ما نعرفه، أو نُقدّره، عن الأزمة الراهنة أنها تبدو كما لو أنها صارت أقرب إلى نهايتها منذ أن وصلت مختلف أبعادها إلى درجة من النضج كافية للانتقال بالنظام الدولي من حال الفوضى العارمة إلى حال الاستقرار أو إلى ما هو أشبه به. نعلم أن البعد الأميركي، الذي نفرد له أكثر هذه السطور، ليس إلا واحدًا من أبعاد ليست قليلة، تسهم منفردة ومجتمعة في تعميق حال الاضطراب السائدة.
أما الأبعاد التي أقصدها وأعتبرها فاعلة في صنع هذا الاضطراب، فهي، من دون ترتيب خاص أو متعمد من ناحيتي:
أولًا: أميركا، القطب المرتبك في ممارسة الهيمنة في أشد مراحلها صعوبة وتعقيدًا، وسوف أعود إليه ببعض التفصيل بعد قليل.
ثانيًا: الصين وروسيا، القطبان الساعيان لتحقيق انتقال هادئ للقمة الدولية من وضع هيمنة القطب الواحد إلى وضع تعدد الأقطاب، أو إلى وضع أشبه ما يكون بحال توازن القوى. وما زلت أؤكد، اليوم قبل الغد، حرصهما المشترك على أن يتم الانتقال من دون حرب عالمية، فيكون سابقة فريدة في نظريات التحول في نمط القيادة الدولية على امتداد قرنين على الأقل.
ثالثًا: الشرق الأوسط، الإقليم الذي يحلّ، بجدارة وبالتدريج، محل الإقليم الأوروبي، وشهرته في التاريخ، كما نعلم، أنه الإقليم صاحب الحروب الدائمة والمصدر الأساسي لمختلف نظريات علم السياسة والقانون الدولي والصراع. وسوف يذكر التاريخ أن الشرق الأوسط اشتهر، في أواخر هذه المرحلة (التي نعيشها الآن)، بأنه صار أشبه بمقبرة خُصصت لدفن القانون الدولي وقوانين أخرى كثيرة صنعتها حضارة الغرب خلال صعودها وقبل بدء أفولها.
رابعًا: بزوغ كتلة، أو مجموعة، الجنوب من دول صاعدة اقتصاديًا وسياسيًا، تسعى لتنسيق الضغوط لصالح السلم العالمي ولفائدة برامج تنميتها وتأمين صعودها.
خامسًا: اجتماع عديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل حاد، على كافة المستويات: مستوى دول القمة كما على مستويات دول الجنوب.
سادسًا: أوروبا، مهد حضارة الغرب وحامل مشاعل نهوضها، صارت حملًا لا تحتمل حمله الولايات المتحدة. انحسر إبداع أوروبا، وتراخت عضلاتها، وتفسخت علاقات دولها بعضها ببعض، ولا جدال في أن ما فقدته بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم تعوضه.
***
يهمني في اللحظة الراهنة، وبشكل خاص، مناقشة الدور الذي يؤديه البعد الأول، وأقصد أميركا في وجود الرئيس دونالد ترامب لاعبًا أساسيًا. إلا أنه يجب التأكيد سلفًا على حقيقة أن حال انحدار أميركا من موقع القوة المهيمنة والأقوى سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا إلى موقع أدنى لم تتحدد معالمه بعد بالدقة اللازمة؛ هذه الحال بدأت تفرض نفسها منفصلة عن مرحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم وتسبقها، لكنها بالتأكيد عزّزت انحدار الغرب كجماعة حضارية. لذلك أحاول النأي بالرئيس ترامب عن مسؤولية بدء الانحدار، وفي الوقت نفسه أرفض إعفاءه من تحمل المسؤولية عن استمرار التدهور الأميركي وتعميقه، واضعًا في الاعتبار أن الانحدار الأميركي بدأ بشكل نسبي وليس بشكل مطلق، بمعنى أن صعود الصين الأسطوري كان، ولا يزال، أحد أهم العوامل المحددة لانكشاف الانحدار الأميركي ومعدل التدهور المستمر لهذا الانحدار.
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا، بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. وأعتقد أن الصين، بالذات، تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصيًا بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق “القطبية”. هذه التجارب، مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى، كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب
هنا أود أن أعود فأصرّ على فكرة، أو لعلها قاعدة من قواعد الصراع. عشت أحذر من رد فعل طفل أو رجل، بل بالأحرى امرأة أو دولة شعرت بمهانة ضعفها المفاجئ أو المتراكم في مجتمع لا يعرف إلا القوة هدفًا نهائيًا وأداة لفرض النفوذ وتوسيعه.
المؤكد، حسب السير السائدة، أن الولايات المتحدة تعيش هذه الحالة. يجب أن نعترف بهزائم أميركا المتتالية منذ سعي هنري كيسنجر لاتفاق سلام مهين مع فيتنام، ومرورًا بمؤامرة نسف برجي التجارة في نيويورك (11 أيلول/سبتمبر)، وبحرب فاشلة في العراق في عهد جورج بوش الابن، وخروج مهين من أفغانستان في عهد جو بايدن.
***
أذكر أنني وزملاء توقّفنا طويلًا أمام ظواهر أميركية عبّرت بقوة عن حال انحدار، إن لم تكن مهانة. توقفنا أمام انتشار وشعبية “الحركة من أجل عودة أميركا عظيمة مرة أخرى” (ماغا)، وهي الحركة التي أتت بدونالد ترامب مجددًا إلى البيت الأبيض. وتوقفنا مرات بعدها أمام أعمال شغب خطيرة تمارسها إدارة الرئيس ترامب على الصعيد الدولي، وأكثرها حدث على يد وإيعاز من رئيس الدولة نفسه. أذكر تحديدًا التهديد باحتلال قناة بنما، وها هو الآن يهدد، أو يحتل بالفعل، مضيق هرمز. وأذكر أيضًا تهديده فنزويلا، وتهديده ضم غرينلاند، والأدهى عرضه انضمام كندا إلى الولايات المتحدة. أضف إلى كل ما سبق استخدامه أسوأ ما في اللغة من ألفاظ تمسّ بالإهانة أو بنية الغدر رموزًا دولية، مثل حلفائه الأوروبيين، ثم قداسة بابا الفاتيكان، ثم شعائر أديان أخرى. ابتعدنا، مهما ابتعدنا، عن فضيحة جيفري إبستين، لكنها ستبقى أحد أهم عناصر استمرار انحدار، وربما سقوط، النخبة الحاكمة في أميركا. كل يوم يمضي يترك لنا صفحات سوداء من التاريخ المعاصر تشهد بانهيار حضارة الغرب بفعل أبنائها، وليس بفعل آخرين من حضارات أخرى.
بعض مما يحدث الآن يجد تبريره في الحرب ضد إيران. إلا أن أخطر ما يتهدد حاليًا هو السلم العالمي، فالرئيس ترامب ذاته راح يهدد بحرب عالمية ثالثة. لن نستبق الأحداث فنكرر ما يتردد عن أن الحرب العالمية ناشبة فعلًا، إذا نحن وضعنا في اعتبارنا احتمالات نجاح الإدارة الأميركية الراهنة في إحكام سيطرتها على مختلف منابع النفط والغاز، وأساطيل نقلهما، والممرات والمضايق التي يمران بها. تدرك هذه الإدارة، ونحن أيضًا، حاجة الصين الماسة إليهما؛ فهما بالنسبة لاقتصادها وحياتها مسألة حياة أو موت.
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا، بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. وأعتقد أن الصين، بالذات، تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصيًا بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق “القطبية”. هذه التجارب، مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى، كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب.
***
لن تفلح خطة من هذا النوع إلا إن تحقق لها شرط تحرير الرئيس الأميركي من الابتزاز الذي جعله يخضع لقوى ضغط بعينها. كذلك سوف يتعين على كل من روسيا والصين المساعدة في إخراج النخبة الحاكمة في أميركا من عقدة الضعف ومن حال الابتزاز التي تعيش بدورها فيها. للأسف، لا تبدو الخريطة الراهنة للنخبة الأميركية والقوى الضاغطة عليها مشجعة ليخرج عنها منظومة قواعد عمل تليق بنظام دولي جديد.
حقًا، أخشى أننا قد لا نشهد نهاية سريعة للمرحلة الصعبة التي نعيشها، وإن كنا نحلم باقتراب نهايتها.
