التداعيات الجيوسياسية للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران

في لحظات التحول الكبرى، نادرًا ما تعلن الدول أهدافها الحقيقية. الحروب، لا تُفهم من خلال بياناتها الرسمية، بل من خلال ما تعيد تشكيله في خرائط القوة العالمية. من هذا المنظور، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أقل ارتباطًا ببرنامج نووي أو صاروخي أو توازن ردع أو نفوذ إقليمي، وأكثر اتصالًا بمحاولة عميقة لإعادة هندسة النظام الدولي (وضمناً الإقليمي) في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي لمصلحة نظام متعدد الأقطاب.

إيران، في هذه المعادلة، عقدة مركزية في بنية أوراسية ناشئة، تشكّل نقطة التقاء حيوية لممرات التجارة والطاقة والتحالفات الجيوسياسية. ولذلك، فإن استهدافها لا يمكن قراءته كعملية عسكرية محدودة، بل كضربة موجهة إلى العمود الفقري لهذا النظام البديل.

أحد أبرز تجليات ذلك يظهر في ممر الشمال–الجنوب الدولي، المشروع الذي سعت روسيا من خلاله إلى كسر عزلتها المتزايدة بفعل العقوبات الغربية. هذا الممر، الذي يربط موسكو بالأسواق الهندية عبر إيران، لم يعد مجرد تصور نظري، بل دخل حيّز التنفيذ الفعلي مع تشغيل خطوط نقل منتظمة. غير أن الضربات التي طالت البنية التحتية الإيرانية، وخصوصًا الموانئ الحيوية، تُهدّد بتحويل هذا المشروع إلى استثمار ميت، ما يُعيد روسيا إلى مربع الاختناق الجغرافي، محرومة من منفذها الأساسي نحو الجنوب العالمي.

لكن التأثير لا يتوقف عند روسيا. فالصين، التي بنت استراتيجيتها الاقتصادية العالمية على مبادرة الحزام والطريق، ترى في إيران أكثر من شريك؛ تراها محورًا جغرافيًا لا يمكن تعويضه بسهولة. فالموقع الإيراني يوفّر لبكين مسارًا بريًا يقلّص اعتمادها على الممرات البحرية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، وبخاصة تلك التي تمر عبر مضيق ملقا. وعليه، فإن زعزعة استقرار إيران لا تعني فقط تعطيل عقدة لوجستية، بل تهديد جزء أساسي من البنية التي قامت عليها طموحات الصين العالمية.

ويتضاعف هذا التهديد حين ننتقل إلى ملف الطاقة. فالصين تعتمد بشكل كبير على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد هناك خطرًا مباشرًا على أمنها الاقتصادي. ومع الضغط المتزامن على موردين آخرين مثل فنزويلا، يتضح أن ما يجري يتجاوز كونه أزمة إقليمية، ليصبح محاولة لإعادة تشكيل تدفقات الطاقة العالمية، بما قد يدفع بكين إلى تعميق اعتمادها على روسيا. وهنا، تتداخل المصالح الطاقوية مع التحالفات الجيوسياسية، في مشهد يعيد رسم خطوط التوازن الدولي.

غير أن هذه الديناميكيات تفضي إلى مفارقة لافتة للانتباه. فالاستراتيجية الأميركية منذ سبعينيات القرن الماضي قامت على مبدأ منع تقارب موسكو وبكين. لكن الحرب الحالية تبدو وكأنها تفعل العكس تمامًا. فبدل تفكيك هذا المحور، تسرّع اندماجه، مدفوعة بحاجات متبادلة: روسيا بحاجة إلى الأسواق والتكنولوجيا، والصين بحاجة إلى الموارد والطاقة. وما كان تنسيقًا حذرًا يتحول تدريجيًا إلى شراكة أكثر صلابة.

وفي قلب هذه المفارقة، تقف روسيا كأحد أكبر المستفيدين غير المتوقعين. فارتفاع أسعار النفط، الناتج عن اضطراب الإمدادات في الخليج، وفّر لموسكو متنفسًا اقتصاديًا حاسمًا في وقت كانت تواجه فيه ضغوطًا شديدة بسبب حرب أوكرانيا. العائدات الإضافية لم تمنحها فقط قدرة على الصمود، بل عززت قدرتها على الاستمرار في المواجهة مع الغرب، ما يجعل الحرب على إيران، بشكل غير مباشر، عامل دعم لخصم استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة.

أما على المستوى الإقليمي، فتبدو الحسابات أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. فقد رأت واشنطن في هذه الحرب فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر توسيع اتفاقيات ابراهام، ودفع السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل. إلا أن الواقع يشير إلى اتجاه معاكس. فالحرب، بدل أن تخلق بيئة مواتية للتطبيع، عمّقت الحساسيات السياسية، وزادت من تعقيد الملف الفلسطيني، ورفعت كلفة أي تقارب علني مع إسرائيل بالنسبة للقيادة السعودية.

بدل ذلك، يتشكل نموذج مزدوج؛ تعاون أمني واستخباراتي غير معلن بين إسرائيل وبعض دول الخليج، يقابله تريث – بل وتراجع – في المسار السياسي العلني. هذا النمط يعكس حقيقة أن التهديدات المشتركة قد تدفع إلى التنسيق، لكنها لا تكفي لبناء شرعية سياسية في بيئة لا تزال فيها الاعتبارات الشعبية والرمزية حاسمة.

وفي الوقت نفسه، تدفع الحرب دول الخليج إلى إعادة تقييم علاقتها بالمنظومة الأمنية الأميركية، سواء عن طريق المضي بتنويع شراكاتها الدولية، ولا سيما مع روسيا والصين. هذه الدول استثمرت تريليونات الدولارات على مدى العقود الماضية، وبالتالي يصبح السؤال هل بامكانها التحرر من المظلة الأميركية أو أنها ستكون أكثر التصاقاً بها برغم تنويع شراكاتها من جهة وسعيها إلى استقلالية أكبر من جهة ثانية. وهكذا، تتحول الأزمة إلى فرصة إما لإعادة تثبيت النفوذ الأميركي في منطقة كانت تشهد انفتاحًا متزايدًا على قوى أخرى أو تقليص الاعتماد على الأميركيين لمصلحة الاعتماد على الذات أو قوى أخرى.

وفي هذا السياق، تراقب الصين ما يحدث بعين استراتيجية. فالحرب لا تمثل فقط تهديدًا لمصالحها في الشرق الأوسط، بل رسالة أوسع تتعلق باستعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية خارج نطاقها المباشر، بما في ذلك في سياقات قد تمتد إلى شرق آسيا. الرسالة، ضمنيًا، تتعلق بتايوان، وبمدى جدية واشنطن في الدفاع عن نظام دولي تقوده.

إقرأ على موقع 180  تقارب إيران والسعودية برعاية الصين.. إنجاز دبلوماسي بامتياز

كما تعكس الحرب تحولًا في سلوك دونالد ترامب، من التهديد إلى الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية. هذا التحول يُعزّز عنصر “عدم القدرة على التنبؤ”، الذي يُستخدم كأداة ردع بحد ذاته، لكنه في الوقت نفسه يزيد من مخاطر سوء التقدير لدى الخصوم.

وبرغم هذه الحسابات، يُصبح التصعيد الطويل الأمد في الشرق الأوسط فرصة لتحويل الموارد والاهتمام بعيدًا عن أوكرانيا، ما يمنح روسيا هامشًا إضافيًا للمناورة مثلما يمنح أوكرانيا أيضاً فرصة لبيع تجربة مواجهتها مع قوة دولية بحجم روسيا..

ولا بد من ترقب نتائج الحرب، فإذا نجح النظام الإيراني بالبقاء على قيد الحياة وتمكن من ابرام صفقة مع الولايات المتحدة، سيكون لهذا التطور تداعياته على صعيد العلاقات الإيرانية الخليجية، برغم الانطباع السائد حالياً بأن الحرب جمّدت التقارب السعودي–الإيراني الذي رعته الصين في السنوات الأخيرة، ما يعكس نجاحًا جزئيًا في تفكيك أحد أبرز إنجازات بكين الدبلوماسية في المنطقة. لكن هذا النجاح، إن صحّ توصيفه، يأتي ضمن بيئة أكثر فوضوية، حيث تتراجع فرص الاستقرار طويل الأمد.

في النهاية، تكشف هذه الحرب عن مفارقة أعمق؛ محاولة إعادة فرض الهيمنة قد تتحول إلى عامل يسرّع تآكلها. فبدل تفكيك النظام متعدد الأقطاب، قد تسهم الحرب في تسريع تشكّله، وبدل استقرار الشرق الأوسط، قد تدفعه نحو مزيد من الاضطراب. وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي، قد تجد نفسها أمام عالم أكثر انقسامًا، وأقل قابلية للسيطرة.

وهنا يكمن السؤال الحقيقي: هل يمكن لحرب واحدة، مهما بلغت شدتها، أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟ أم أنها، على العكس، ستؤكد أن النظام الدولي دخل بالفعل مرحلة جديدة، لا يمكن إدارتها بالأدوات القديمة نفسها؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مارتن إنديك: إنه 11 أيلول الإسرائيلي!