بوتين المهووس بالخرائط.. هل يتعلم من دروس أسلافه؟

سؤالٌ يتردّد بكثافة في وسائل الإعلام الغربية. سؤالٌ لا يبحث عن إجابة مباشرة، بل عن فهم لطبيعة العقل الاستراتيجي الروسي؛ إذ لا تتحرك موسكو لمجرد وجود ظلم، أو بدافع ردة الفعل السريعة، بل تتدخل فقط عندما يصير التدخل جزءًا من معركة أوسع تتعلّق بإعادة رسم التوازنات الدولية، وليس فقط لإطفاء حريق هنا أو هناك. فالمسرح الشرق أوسطي بالنسبة إلى روسيا ليس منفصلًا، بل هو فصل من فصول الصراع على النظام الدولي نفسه. ومن هذه الزاوية، يُطرح سؤال: متى تتدخل روسيا؟ وهو سؤال أدقّ وأخطر: متى ترى موسكو أن غيابها بات يُهدّد موقعها في الخريطة الكبرى للعالم؟

خلال خمس سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، صعد الاتحاد السوفييتي إلى قمة النظام الدولي. يومها جلس جوزف ستالين في اجتماع يالطا ليُقسّم العالم إلى مناطق نفوذ على أساس منطق القوة والقدرة على فرض الوقائع. في ذلك الوقت، كانت أوروبا الشرقية وأوراسيا والبلقان ضمن دائرة النفوذ السوفييتي، مما وفّر العمق الأمني والسياسي وطمأن القيادة الروسية.

***

اليوم تغيّرت الصورة جذريًا. فالخرائط ذاتها التي كانت تبعث الطمأنينة أصبحت مصدر قلق. النار تنهش الخريطة الأمنية والسياسية لروسيا؛ إذ تُدار الحرب في قلب العمق الاستراتيجي الروسي في أوكرانيا، ويقترب حلف “الناتو” تدريجيًا من المجال الحيوي الروسي. في العقل الأمني الروسي، هذه ليست خريطة هجوم، بل خريطة حصار. ولا يمكن لأي حاكم في الكرملين أن يجلس مرتاحًا أمام خريطة كهذه. ولهذا يصرّ بوتين في خطاباته على أن ما تقوم به روسيا هو دفاع عن الوجود، وليس توسعًا إمبراطوريًا تقليديًا.

بحكم الجغرافيا، لا تنتمي روسيا بالكامل إلى أوروبا، كما أنها ليست آسيوية بحتة. هذا الامتداد الشاسع للأرض الروسية فرض على قادة روسيا عبر التاريخ تبنّي عقلية أمنية تجمع بين الهجوم والدفاع في آنٍ واحد. فكل توسّع روسي يُبرَّر باعتباره إجراءً دفاعيًا يهدف إلى حماية الأمن القومي، وكل عمل دفاعي يتطلب توسعًا استباقيًا نحو المناطق المحيطة لدرء المخاطر قبل اقترابها من القلب الروسي. ومن هنا، يصبح من المتعذّر فهم السياسة الروسية دون إدراك الهاجس الجغرافي الذي يشكّل أساس القرار الاستراتيجي.

هذه العلاقة الجدلية بين القوة والموقع الجغرافي ما تزال تهيمن على قرار روسيا ووجهتها المستقبلية، كما كانت حاضرة بقوة في عقول القادة الروس عبر العصور. فقد حكمت هذه الجدلية تفكير بطرس الأكبر حين قرر الانفتاح على أوروبا وفتح نوافذ جديدة للتواصل والقوة، كما ظهرت بوضوح في سياسات ستالين بعد الحرب العالمية الثانية عندما أعاد رسم حدود النفوذ السوفييتي، وتستمر اليوم في توجهات بوتين الذي يسعى إلى الحفاظ على ما تبقّى من المجال الحيوي الروسي عقب تفكك الاتحاد السوفييتي.

***

الأكيد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُقلّب الخرائط على مكتبه في الكرملين بعد سقوط النظام في سوريا وحرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران. هذه الخرائط ليست مجرد أوراق ملوّنة تحدد حدود الدول، بل هي اختزال كثيف للتاريخ والدم والقلق الممزوج بطموحات القوة، إضافة إلى حدود الممكن لهذه القوة في ظل نظام دولي مضطرب. يُدرك بوتين، أكثر من أي وقت مضى، أن السنوات القادمة ستكون حاسمة لمستقبل روسيا، ليس فقط بصفتها دولة كبرى، بل بكيفية أعادة تأكيد هيبتها وقوتها ونفوذها، والأهم من ذلك مكانتها في عالم لا يعترف عادة بالفراغات.

دفعت روسيا عشرات الملايين من القتلى، وأضعافهم من الجرحى والمعوقين، ودمارًا واسعًا لمدنها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فكان ذلك سمة ولّادة لنظام دولي قائم على ركيزتين اثنتين. اليوم، تدفع روسيا ثمن الانكفاء بالقتال على أرضها، لجعلها دولة لا يتعدى نفوذها إقليمها الحيوي. يسقط لروسيا في هذه الحرب عشرات الآلاف من القتلى، وفي النهاية يُطلّ سيد البيت الأبيض ليفرض مجلس سلام دوليًا، يريد لروسيا أن تكون ممثَّلة فيه مثل أي دولة من دول العالم الثالث أو العاشر

يزداد المشهد تعقيدًا بسبب عدم استقرار النظام الدولي نفسه. فالولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض النظام، وأوروبا تعاني من شيخوخة سياسية واستراتيجية، بينما تصعد قوى أخرى كالصين والهند ضمن معادلات مختلفة. وفي ظل هذا الفراغ النسبي، ترى موسكو فرصةً وخطرًا في آنٍ واحد: فرصة لإعادة تثبيت موقعها، وخطرًا من أن يُعاد تشكيل العالم من دونها. بوتين لا ينظر فقط إلى أوكرانيا، بل يراقب القوقاز وآسيا الوسطى والقطب المتجمد الشمالي والشرق الأوسط، فكل ساحة من هذه الساحات تشكّل جزءًا من لوحة واحدة، وخسارة الموقع في إحدى هذه الساحات تعني تراجعًا في موقع آخر.

***

من هنا، تتحرك روسيا خارج حدودها بعقلية أوراسية قلقة تختلف عن العقل الأطلسي المغامر. تتبنّى سياسة القضم لمنع التآكل البطيء لنفوذها، بعكس العقل الأميركي الذي يعتمد سياسة النفوذ تحت نار المدفع والبندقية. تتحرك روسيا وفق الأولويات، لا بحسب وضع الحلفاء. ويُذكر أن الدخول الروسي إلى سوريا جاء بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب فيها وعليها، وها هي تُصرّ على صياغة تفاهمات وآليات مع السلطة السورية الجديدة من أجل ضمان استمرار حضور أساطيلها في المياه المتوسطية الدافئة.

روسيا اليوم قوة عظمى بمستقبل قلق، إذ تُلازمها لعنة الجدلية الأوراسية؛ جدلية تجعل القلق سمة ملازمة لكل قوة تدرك هشاشة التوازن الدولي. فالحاكم في موسكو، أيًّا كان اسمه أو زمنه، مجبول على عقلية لا تهدأ قبل تأمين العمق الاستراتيجي. فالتوازن بين القوى ليس خيارًا في العقيدة الروسية، بل هو جوهر التفكير السياسي والعسكري منذ قرون. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كيف ترى روسيا نفسها في موقع الدفاع حتى وهي تخوض حربًا مفتوحة خارج حدودها الرسمية. هذا التناقض الظاهري يبدو منطقيًا ومتسقًا مع تاريخ طويل من الغزوات القادمة من الغرب، من نابوليون إلى هتلر، وصولًا إلى التمدد الأطلسي المعاصر.

إقرأ على موقع 180  رؤية بوتين للعالم.. أبعد من الضم

أساس القلق الروسي ليس آنيًا، بل تاريخيًا. فهو قلق دولة تعرف أن الانكماش في لحظة ضعف قد يتحول إلى انهيار طويل الأمد. لذلك يظهر بوتين، في نظر كثيرين، مهووسًا بالخرائط. وفي الحقيقة، هو مهووس بالعلاقة بين التاريخ والجغرافيا، وبالدروس القاسية التي تعلّمتها روسيا عندما تجاهلت إشارات الخطر. في النهاية، لا يمكن قراءة السياسة الروسية المعاصرة خارج هذا الإطار: دولة كبرى تحاول إعادة تعريف أمنها في عالم يتغير بسرعة، وتواجه تمددًا ترى فيه تهديدًا وجوديًا لا مجرد منافسة سياسية.

***

قد يختلف كثيرون مع خيارات موسكو أو ينتقدون أدواتها، لكن تجاهل ميكانيزماتها الداخلية خطأ تحليلي مضلل للرؤية. تقف روسيا اليوم بين ذاكرة القوة ومخاوف المستقبل. ولن تكون السنوات الثلاث المتبقية لإدارة دونالد ترامب في البيت الأبيض مجرد فترة حكم أو زمن في الصراع الدولي، بل مرحلة اختبار حقيقي لمكانة روسيا في نظام دولي يُعاد رسمه خريطةً بعد خريطة. إنها لحظة تاريخية فارقة في العقل الروسي.

دفعت روسيا عشرات الملايين من القتلى، وأضعافهم من الجرحى والمعوقين، ودمارًا واسعًا لمدنها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فكان ذلك سمة ولّادة لنظام دولي قائم على ركيزتين اثنتين. اليوم، تدفع روسيا ثمن الانكفاء بالقتال على أرضها، لجعلها دولة لا يتعدى نفوذها إقليمها الحيوي. يسقط لروسيا في هذه الحرب عشرات الآلاف من القتلى، وفي النهاية يُطلّ سيد البيت الأبيض ليفرض مجلس سلام دوليًا، يريد لروسيا أن تكون ممثَّلة فيه مثل أي دولة من دول العالم الثالث أو العاشر.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  استقالة لافروف تنتظر حل معضلة البديل