مع تعطل أحد أهم شرايين النفط في العالم، أي مضيق هرمز، لم يعد البحث عن بدائل مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح ضرورة استراتيجية تدفع القوى الكبرى إلى توجيه اهتمامها نحو مناطق تمتلك احتياطيات ضخمة وقابلة لإعادة التفعيل. وهكذا، يبرز البلد الذي يحتضن أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم كأحد أهم مفاتيح المرحلة الجديدة في سوق الطاقة.
ضمن هذا السياق، تتكثف التحركات الأميركية في فنزويلا كجزء من مقاربة أوسع لا تقتصر على تعويض النقص في الإمدادات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة في سوق النفط العالمية، من خلال التأثير في مسارات الإنتاج والتصدير وآليات التحكم في العائدات؛ غير أن التحول نحو فنزويلا لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الصدمة التي أحدثها مضيق هرمز في بنية السوق العالمية. هذه الأزمة لم تقتصر على تقليص الإمدادات، بل كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على ممرات بحرية ضيقة تتحكم بها عوامل جيوسياسية متقلبة. ومن هنا، بدا واضحاً أن البحث عن بدائل لم يعد مجرد خيار تكميلي، بل ضرورة لإعادة توزيع المخاطر جغرافياً، وهو ما يمنح مناطق مثل أميركا اللاتينية وزناً متزايداً في الحسابات الاستراتيجية.
علاوة على ذلك، يعكس التحول الأميركي نحو فنزويلا إدراكاً متقدماً لطبيعة التغير في أسواق الطاقة، حيث لم تعد السيطرة تُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بمرونة الوصول إلى الموارد وإمكانية توجيهها وفقاً للمتغيرات السياسية. فالدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة غير مستغلة تصبح في لحظات الأزمات بمثابة “مخزون استراتيجي مؤجل”، يمكن تفعيله لإعادة التوازن إلى السوق، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بفنزويلا في هذا التوقيت تحديداً.
إلى جانب ذلك، تكشف إعادة توجيه البوصلة نحو فنزويلا عن تحول في منطق التدخلات الأميركية، من التركيز على مناطق الإنتاج التقليدية إلى استهداف مناطق الاحتياطيات الكامنة. وهذا التحول يعكس محاولة للانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها، عبر بناء شبكات نفوذ في مواقع يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مصادر رئيسية للطاقة، بما يمنح واشنطن هامش مناورة أوسع في مواجهة أي اضطرابات محتملة، كتلك الحاصلة في الخليج حالياً.
ومع الانتقال إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، نجد أن فنزويلا تحتل مكانة خاصة في الاستراتيجية الأميركية، إذ تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، تُقدر بنحو 303 مليار برميل، متفوقة على السعودية التي تأتي في المرتبة الثانية باحتياطيات تبلغ 267 مليار برميل. وبالتالي، فإن السيطرة على هذا الكنز النفطي الهائل تعني القدرة على التحكم في اتجاهات سوق النفط العالمية لعقود قادمة.
وقد كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن طموحاته حين قال: “سنجعل شركات النفط الأميركية الكبرى جداً، الأكبر في أي مكان في العالم، تدخل (فنزويلا) وتنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة.. وتبدأ في جني الأموال للبلاد”. بل ذهب أبعد من ذلك، حين ضغط على صناعة النفط الأميركية للاستثمار بما لا يقل عن 100 مليار دولار لإعادة بناء قطاع الطاقة الفنزويلي.
وتكتسب فنزويلا أهمية إضافية لا ترتبط فقط بحجم احتياطياتها، بل بطبيعة هذه الاحتياطيات نفسها، إذ إن الجزء الأكبر منها يقع ضمن فئة النفط الثقيل الذي يتطلب تقنيات متقدمة لاستخراجه وتكريره. وهذا العامل يمنح الشركات الأميركية، التي تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، أفضلية واضحة مقارنة بمنافسين آخرين، ما يحول السيطرة على هذه الموارد إلى مسألة سياسية وصناعية في الوقت ذاته.
وفي قلب المشهد الفنزويلي، تبرز شركة “شيفرون” الأميركية باعتبارها اللاعب الأهم والأكثر استعداداً لاقتناص الفرصة. فهي الشركة الأميركية الكبرى الوحيدة التي ظلت تعمل في فنزويلا طوال سنوات العقوبات، من خلال ترخيص خاص صادر عن وزارة الخزانة الأميركية، وتنتج حالياً نحو 250 ألف برميل يومياً من خلال مشاريع مشتركة مع شركة النفط الحكومية PDVSA وقد لخّص الرئيس التنفيذي لشركة “شيفرون”، مايك ويرث، موقف الشركة قائلاً: “لقد بقينا عندما لم يبقَ الآخرون. نحن نُسدد بعض الديون المستحقة لنا، وهذا يمنحنا انطلاقة كبيرة. والبلاد لديها إمكانات هائلة على المدى الطويل”. وأضاف: “أن الشركة يمكنها زيادة الإنتاج في فنزويلا بنسبة تصل إلى 50% خلال 18 إلى 24 شهراً إذا حصلت على الضوء الأخضر من الحكومة الأميركية…”.
هذا الحراك الأميركي فعل فعله في الأسواق. يُنظرُ اليوم إلى “شيفرون” باعتبارها الشركة الأميركية الأفضل موقعاً للاستفادة من التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، والصفقات الكبرى بدأت تتبلور بالفعل. شركتا “شيفرون” و”شل” تقتربان من إبرام أول صفقة إنتاج نفط كبرى منذ اقدام الولايات المتحدة على خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير الماضي، والتي ستسمح لكلتا الشركتين بزيادة الإنتاج في مناطق نفطية مرغوبة، وتمثل أكبر الخطوات نحو هدف الـ 100 مليار دولار الذي أعلنه ترامب. وستمنح الصفقة المرتقبة “شيفرون” حقوق الإنتاج في منطقة “أياكوتشو 8” جنوب مشروع بتروبيار، وهي كتلة كبيرة ذات موارد نفطية مثبتة، ما يجعلها المنطقة الخامسة للشركة في فنزويلا، وقد يحولها إلى أكبر منتج خاص في حوض أورينوكو الذي يحتوي على أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي احتياطيات النفط الخام في البلاد.
ويعكس صعود “شيفرون” نمطاً أوسع من التداخل بين السياسة والشركات في الاستراتيجية الأميركية للطاقة، حيث تتحول الشركات الكبرى إلى أدوات تنفيذية للسياسات الجيوسياسية. فوجود شركة بقيت في السوق خلال سنوات العزلة يمنحها أفضلية تفاوضية وتشغيلية، ويجعلها في موقع يسمح لها بلعب دور يتجاوز النشاط الاقتصادي البحت، ليصل إلى التأثير في إعادة تشكيل بنية القطاع النفطي في الدولة المضيفة.
وفي ضوء ذلك كله، تكشف هذه المرحلة من التحليل أن التحول في الاستراتيجية الأميركية لا يقتصر على الاستجابة لأزمة طارئة، بل يعكس انتقالاً منظماً نحو السيطرة على مصادر بديلة ذات ثقل استراتيجي. ومع ترسّخ الحضور الأميركي في قطاع الطاقة الفنزويلي، تبدأ ملامح مرحلة جديدة تتجاوز مجرد الاستثمار إلى إعادة توجيه تدفقات النفط العالمية نفسها، وهو ما يمهّد لقراءة أعمق لأدوات النفوذ وآليات التحكم في المرحلة التالية.
