فالخطاب الغربي الذي يلوّح بالعقوبات والضربات ويتحدث عن “تغيير السلوك” يعرف في العمق أن إسقاط النظام الإيراني ليس انتصارًا مضمونًا، بل مقامرة جيوسياسية مفتوحة على فوضى أوسع من حدود إيران نفسها. وبينما تُقدَّم طهران للرأي العام بوصفها مصدر عدم الاستقرار، تتعامل معها غرف القرار كحقيقة لا يمكن القفز فوقها، وخصم لا غنى عنه في إدارة توازنات الشرق الأوسط.
في هذا التناقض بين الخطاب والممارسة، تتجلى معضلة إيران الحقيقية: عدوّ تعلن العداء له، فيما يُمنع سقوطه لأنه بلا بديل قابل للحكم.
العراق وأفغانستان كذاكرة غير قابلة للتجاهل
التحفّظ الغربي إزاء إسقاط النظام الإيراني لا ينبع من حرص أخلاقي ولا من مراجعة مبدئية، بل من ذاكرة ثقيلة اسمها العراق وأفغانستان. ففي الحالتين، أُسقطت أنظمة وُصفت بالعدائية، من دون وجود بديل فعلي قادر على الحكم، فتحوّل “النصر العسكري” إلى فراغ سياسي طويل الأمد، أنتج فوضى، وانقسامات داخلية، وتهديدات تجاوزت حدود الدول المعنية. العراق لم يتحول إلى حليف مستقر، وأفغانستان لم تُبْنَ كدولة، بل أصبحتا مثالين على كلفة إسقاط الدولة قبل ضمان ما بعدها. هذه التجارب لم تجعل الغرب أكثر تواضعًا في خطابه، لكنها جعلته أكثر حذرًا في قراراته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم إيران، وتعقيدها الجغرافي والديموغرافي والمؤسساتي.
وفيما يتكرر السؤال حول احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية لإيران، يُطرح هذا السؤال غالبًا بشكل مبتور: هل ستُضرب إيران أم لا؟
السؤال الأدق، والأكثر إزعاجًا لصنّاع القرار، هو: ماذا بعد الضربة؟
وأكثر منه خطورة: ما البديل عن النظام القائم؟
هنا لا نتحدث عن دولة هامشية، بل عن إيران بوصفها عقدة جيوسياسية كبرى، تقع في قلب توازنات الطاقة، الأمن، الممرات الاستراتيجية، والصراعات الدولية.
أولًا؛ الضربة كأداة لا كهدف
من منظور إسرائيلي، لا تُختزل المشكلة في النظام الإيراني بحد ذاته، بل في قدراته الاستراتيجية: البرنامج النووي، شبكة الصواريخ، والنفوذ الإقليمي. الهدف الإسرائيلي، تاريخيًا، ليس إسقاط النظام، بل منع تحوّله إلى قوة لا يمكن ردعها. فإيران نووية، أو قريبة من النووي، تعني تقييد حرية العمل العسكري الإسرائيلي، وتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها.
أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى إيران من زاوية أوسع: دولة تتحدى نظام العقوبات، تبني اقتصاد ظل، وتتحالف مع روسيا والصين خارج المنظومة الغربية. ومع ذلك، لا ترى واشنطن في إسقاط النظام أولوية، بل تعتبره مغامرة عالية الكلفة في منطقة خبرت نتائج “تغيير الأنظمة” الكارثية. لذلك، تُستخدم الضربة، إن طُرحت، كأداة ضغط قصوى، لا كمشروع إعادة تشكيل شامل.
في ميزان المصالح الكبرى، تبدو إيران اليوم خصمًا مزعجًا لكنه قابل للاحتواء، وأخطر ما في إسقاطها يتمحور حول ما قد يأتي من بعدها. إيران الضعيفة ليست مصلحة لأحد، وإيران القوية بلا ضوابط ليست مقبولة. لذلك، تُترك في المنطقة الرمادية: لا تُسقَط ولا تُترَك لتنتصر
ثانيًا؛ معضلة البديل
المشكلة الجوهرية أن لا بديل واضحًا، متماسكًا، وقابلًا للحكم في إيران اليوم. التعويل على شخصيات من الخارج، كنجل الشاه المخلوع رضا بهلوي، يصطدم بواقع ضعف القاعدة الشعبية، وغياب التنظيم، وانعدام أدوات السيطرة على مؤسسات الدولة. كما أن أي عودة للملكية تُقرأ داخليًا كفرض خارجي، لا كخيار وطني.
في المقابل، لا يملك التيار المدني أو الإصلاحي قدرة تنظيمية أو أمنية تمكّنه من إدارة مرحلة انتقالية في دولة بحجم وتعقيد إيران. أما خيار الانقلاب العسكري، فهو شبه مستحيل لأن الحرس الثوري ليس مؤسسة منفصلة عن النظام، بل هو أحد أعمدته الأساسية. وبالتالي، فإن إسقاط النظام لا يفتح تلقائيًا باب الاستقرار، بل قد يفتح أبواب الفوضى أو التشدد.
ثالثًا؛ هل من تشابه بين إيران والاتحاد السوفياتي؟
يمكن مقارنة إيران بالاتحاد السوفياتي في أواخر الحرب الباردة من حيث المنطق الاستراتيجي: نظام أيديولوجي مأزوم بلغ مرحلة الإرهاق، خصم عقلاني يتم احتواؤه ولا يُسقط، وتُستخدم ضده أدوات الاستنزاف الاقتصادي والضغط السياسي بدل الحرب المباشرة.
لكن الفروق حاسمة. إيران ليست قوة عظمى، ولا تقود نظامًا دوليًا موازيًا، ولا تمتلك مظلة نووية رسمية. في المقابل، هي أكثر هشاشة اقتصاديًا، وأكثر اعتمادًا على شبكات نفوذ غير رسمية. ومع ذلك، تشترك مع السوفيات في نقطة أساسية: العقلانية في إدارة الصراع، أي معرفة حدود الذهاب إلى المواجهة الشاملة.
رابعًا؛ متى يصبح النظام عبئًا؟
الأنظمة لا تُسقط لأنها استبدادية أو معادية، بل عندما تتحول إلى عبء غير قابل للإدارة. في الحالة الإيرانية، يتحقق ذلك فقط إذا ترافقت عدة عوامل معًا:
- فقدان القدرة على الضبط الداخلي بشكل شامل.
- تحوّل السلوك الخارجي إلى فوضوي وغير خاضع للردع.
- فقدان الدور الوظيفي في ضبط توازنات الإقليم.
- انهيار شبكة الحماية السياسية التي توفرها علاقاتها مع روسيا والصين.
حتى الآن، لم تجتمع هذه الشروط. فالنظام، برغم ضعفه النسبي، ما زال قادرًا على الحكم وإدارة أزمة تلو أزمة منذ ثورة 1979 حتى يومنا هذا، وبالتالي ما زال قادرًا على ضبط إيقاع التصعيد، وعلى لعب دور لا يمكن تجاهله في العراق، والخليج، وآسيا الوسطى وجنوب غرب آسيا.
خامسًا؛ روسيا والصين حماية بلا التزام مطلق
تحالف إيران مع موسكو وبكين لا يعني ضمانة وجودية، لكنه يرفع كلفة إسقاطها. روسيا والصين لا تخوضان حربًا من أجل إيران، لكنهما لا ترغبان أيضًا في انهيار دولة مركزية على تخوم مصالحهما الاستراتيجية. هذا العامل يجعل أي سيناريو إسقاط شامل محفوفًا بتداعيات دولية أوسع من الشرق الأوسط. ما عدا ذلك، يُصبح استهداف الصين وروسيا أسهل في الحسابات الأميركية على قاعدة “أُكِلْتُ يومَ اُكِلَ الثور الأبيض”.
خصم مُدار أم فراغ خطير؟
في ميزان المصالح الكبرى، تبدو إيران اليوم خصمًا مزعجًا لكنه قابل للاحتواء، وأخطر ما في إسقاطها يتمحور حول ما قد يأتي من بعدها. إيران الضعيفة ليست مصلحة لأحد، وإيران القوية بلا ضوابط ليست مقبولة. لذلك، تُترك في المنطقة الرمادية: لا تُسقَط ولا تُترَك لتنتصر.
النتيجة الواقعية ليست انتصارًا حاسمًا ولا هزيمة نهائية، بل إدارة صراع طويلة الأمد، تُستخدم فيها الضغوط، والضربات المحدودة، والتفاوض، لإبقاء النظام ضمن حدود يمكن التحكم بها. هذا ليس خيارًا أخلاقيًا، بل حساب مصالح بارد، وهو ما يحكم سلوك الدول الكبرى، لا التمنيات ولا الشعارات.
لكن ما يتم تجاهله هو أن مصير الدول لا يُحدَّد فقط في غرف القرار الغربية، ولا أن شعوب المنطقة مجرّد متغيّرات في معادلات أمنية. في الشرق الأوسط، كما في إيران، هناك مجتمعات تدافع، بصرف النظر عن موقفها من أنظمتها، عن أرضها، وتاريخها، وحقها في تقرير مستقبل أبنائها. هذا الحق، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في النظام الدولي، يصطدم اليوم بعقيدة ترى في القوة أداة تقرير، لا في الإرادة الشعبية ولا في سيادة الدول.
من هنا، يصبح فهم إيران كـ”عدو بلا بديل” انعكاسًا لأزمة أوسع: أزمة نظام دولي يُفضّل خصمًا مُدارًا على فوضى غير مضمونة، لكنه في الوقت نفسه يرفض الاعتراف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة ولا يُبنى بتجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها. وبين هذين التناقضين، تستمر إيران، ومعها المنطقة، في العيش داخل مساحة رمادية، لا حرب فاصلة ولا سلام مستقر، بل صراع طويل تُديره المصالح أكثر مما تحكمه المبادئ، ويستبدل حق تقرير المصير بمنطق القوة.
