ عالمٌ على طريق الانحدار صادف في طريق انحداره رئيساً جديداً للولايات المتحدة اختار تسليط التهديدات وسيلة عساه ينجح في أن يستعيد بها بعض أو جل ممارسات الهيمنة التي درجت عليها أميركا في نهايات القرن الماضي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال نظام القطبين وانفراد أميركا بالهيمنة. 

800-40.jpg

تكوّنت الدولة تاريخيًا كمساحة تنظّم الوجود المشترك، وتحوّل الجماعة إلى كيان سياسي قابل للاستمرار. في هذا الإطار، نشأت السلطة بوصفها وعدًا بالحماية، وشكلًا للانتماء، ونظامًا يمنح الحياة اليومية إيقاعها. المواطن وُلد طويلًا داخل هذا النسق، يتعلّم الدولة في المدرسة، يراها في الإدارة، يشعر بها في الجيش والعملة والحدود، ويكوّن ولاءه عبر الزمن والخبرة والاحتكاك.

56565656.jpg

تذكّرك التقارير الحديثة أن مهنتك التي عشقتها، أو ربما أدمنتَها، والتي دفعت أثمانًا كبيرة لتبقى على هامشها إن لم تستطع أن تكون في قلب مشهدها، إنها في طريقها إلى الانقراض، أقلّه بصيغتها التي عرفناها. ليس لأن العالم لم يعد بحاجة إلى الصحافة، بل لأن الإعلام، عبر سنوات طويلة، وفي محاولاته للبقاء وعدم الانقراض وسط أمواج كبيرة من عالم يتحوّل إلى التكنولوجيا الحديثة السريعة جدًا، حوّل المتلقي إلى وسائل التواصل ليتلقى الخبر أثناء وقوعه، لا لينتظر حتى موعد صدور الجريدة أو نشرة الأخبار على محطتك المفضلة. هنا يأتي الخبر سريعًا في بضع كلمات أو سطر، وبعدها تعود لما كنتَ أنت فيه من أعمال أو واجبات، أو حتى لفضاءات واسعة لرجال ونساء برزوا فوق زبد وسائل التواصل، بأسماء وتعريفات، لينشروا أي شيء وكل شيء، وكثير منه لا يحمل سوى التسطيح والبلاهة.

800-38.jpg

في العقدين الأخيرين، شهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة في بنية الأمن والسياسة، أعادت رسم خريطة الفواعل المؤثرة، وأبرزت ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفهم لاعبين مركزيين، لا مجرد أطراف هامشية في الصراعات. فقد ترافق تراجع الدولة الوطنية، وتآكل مؤسساتها، وتفكك قدرتها على احتكار العنف المشروع، مع صعود جماعات مسلحة استطاعت أن تملأ فراغات السلطة والأمن، وأن تفرض نفسها جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، سواء بالقوة الميدانية أو بالشرعية الرمزية والهوياتية.

Murderer-copia.jpg

داهمت التحديات الصعبة «مجلس السلام»، أو بالأحرى «مجلس ترامب»، في لحظة التوقيع على وثيقته التأسيسية. فكرته تتمحور حول شخصية ورؤى وتصورات، أو نزوات وأهواء الرئيس الأمريكي دونال ترامب؛ فهو وحده الذي يقترح ويوجّه، ويملك حق التعيين والعزل في مؤسساته المفترضة.

Chaos.jpg

نعم؛ عندما يتحدى دونالد ترامب أوروبا، ويُوجّه التهديدات والإهانات إلى القادة الأوروبيين ومجتمعاتهم، فإنه في الحقيقة يخاطب ناخبيه. لماذا؟ لأن تركيزه منصبّ على انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر من هذه السنة، ويريد أن يتذكّر ناخبوه أنه يسعى للدفاع عن أمريكا، وأنه يحاول ضمّ أراضٍ جديدة، وهذا أمر رمزي بالغ الأهمية، إذ إن هذه الرغبة في التوسع الإقليمي راسخة في وجدان الشعب الأمريكي، الذي يعيش تحت قوس «القدر المحتوم».

878.jpg

في السنوات التي تلت ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، بدأ المزاج السياسي في أوروبا يميل إلى مزيد من التوتر والاستقطاب، لا بسبب عامل واحد بل بفعل تراكب أزمات متلاحقة، من اقتصاد متعافٍ ببطء، إلى هجمات إرهابية صدمت الرأي العام، ثم موجات لجوء غير مسبوقة. داخل هذا المناخ، صار ملف الهجرة نقطة تماس يومية بين السياسة والأمن والهوية، وصار أيضًا موضوعًا مناسبًا لتنافس القوى الدولية على النفوذ، أو على الأقل لاستثمار الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية.

750-5.jpg

ليست الأزمة التي يعيشها العالم العربي اليوم أزمة موارد، ولا نقص كفاءات، ولا خللًا تقنيًا في الإدارة والتخطيط، على الرغم من خطورة هذه العناصر جميعًا؛ ما نواجهه، في عمقه الأبعد، هو أزمة معنى، أزمة تمسّ الأساس الذي يمنح الفعل الإنساني مبرّره، ويحوّل الإنجاز من حركة صاعدة في الفراغ إلى تجربة لها وزنها الأخلاقي والتاريخي. فحين يفقد المعنى موقعه المركزي، لا يعود التقدّم تقدّمًا، بل تسارعًا أعمى بلا اتجاه.

800-36.jpg

مطلع عام 1992، وبعد انتهاء عملية «عاصفة الصحراء» وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قيام «النظام العالمي الجديد». ارتكز هذا النظام على نهاية الثنائية القطبية وحلول نظام أحادي القطبية، تكون فيه الولايات المتحدة القطب الأوحد وزعيمة العالم من دون منافسة.

IMG_0523.jpg

في كلمته الأخيرة في منتدى دافوس تخلى مارك كارني، رئيس وزراء كندا، عن لغة الدبلوماسية والمفردات الرمادية. تعمد عن سابق إصرار وترصد استخدام خطاب صادم سياسيًا وأخلاقيًا. أعلن صراحة أن النظام الدولي ممزق. وأن القواعد التي قُدمت للعالم لم تكن إلا كذبة مؤسسة على خطاب أخلاقي مزدوج. بينما كانت إدارة كوكب الأرض تسير بمنطق القوة والمصالح والمعايير المزدوجة.