لبنان بين 13 نيسان ومفاوضات واشنطن.. بلدٌ على حافة الانفجار

تأتي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل 1975، فيما يستعد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، تحت مظلّة العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشظي الكبير في الموقف الوطني، حيث لا تحمل الدولة اللبنانية بعدُ سلة تفاوضية جامعة في جعبتها باسم جميع مكوّناتها، ولا يقيها سقفٌ سياسيٌّ وإقليميٌّ واضحٌ يضبط هذه المحادثات ويمنع انزلاقها من التفاوض إلى الإملاء. هكذا يعود السؤال اللبناني القديم، لكن بصيغة أشدّ خطورة: هل تدخل الدولة إلى التفاوض طلبًا لوقف النار وحماية السلم الأهلي، أم تدخل إليه تحت النار ومن دون تفويض جامع، فتتحول الطاولة نفسها إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى؟ 

لا تبدأ مفاوضات واشنطن من أرضية لبنانية صلبة، بل من أرضية متصدعة، شكلاً ومضمونًا، مع غياب التوافق الداخلي على أصل التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار، وإعلان إسرائيل بوضوح أنها لا ترى في لقاء واشنطن التفاوضي مجرد مدخل إلى وقف إطلاق نار، بل بداية “مفاوضات سلام رسمية” هدفها نزع سلاح حزب الله واجتثاث المقاومة من جذورها كسبيل وحيد لتوقيع اتفاق سلام مع لبنان، فيما تؤكد الرئاسة اللبنانية أن هدف جلسة الثلاثاء هو التوصّل لإعلان وقف النار كمقدمة لجلسات تفاوضية لاحقة تشمل العناوين الأخرى كالانسحاب الإسرائيلي وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود وإنهاء حال النزاع مع إسرائيل برعاية أميركية. هذه الهوّة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي تكاد تختصر المأزق كلّه: لبنان يريد، نظريًا على الأقل، أن يفاوض من أجل وقف الحرب والانسحاب لبسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني، بينما تريد إسرائيل التفاوض لدفع الدولة في لبنان لمحاصرة المقاومة، سياسيًا وعسكريًا، كترجمة عملية لعدوانها في لبنان، لا بل ذهب بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك عشية المفاوضات عندما أعلن أنه لا يتحدث عن 5 نقاط يحتلها جيشه في جنوب لبنان بل عن إقامة حزام أمني “لإزالة خطر غزو حزب الله وإبعاد صواريخه” عن المستوطنات الشمالية.

والأدهى من ذلك أن التفاوض يجري في غياب التهدئة الإقليمية المطلوبة، مع تعثر الجولة الأولى من المحادثات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد، وإعلان الجيش الأميركي بداية حصار للموانئ الإيرانية، وفي ذلك تصعيد نوعيّ لأزمة الطاقة وتعقيد متعمّد لمخارج حلولها، الأمر الذي يُفقد المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية جزءًا كبيرًا من توازنها المفترض، ويجعلها أقرب إلى إدارة استسلامٍ تفاوضي منها إلى صناعة تسوية متوازنة.

حين سبق التفاوضُ شروطَ إمكانه

تفرض لحظة عام 1983 نفسها بوصفها المرآة الأقرب إلى الحاضر، لا لأنّ التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، بل لأنّ منطقه العميق يعود بأسماء جديدة. منهجيًا، لا تصحّ المقارنة بين عهد الرئيس أمين الجميل وعهد الرئيس جوزاف عون، ولا بين حكومة الرئيس شفيق الوزّان وبين حكومة الرئيس نواف سلام؛ فالرئيس أمين الجميل كان وريث الخلفية السياسية للمناخ الذي سبق اتفاق 17 أيار(مايو)، بينما الرئيس جوزاف عون هو نتاج مناخات توافقية لبنانية وعربية ودولية أعقبت عدوان الـ 66 يومًا بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2024.

ولكن المناخ الأمني والسياسي الذي رافق ولادة اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 يكاد يكون متطابقًا، فقد وُلد ذلك الاتفاق قبل 43 عاماً من رحم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ومن اختلال هائل في موازين القوى، حاولت بعض القوى الداخلية والسلطة الرسمية آنذاك استثماره لتأبيد نتائج الاجتياح وجني ثماره السياسية، متكئة على رعاية أميركية، وغالبية نيابية نسبية، وقاعدة “هشّة” مفادها: إنّ الخارج يستطيع أن يفرض على الداخل ما عجز الداخل عن التوافق عليه. لكنها، بالمقابل—كما اليوم—بدت لقطاعات شعبية واسعة من اللبنانيين أنها ترجمة سياسية للاجتياح أكثر مما هي تسوية متوازنة بين دولتين. لهذا سقطت سريعًا، وأصبحت في الذاكرة اللبنانية مرادفًا للمفاوضة التي تتقدم على شروط إمكانها، فتنقلب إلى عامل تفجير بدل أن تكون وسيلة تهدئة.

من 17 أيار إلى واشنطن

يتضح مما سبق الفوارق بين هاتين اللحظتين الفارقتين اللبنانيتين—لحظة 2026 ولحظة 1983—ولكن صحيح أن بيروت اليوم غير محتلة على صورة 1982، لكنّها “منتهكة”، وضاحيتها “فارغة”، والجنوب اللبناني تحت خطر الاحتلال من جديد. وصحيح أنه لا حرب عسكرية بين الأهلين في لبنان ولا خطوط تماس عسكرية، لكنّ التوتر المجتمعي والسياسي والإعلامي بلغ مرتبة الاقتتال الافتراضي، ما يجعل خطر الاشتباك المسلّح واردًا في أي لحظة، ما يسمح بنمو الخطوط الطائفية والمذهبية والمشاريع الخارجية الموازية. لكن المجازفة المتماثلة بين اللحظتين هي دخول الدولة اللبنانية إلى مفاوضات “وجودية” تحت سقف تفاوضي إسرائيلي أعلى من قدرة الداخل اللبناني على احتماله، ما يفرض بنيويًا على حكومة الرئيس نواف سلام أن تقف في موقع يشبه—من حيث الوظيفة لا من حيث الأشخاص—الموقع الذي علقت فيه حكومة الرئيس شفيق الوزّان: حكومة مُطالبة بإدارة تفاوض أو تغطيته في لحظة اختلال وطني عميق.

غير أن الأخطر اليوم هو أن ثمن الخطأ الداخلي قد يكون أعلى مما كان عليه في الثمانينيات، لا سيّما مع توسّع الاعتداءات الإسرائيلية لتطال قلب بيروت ومرافق حكومية، وعناصر أمنية لبنانية، وتصاعد حملات التحريض المتبادل والتخوين المتقابل: من جهة، خطابٌ يُحمّل المقاومة وحدها مسؤولية الخراب ويقدّم نزع السلاح بوصفه الممر الوحيد إلى الخلاص؛ ومن جهة أخرى، خطابٌ يرى في أي تفاوض مباشر خيانةً صريحة ويضع رئيسي الجمهورية والحكومة تحت شبهة التواطؤ أو العجز. وهذه ليست مجرد سجالات إعلامية؛ إنها أعراض مجتمع مأزوم يعود فيه التماس بين الطائفة والسلاح والسيادة والخارج إلى الواجهة دفعة واحدة. ومن هنا تنبع خطورة التفاوض الجاري تحت النار: لأنها قد تصبح، في بيئة كهذه، محرّكًا إضافيًا للتوتر المجتمعي لا آليةً لتبريده.

إقرأ على موقع 180  "إسرائيل ديفانس": هل نحن على أعتاب حرب ضدنا؟

لغم نزع السلاح!

يبقى السؤال معلّقًا على النتيجة التي ستصل إليها تلك المفاوضات غير المتوازنة، فهل ستحوّل لبنان الرسمي شريكًا في العدوان على المقاومة وبيئتها ومؤيديها من كلّ الطوائف؟ فيما لو قبل المفاوض اللبناني تحويل الأجندة الإسرائيلية من الحرب إلى أجندة لبنانية بدعم خارجي وتوافق دولي، حيث تتحول المفاوضات إلى محادثات فنية تبحث في نزع السلاح كمهمة تنفيذية تُناط بالحكومة والجيش وبالبيئات المناوئة للمقاومة، ما يضع البلد على حافة صدام داخلي مفتوح، وينقل الاشتباك المسلّح من الحدود إلى البنية الداخلية اللبنانية نفسها.

ماذا لو تحلّى المفاوض اللبناني بالوطنية ورفض الشروط الإسرائيلية أو تلكأ في تنفيذها؟ عندها ستجد من يقول إنّ الدولة تقامر على وجودها، لأنّ ذلك سيعطي إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها وضرب بناها التحتية ومرافقها الحيوية في كل لبنان، ما يجعل التفاوض لغمًا أكثر فتكًا من الحرب الدائرة؛ فقبول الشرط—الشروع في نزع السلاح بالقوة اللبنانية وبدعم خارجي—يفجّر الداخل، ورفضه يفتح الباب أمام تصعيد خارجي أشمل.

وعليه، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم: هل ستقود المفاوضات إلى السلام؟ بل: هل تتوافر أصلًا شروط أي سلامٍ قابل للحياة؟ والجواب، في ضوء التجربة اللبنانية نفسها، يميل إلى السلب. لا يولد السلام من مفاوضات تجري تحت القصف، ومن دون سلّة وطنية جامعة، ومن دون سقف إقليمي يحدّ من الابتزاز العسكري. ففي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية، لا يحتاج لبنان إلى كثير من الخيال ليفهم الخطر؛ فالتاريخ يهمس له بما يكفي: حين يسبق التفاوضُ التوافقَ، وحين تدخل الدولة اللبنانية إلى طاولة المفاوضات مكشوفةً، لا تصنع سلامًا، وإنما تقترب من إعادة فتح أبواب الجحيم التي ظنّت أنها أغلقتها منذ 1990.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المَخزَن