“فورين بوليسي”: كيف تتحكم الجغرافيا بمصير حرب إيران؟

18018028/03/2026
يرى الباحثان الإيرانيان آرش رئيسي نجاد وأرشام رئيسي نجاد، في مقال مشتركة بمجلة "فورين بوليسي"، أن الحرب مع إيران لا يمكن اختزالها في التفوق العسكري والتكنولوجي، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل من قدرات متقدمة وهيمنة جوية واستخباراتية، إذ يبقى العامل الحاسم عنصرًا أعمق: الجغرافيا؛ فموقع إيران، بجبالها وعمقها الاستراتيجي وقربها من ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، يمنحها قدرة على الصمود وإطالة أمد الصراع وفرض كلفة متزايدة على خصومها..

“وُصفت الحرب الدائرة حاليًا مع إيران بأنها مواجهة بين تكنولوجيات عسكرية متقدمة. وبحسب هذا المعيار، تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقًا ساحقًا. فالقوتان تهيمنان على الأجواء بفضل سلاحهما الجوي، وتوفر شبكات الاستخبارات لديهما قدرات مراقبة غير مسبوقة، بينما تستطيع قدراتهما الضاربة الوصول إلى عمق الأراضي الإيرانية.

لكن التفوق العسكري وحده لا يُرجَّح أن يحسم هذه الحرب. فإيران ليست هدفًا يمكن إخضاعه عبر القصف الجوي وحده. المنطق الأعمق للصراع يكمن في الجغرافيا.

الاستراتيجية الإيرانية الحالية، التي تركز على الصمود وإلحاق كلفة بخصومها مع مرور الوقت، تعكس الحقائق البنيوية لأراضيها. وعلى عكس العديد من دول المنطقة التي تحدّ مساحاتها المحدودة من خياراتها الاستراتيجية، تمتلك إيران عمقًا جغرافيًا واسعًا وحواجز طبيعية هائلة. في المقابل، تبقى الدول الأصغر في الخليج أكثر عرضة للضغط العسكري السريع، لأن معظم بنيتها الاقتصادية تقع مباشرة على السواحل.

أما إيران، فإن داخلها الجبلي، الذي تهيمن عليه سلسلتا جبال زاغروس والبرز والهضبة الممتدة بينهما، يشكل حاجزًا دفاعيًا طبيعيًا يعقّد أي غزو بري واسع النطاق. تاريخيًا، كانت هذه السلاسل الجبلية بمثابة دروع استراتيجية أبطأت وأرهقت الجيوش الغازية لقرون. فقد واجهت جيوش القائد الروماني مارك أنطوني صعوبات كبيرة في اختراق الهضبة الإيرانية عام 36 قبل الميلاد، كما تعثرت القوات العراقية على جبهة زاغروس خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.

هذه القيود الجغرافية تشكل اليوم أيضًا حدود الإمكانات الاستراتيجية. فصعوبة غزو إيران تعني أن الحرب من غير المرجح أن تُحسم عبر حملة برية تقليدية. فعلى سبيل المثال، احتاج غزو العراق عام 2003 إلى أكثر من 300 ألف جندي أميركي في المرحلة الأولى، تلاها انتشار عسكري بلغ ذروته بنحو 160 ألف جندي خلال فترة الاحتلال. أما في أفغانستان، فقد وصل عدد القوات الأميركية في ذروته إلى نحو 100 ألف جندي، برغم أن مسرح العمليات هناك أصغر وأقل كثافة سكانية بكثير.

الجغرافيا حاسمة وحاكمة

لكن إيران تمثل تحديًا أكبر بكثير. فهي أكبر بنحو أربع مرات من العراق، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة. وأي احتلال محتمل لها سيتطلب على الأرجح قوات أكبر بكثير، وخطوط إمداد أطول، والتزامًا ماليًا وسياسيًا يفوق ما شهدته الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان. وبعبارة أخرى، فإن أكثر عمليات الاحتلال الأميركية تكلفة خلال العقدين الماضيين تمثل في الواقع الحد الأدنى لما قد تتطلبه حملة برية طويلة داخل إيران.

لهذا السبب تتخذ الحرب شكلها الحالي عبر القوة الجوية والضغط البحري. ومع ذلك، تبقى الجغرافيا الإيرانية عاملًا حاسمًا. فعلى الرغم من قدرة الطيران الأميركي والإسرائيلي على الوصول إلى معظم أنحاء إيران، فإن العمق العملياتي يختلف بشكل كبير داخل البلاد.

فالأهداف الأكثر سهولة للوصول تقع في غرب وجنوب غرب إيران، في مناطق مثل خوزستان وبوشهر وعلى جبهة زاغروس قرب الحدود الإيرانية العراقية، حيث يتيح القرب من المياه الخليجية والبنية العسكرية القائمة تنفيذ عدد أكبر من الطلعات الجوية والحفاظ على دورات ضربات متواصلة.

أما كلما اتجهنا شرقًا داخل الهضبة الإيرانية، أي نحو محافظات خراسان الجنوبية ويزد وشمال كرمان وسيستان وبلوشستان، يصبح المجال العملياتي أكثر تعقيدًا. فهذه المناطق أبعد عن نقاط الإطلاق البحرية والقواعد الجوية الإقليمية، كما تحميها المسافات والتضاريس والبنية التحتية المحدودة. والحفاظ على عمليات جوية كثيفة فوق هذه المناطق يتطلب أوقات طيران أطول وعمليات تزويد وقود جوي أكثر تعقيدًا وتنسيقًا لوجستيًا أكبر، ما يقلل من وتيرة الضربات واستمراريتها.

هذا لا يعني أن شرق إيران محصن بالكامل، لكنه يُقلّل من سرعة وكثافة وموثوقية الضربات مقارنة بالمناطق الغربية والجنوبية. كما أن التضاريس الوعرة لإيران تتيح فرصًا لنشر وإخفاء ونقل البنية التحتية العسكرية والنووية. فإذا نُقلت المنشآت النووية أو مخزونات المواد إلى مناطق جبلية أو نائية في الشرق، فسيصبح اكتشافها واستهدافها وتدميرها بشكل شامل أكثر صعوبة بكثير.

لكن الجغرافيا لا تؤثر في الحرب البرية فحسب، بل في الحرب البحرية أيضًا. فقرب إيران من الممرات البحرية الحيوية يمنحها نوعًا من النفوذ غير المتكافئ يصعب على التكنولوجيا وحدها تحييده.

مضيق هرمز

ولا يظهر تأثير الجغرافيا بوضوح أكثر مما يظهر في مضيق هرمز. فإذا كانت جغرافيا إيران تجعل تحقيق نصر عسكري سريع أمرًا صعبًا، فإن موقعها على المضيق يمنحها نوعًا آخر من النفوذ: القدرة على فرض كلفة اقتصادية عالمية حتى من دون تحقيق نصر عسكري مباشر.

يقع المضيق بين إيران وشبه الجزيرة العربية، وهو ممر بحري ضيق يربط الخليج العربي بأسواق الطاقة العالمية. في أضيق نقطة فيه، لا يتجاوز عرضه نحو 21 ميلًا بحريًا، بينما لا تتجاوز الممرات التي تعبرها ناقلات النفط بضعة أميال. ومع ذلك، يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس استهلاك النفط العالمي، إضافة إلى حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

أي اضطراب طويل الأمد في المضيق يمكن أن ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية. فمجرد الشعور بوجود خطر في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وقفزات في أقساط التأمين على الشحن البحري، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية كما أظهرت الأسابيع الأخيرة.

فاللوجستيات البحرية لا تعتمد فقط على الأمن الفعلي، بل أيضًا على إدراك المخاطر. فإذا اعتقدت شركات الشحن أن المضيق غير آمن، فإن حركة الناقلات تتباطأ أو تبحث عن مسارات بديلة.

محاولة انتزاع هذه الميزة الجغرافية من إيران تتطلب أكثر بكثير من استهداف عقدة واحدة مثل جزيرة خرج. فصحيح أن جزيرة خرج تمثل عنق زجاجة اقتصاديًا مهمًا، إذ تمر عبرها نحو 90 إلى 96 بالمئة من صادرات النفط الإيراني، لكنها لا تحدد السيطرة على مضيق هرمز نفسه.

إقرأ على موقع 180  سيناريو إسرائيلي لـ"الإنتقام الإيراني": 19 ك2/ يناير!

فالسيطرة على المضيق ترتبط بالموقع الجغرافي الأوسع لإيران: ساحل يمتد لنحو 1500 ميل على الخليج العربي وخليج عُمان، إضافة إلى قربها من جزر وممرات بحرية حيوية تسمح بفرض ضغط غير متكافئ متعدد الطبقات. وحتى لو تم تعطيل جزيرة خرج أو السيطرة عليها، ستظل إيران قادرة على تهديد الملاحة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة المنتشرة على طول هذا الساحل.

عمليًا، لا تحتاج إيران إلى السيطرة الكاملة على سواحلها للتأثير في المضيق؛ يكفي أن تحتفظ بقدرة كافية لخلق حالة من عدم اليقين والمخاطر. لذلك فإن تحييد الميزة الجغرافية الإيرانية يتطلب هيمنة بحرية مستمرة على مساحة واسعة من المياه، وهو أمر أكثر تعقيدًا وكلفة بكثير من السيطرة على جزيرة واحدة.

وبذلك، فإن ما بدأ كحملة تهدف إلى تغيير النظام وتفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية يتجه تدريجيًا نحو حالة جمود استراتيجي تتمحور حول مضيق هرمز. فالحملة الجوية السريعة التي صُممت كأداة ضغط اصطدمت بالجغرافيا. وأصبح المضيق مساحة مقيدة للصراع، تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة لتصل إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتدفقات المالية.

إن الوزن الاستراتيجي لهرمز كبير إلى درجة أنه إذا تمكنت إيران من فرض سيطرة فعالة عليه، فإن فقدان مخزونها البالغ نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب لن يعني بالضرورة هزيمة استراتيجية. فقد تعيد السيطرة على المضيق تعريف المعايير التي يُقيَّم بها مآل الحرب.

ما يبدو واضحًا بالفعل هو أن مستقبل مضيق هرمز لن يشبه ماضيه. فإما أن يتشكل بوضوح تحت نفوذ إيران، أو أن يتحدد ضمن نظام إقليمي جديد يتراجع فيه دور طهران بشكل كبير.

لكن هرمز ليس سوى جزء من منظومة جيوسياسية أوسع. فالممر البحري الثاني الذي يؤثر في مسار الحرب يقع غربًا عند مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

..وباب المندب

على مدى نحو عقدين، وخصوصًا منذ اندلاع حرب إسرائيل وحماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرض باب المندب لاضطرابات متكررة بسبب هجمات الحوثيين في اليمن، وهم فاعل غير دولتي متحالف مع إيران استهدفت هجماته البحرية أحيانًا السفن التجارية في البحر الأحمر. ومن خلال الحوثيين، زرعت إيران بذور نفوذها الثوري في نقطة اختناق استراتيجية، حيث تحوّل الجغرافيا الأيديولوجيا إلى نفوذ جيوسياسي.

وإذا امتد التوتر إلى هذا الممر البحري أيضًا، فقد تتجاوز تداعياته الاقتصادية ساحة المعركة المباشرة. فباب المندب يكشف هشاشة الشبكة البحرية التي تربط البحر الأحمر بالتجارة العالمية.

وتكمن هذه الهشاشة في جغرافيته الضيقة وقلة البدائل المتاحة. ففي أضيق نقطة فيه، لا يتجاوز عرضه نحو 20 ميلًا، ما يجبر السفن على المرور في ممرات ضيقة يسهل تعطيلها بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الألغام البحرية أو حتى عمليات المضايقة المحدودة.

وعلى عكس بعض الممرات الأخرى، لا توجد طرق بديلة فعالة، إذ إن أي تعطيل طويل الأمد سيجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف من 10 إلى 15 يومًا إلى زمن الرحلة ويزيد بشكل كبير تكاليف الوقود والتأمين والشحن.

يمر عبر هذا المضيق نحو 10 إلى 12 بالمئة من التجارة العالمية، إضافة إلى ما بين 6 و9 ملايين برميل من النفط يوميًا. وحتى تعطيل جزئي يمكن أن يطلق سلسلة من التأثيرات، من ارتفاع أقساط التأمين البحري إلى تأخر سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهذا يوضح كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية.

إن جغرافيا الشرق الأوسط تخلق احتمالًا حقيقيًا بأن تتحول حرب إقليمية إلى اضطراب شامل في التجارة البحرية العالمية.

الخلاصة الاستراتيجية

إن الخلاصة الاستراتيجية عميقة: فالمواجهة الحاسمة في حرب إيران قد لا تقع في سماء إيران أو إسرائيل، بل في الممرات البحرية الضيقة. فالصراع يتكشف ضمن مسرح جيوسياسي أوسع تحدده طرق التجارة وسلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة. السيطرة على الأرض والمجال الجوي مهمة، لكن السيطرة على نقاط الاختناق قد تكون أكثر أهمية.

كلما طالت الحرب، أصبحت هذه العوامل البنيوية أكثر تأثيرًا. فالتفوق التكنولوجي قد يحقق نجاحات تكتيكية لافتة، لكنه لا يستطيع إلغاء الجغرافيا. فالجبال لا يمكن قصفها حتى تختفي، ونقاط الاختناق لا يمكن نقلها من مكانها.

ومن هنا تبرز حقيقة أعمق حول الحروب الحديثة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية والأقمار الصناعية والأسلحة الدقيقة ذاتية التشغيل، ما زالت الجغرافيا تمارس تأثيرًا عميقًا في مسار الحروب. فالجبال والعوائق الطبيعية تحدّ من إمكان الغزو، والممرات البحرية الاستراتيجية تضخم النفوذ غير المتكافئ، وممرات الطاقة تربط الصراعات المحلية بالاقتصاد العالمي.

قد تحدد التكنولوجيا كيف تُخاض الحرب، لكن الجغرافيا غالبًا ما تحدد كيف وهل تنتهي. عندما غزا نابليون بونابرت روسيا عام 1812، هزمه ما سماه الروس لاحقًا “جنرال الشتاء” و”جنرال المسافة”. واليوم قد تمتلك إيران أيضًا جنرالين خفيين: “جنرال الجغرافيا” الذي يقود جبالها ومضائقها البحرية، و”جنرال الصمود”، أي قدرتها على امتصاص الصدمات وخوض حرب طويلة”.

(*) المصدر: موقع “الجادة

Print Friendly, PDF & Email
180

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  سنتان على الحرب: روسيا لا تُهزَم.. ووجهُ أوروبا يتغير