في الأرقام، بلغت صادرات النفط الفنزويلية نحو 800 ألف برميل يومياً في كانون الثاني/يناير 2026، بإجمالي يقارب 24.8 مليون برميل شهرياً، غير أن هذا المستوى لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما شهدت الأرقام قفزة دراماتيكية في الشهر التالي. فمع حلول نهاية شباط/فبراير، وتحت مظلة الاتفاق الأميركي-الفنزويلي الجديد، تضاعفت الشحنات فعلياً، مع بيع نحو 40 مليون برميل شهرياً، أي ما يعادل متوسط 1.43 مليون برميل يومياً. ولم يكن التغير كمياً فحسب، بل اتخذ بعداً نوعياً أكثر أهمية، تمثل في إعادة توجيه وجهة هذه الصادرات بشكل جذري.
فقد باتت مصافي التكرير الأميركية على ساحل الخليج تعزز مشترياتها من النفط الخام الفنزويلي إلى أعلى مستوى منذ أكثر من عام، في انسجام واضح مع هدف الإدارة الأميركية المعلن بزيادة الاعتماد على هذا المصدر. وبالفعل، تضاعفت واردات النفط الخام الثقيل الفنزويلي في الأسبوع المنتهي في 13 آذار/مارس، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2024. ومن ثم، لا يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره مجرد تعديل في أرقام التجارة، بل هو إعادة رسم فعلية لخريطة تدفقات النفط العالمية.
وتتضح دلالة هذا التحول أكثر عند مقارنته بالنمط السابق. فلطالما اعتمدت فنزويلا بشكل كبير على السوق الصينية، حيث كانت تشحن إليها ما بين 50% و90% من صادراتها خلال عام 2025، وغالباً بخصومات حادة. فقد كان خام “ميري” الفنزويلي يُباع بأقل من خام برنت بفارق يتراوح بين 14 و21 دولاراً، ما يعني أن السعر الصافي كان يدور بين 40 و47 دولاراً للبرميل في وقت كان فيه برنت يتحرك ضمن نطاق 60 إلى 70 دولاراً. إلا أن هذا الواقع تغيّر بشكل ملحوظ تحت الإشراف الأميركي، إذ تقلصت الفجوة السعرية إلى نحو 6 دولارات فقط، ما سمح لفنزويلا بالحصول على أسعار أفضل، وإن كانت هذه العائدات باتت تمر عبر قنوات خاضعة للرقابة الأميركية.
وهنا، تحديداً، نصل إلى جوهر الترتيبات الجديدة. فالترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية يسمح لشركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA ببيع النفط مباشرة إلى الشركات الأميركية، لكنه يفرض في الوقت نفسه قيداً حاسماً يتمثل في منع تحويل المدفوعات مباشرة إلى الكيانات الفنزويلية الخاضعة للعقوبات. وبدلاً من ذلك، تُودع هذه العائدات في حسابات خاصة تخضع للسيطرة الأميركية. وبذلك، يتضح أن واشنطن لا تكتفي بالسماح بتدفق النفط، بل تتحكم أيضاً في مسار الأموال الناتجة عنه.
وبعبارة أخرى، تبيع فنزويلا نفطها، لكن الولايات المتحدة هي التي تحدد وجهة العائدات وآليات استخدامها. وهو ما يمكن اعتباره نموذجاً معاصراً من “الاستعمار المالي”، حيث تُستخرج الثروة من الأرض الفنزويلية، لكنها تبقى ضمن منظومة رقابة خارجية. ولتسهيل هذا التحول، جاء إقرار البرلمان الفنزويلي في أواخر كانون الثاني/يناير لإصلاح شامل لقانون النفط، مانحاً الشركات الأجنبية صلاحيات واسعة في التشغيل والتصدير والبيع، حتى في حال كانت شريكاً أقلي في مشاريع مع PDVSA ، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً عن النهج القومي السابق.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل تقني لا يقل أهمية يعزز الموقف الأميركي، يتمثل في الجاهزية العالية للمصافي الأميركية على ساحل الخليج لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل. فهذه المصافي، التي استثمرت منذ عقود مليارات الدولارات في تقنيات متقدمة لتكرير هذا النوع المعقد من الخام، تجد نفسها اليوم في موقع مثالي للاستفادة من هذه التحولات. وما كان يُنظر إليه سابقاً كمخاطرة استثمارية، بات الآن ميزة تنافسية حاسمة.
ويجمع المحللون على أن هذه المصافي ستكون من أبرز المستفيدين، ليس فقط بسبب زيادة واردات النفط الفنزويلي، بل أيضاً نتيجة اضطرابات الإمدادات العالمية، ولا سيما تلك المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، والتي أدت إلى ارتفاع هوامش أرباح المنتجات المكررة. ومن ثم، فإن المكاسب الأميركية تمتد عبر سلسلة القيمة بأكملها، من الإنتاج إلى التكرير.
وإذا ما انتقلنا إلى التوقعات المستقبلية، فإن الأرقام تعكس تحولاً أعمق في بنية القطاع النفطي الفنزويلي. فبعد أن لم تتجاوز صادرات البلاد 4 مليارات دولار سنوياً في عام 2023، تشير التقديرات الحالية إلى إمكانية ارتفاع الإيرادات إلى ما بين 12.6 و13.5 مليار دولار سنوياً عند مستويات أسعار تتراوح بين 70 و75 دولاراً للبرميل. كما يُتوقع أن يرتفع الإنتاج تدريجياً إلى نحو 1.3-1.4 مليون برميل يومياً خلال عامين، مع إمكانية بلوغه 2.5 مليون برميل يومياً خلال العقد المقبل، ما يعكس مسار إعادة هيكلة طويل الأمد تحت المظلة الأميركية.
وفي سياق موازٍ، تتكشف الأبعاد الجيوسياسية لهذه الاستراتيجية بشكل أكثر وضوحاً، ولا سيما في ما يتعلق بالصين. فبكين، التي كانت تعتمد في عام 2025 على إيران وفنزويلا لتأمين نحو 17% من وارداتها النفطية، تجد نفسها أمام واقع جديد، إذ أن التطورات في الخليج والتدخل الأميركي في فنزويلا أدّيا فعلياً إلى تقليص جزء مهم من هذه الإمدادات. وهكذا، لم تعد المسألة اقتصادية بحتة، بل تحولت إلى أداة ضغط استراتيجية تستهدف أحد أبرز المنافسين العالميين للولايات المتحدة.
ولا يقتصر التأثير على الصين وحدها، إذ تمتد تداعيات هذه التحولات إلى دول آسيوية أخرى كالهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي كانت تعتمد بشكل كبير على النفط المار عبر مضيق هرمز، حيث استحوذت مجتمعة على نحو 69% من تدفقاته في عام 2024. ومع تعطل هذه الإمدادات، وجدت هذه الدول نفسها مضطرة للبحث عن بدائل، كان النفط الأميركي في مقدمتها، ما يعزز موقع واشنطن كمورد محوري للطاقة.
غير أن القراءة الاستراتيجية الأوسع تُشير إلى أن الهدف يتجاوز النفط بحد ذاته، ليشمل التحكم في تدفقات الثروة العالمية. فدول الخليج، على سبيل المثال، تمتلك صناديق سيادية تتجاوز أصولها 3 تريليونات دولار، ما يجعل التحكم في عائدات الطاقة وسيلة غير مباشرة للتأثير في هذه الكتلة المالية الضخمة. وفي الوقت نفسه، فإن التحكم في وصول الدول إلى مصادر الطاقة يمنح واشنطن أداة ضغط فعالة على الحلفاء والمنافسين على حد سواء.
وعليه، حين تتحكم الولايات المتحدة في مسارات النفط، فإنها لا تتحكم فقط في سلعة، بل في مفصل أساسي من مفاصل الاقتصاد العالمي. وهذه، في جوهرها، هي القوة التي تسعى إلى ترسيخها من خلال هذه التحولات.
وفي ضوء ذلك كله، يتبين أن ما يجري منذ مطلع عام 2026 يتجاوز كونه أزمة طاقة عابرة، ليشكل إعادة رسم عميقة لخريطة الطاقة العالمية. فالولايات المتحدة تتحرك على ثلاث جبهات متوازية: تعزيز أرباح قطاع النفط الصخري بإيرادات إضافية قد تصل إلى 63 مليار دولار، وتوسيع دورها في سوق الغاز الطبيعي المسال، وترسيخ نفوذها في فنزويلا بما يفتح الباب أمام إيرادات سنوية تتراوح بين 12.6 و13.5 مليار دولار. وفي المقابل، يتراجع نفوذ بعض المنتجين التقليديين، وتواجه الصين ضغوطاً متزايدة على أمنها الطاقوي، بينما يزداد اعتماد حلفاء واشنطن في آسيا على الإمدادات الأميركية.
ومع ذلك، يُحذّر عدد من المحللين من أن هذه المكاسب قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى تراجع الطلب وحدوث ركود اقتصادي عالمي. لكن، وبرغم هذه التحذيرات، فإن اللحظة الراهنة تكشف عن واقع لافت للانتباه، وهو أن الولايات المتحدة باتت قادرة، في آن واحد، على خوض الصراعات في مناطق الإنتاج، والاستفادة من ارتفاع الأسعار، والتحكم في موارد بديلة. وهي معادلة قد تُقرأ إما بوصفها ذروة البراغماتية الاستراتيجية، أو مقدمة لاختلالات أعمق في النظام الاقتصادي العالمي.
