في حالة دونالد ترامب، لم تعد الديموقراطية هي وحدها المهددة. هذه السلوكيات أبرزت صورة قائد يرى نفسه فوق القوانين والمؤسسات والمعايير الديموقراطية، ويتخذ من الخطاب الشعبوي والرغبة في الأضواء والتصريحات المثيرة للجدل والمتكررة أداةً للسيطرة على السردية الإعلامية. وفي الوقت نفسه، يواصل هجماته على الصحافة وشرعيتها، ويتعامل مع القضاء والكونغرس باعتبارهما عوائق أمام سلطته، ويهاجم القضاة الذين أصدروا أحكاماً مخالفة لرغباته، ويطيح بوزراء وموظفين في إدارته لأسباب هامشية تعكس نزعةً شخصيةً أكثر منها مؤسسية.
يتصف الرئيس الأميركي الحالي بنرجسية عالية تجعله ينسب لشخصه الفضل في ما يسميه “عظمة أميركا”، ويحوّل كل إنجاز إلى انعكاس لذاته. وقد رفض الاعتراف بنتائج الانتخابات الأميركية بعد انتهاء ولايته الأولى، ولم يتوانَ عن مهاجمة مؤسسات الدولة مدّعياً احتكار الحقيقة، وتعامل مع السياسة الخارجية كعرض شخصي، بدءاً من الانسحاب من اتفاقيات دولية، والضغط على الحلفاء بلهجة متعالية، وصولاً إلى السخرية من قادة دول حليفة لبلاده بإسفافٍ فجّ يخرق أبسط قواعد اللياقة السياسية. وفي مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” نُشرت في الثامن من كانون الثاني/يناير 2026، أكد أن “أخلاقه” هي الشيء الوحيد الذي يقيّد سلطته في إصدار أوامر عسكرية، مضيفاً أنه لا يحتاج إلى القانون الدولي.
الاستراتيجية الأميركية ضد إيران لم تحقق أهدافها، بل أدت إلى نتائج عكسية: تعزيز شرعية النظام الإيراني، وازدياد قوة القومية الإيرانية، وإضعاف صورة واشنطن، وزيادة عدم الاستقرار الإقليمي. هكذا تحولت الحرب إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد. لكن السؤال الأصعب: إلى أين سيقود جنون العظمة الترامبي العالم؟
في الفكر السياسي، لا يُنظر إلى الغطرسة باعتبارها مجرد سلوك فردي، فحين تنفلت السلطة من ضوابطها الأخلاقية تتحول إلى نزعة ديكتاتورية تقضي على الديموقراطية، حيث يغدو الحاكم مركز الكون، ويتعامل مع المؤسسات والحقوق باعتبارها عوائق أمام إرادته الفردية.
وهكذا، فإن الغطرسة، حين تتحول إلى فلسفة حكم، تقود إلى الفوضى والدمار لا إلى الاستقرار والهيبة. هذه الرؤية الفلسفية تجد تجسيدها المعاصر في قرار ترامب بخوض الحرب ضد إيران، حيث غلبت الغطرسة على الحسابات الاستراتيجية. فقد تعامل مع الحرب بوصفها منصةً لإظهار القوة الشخصية، متجاهلاً التحذيرات المؤسسية والدبلوماسية، ومستخدماً خطاباً متعالياً يَعِد بانتصار سريع. لكن النتائج جاءت عكسية: أزمة اقتصادية عالمية بفعل اضطراب أسواق النفط، وعزلة دولية نتيجة انسحاب الحلفاء من دعمه، وتراجع صورة الولايات المتحدة من قوة قائدة إلى قوة متغطرسة تسعى لفرض إرادتها.
لقد جسّد قرار ترامب بالعدوان على إيران ملامح الغطرسة، حيث فضّل المواجهة على الاحتواء، متجاهلاً التحذيرات الدولية والحسابات الاستراتيجية. ولم يكن صانع القرار الأميركي بحاجة إلى الكثير من المعلومات الاستخبارية والتحليلات الجيوسياسية ليعلم أن إغلاق مضيق هرمز هو قنبلة إيران النووية الفعلية، وهي لن تستخدم هذه الورقة، كما ورقة ضرب جيرانها في الخليج، إلا في حال انتهت الخيارات الأخرى لديها وأصبحت في خطر وجودي. ولمن يعرف العقيدة الدينية في إيران، يعرف مكانة المرشد، ويعرف هول استشهاده، والدافع الذي يشكله قتله لتجاوز كل الحدود العسكرية والدبلوماسية. أما وأن قرار ضرب إيران وقتل قائدها الأعلى قد اتُّخذ برغم كل هذه المحاذير، فهذا دليل على أن من اتخذ هذا القرار لم يستمع إلى من يتوجب الاستماع إليهم. لا بل من الواضح أن نرجسية ترامب المريضة حالت دون أن يتجرّأ مستشاروه على إبلاغه بالحقيقة، أو أنه أحاط نفسه بالمدّاحين فقط الذين لا يفقهون في أمور الحرب والاستراتيجيا، بينما يستمر هو في تكرار الأكاذيب والمبالغات الفادحة.
ما يحدث اليوم لا يطرح سؤالاً حول نتائج حربٍ أو مآلات صراع فحسب، بل حول طبيعة النظام الدولي نفسه: هل ما زال قادراً على ضبط القوة، أم أنّه بات أسيرها؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد تعريف دورها ضمن حدود المسؤولية، أم أنّها ماضية في مسارٍ قد يجعل من قوتها عبئاً عليها وعلى العالم؟
التخبط والتناقض في خطابات ترامب، وعدم وجود استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب أو لليوم التالي لها ولا حتى لدخولها بالأساس، كلُّ ذلك أفقد الولايات المتحدة مصداقيتها الدولية. ولعل إقالة قائد الأركان وضباط أميركيين كبار في عزّ الحرب دليل على هذا التخبط. هل قصّر الجنرال المقال في التطبيل للرئيس وواجهه بالحقيقة؟ هل رفض الأوامر غير المنطقية لإكمال الحرب؟
هكذا يتضح أن الغطرسة، حين تتحول إلى فلسفة حكم، لا تقود إلى الهيبة والاستقرار بل إلى الفوضى والمآزق الاستراتيجية. فقرار ترامب بالعدوان على إيران يعيد إلى الأذهان مغامرة جورج بوش الابن في العراق، حيث هيمنت الحسابات الخاطئة على المنطق الواقعي، وانتهت الحرب إلى مأزق طويل الأمد عزّز خصوم الولايات المتحدة بدل أن يضعفهم. كما يذكّرنا بسلوك نابليون في أوروبا، حين جعل ذاته مركز الكون، فقاد فرنسا إلى سلسلة من الحروب التي انتهت بانهيار مشروعه الإمبراطوري. في كلتا الحالتين، كما في الحالة الأميركية الراهنة، تتحول الغطرسة إلى قيد على العقلانية السياسية، وتُقصي المؤسسات والضوابط، فتقود إلى عزلة دولية وتراجع في صورة الدولة.
الاستراتيجية الأميركية ضد إيران لم تحقق أهدافها، بل أدت إلى نتائج عكسية: تعزيز شرعية النظام الإيراني، وازدياد قوة القومية الإيرانية، وإضعاف صورة واشنطن، وزيادة عدم الاستقرار الإقليمي. هكذا تحولت الحرب إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد. لكن السؤال الأصعب: إلى أين سيقود جنون العظمة الترامبي العالم؟ فاهتزاز الدولة الأولى في العالم سينعكس زلزالاً على الصعيد العالمي، في ظلّ نظام دولي هشّ: أوروبا ضعيفة، وروسيا مقيّدة بحربها ضد أوكرانيا، والصين غير جاهزة لتولّي دفّة القيادة.
في المحصلة، لا تكمن خطورة اللحظة الراهنة في قرار بعينه (وآخر الأدلة على التخبط قرار محاصرة إيران بحرياً)، ولا في حربٍ هنا أو أزمةٍ هناك، بل في المنحى الذي باتت تسلكه القوة حين تتحرّر من ضوابطها. فالتاريخ لا يسجل فقط ما تفعله الدول، بل كيف تفعل ذلك، وبأي منطق تُدار قراراتها. وعندما تصبح الغطرسة بديلاً عن الحساب، والنزعة الفردية بديلاً عن المؤسسات، تتحوّل القوة من عنصر استقرار إلى مصدر قلق عالمي. وما يحدث اليوم لا يطرح سؤالاً حول نتائج حربٍ أو مآلات صراع فحسب، بل حول طبيعة النظام الدولي نفسه: هل ما زال قادراً على ضبط القوة، أم أنّه بات أسيرها؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد تعريف دورها ضمن حدود المسؤولية، أم أنّها ماضية في مسارٍ قد يجعل من قوتها عبئاً عليها وعلى العالم؟
السؤال، في جوهره، ليس عن مصير حربٍ أو قرار، بل عن مستقبل قوةٍ لم تعد تعرف، على ما يبدو، أين تتوقف.
