حين تصطدم القوة بثقل الجغرافيا والتاريخ.. دروس من الحرب الإيرانية

لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟

في البداية؛ دعونا نتفق أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران ليست مجرد مواجهة أمنية أو اختبارًا لصواريخ وطائرات وأنظمة دفاع. هي أقرب إلى لحظة كاشفة أعادت تثبيت حقائق قديمة حاول كثيرون القفز من فوقها. لحظة أثبتت أن العالم لا يُدار فقط بالتفوق العسكري أو بالهيمنة التكنولوجية، بل بمنطق تحكمه حدود القوة وثقل التاريخ وسطوة الجغرافيا وسلطة الطاقة.

هذه الحرب لم تكشف فقط عن موازين القوى. بل عن موازين الفهم أيضًا. فقد أعادت طرح السؤال الأهم: هل تستطيع القوة وحدها أن تصنع سياسة؟ وهل يمكن التفاوض من دون ذاكرة تاريخية؟ وهل يمكن تجاوز الجغرافيا بالتحالفات المؤقتة؟ وهل ما زالت الطاقة، برغم كل التحولات التكنولوجية، هي القلب الحقيقي للاقتصاد العالمي؟

من هنا، لا تبدو هذه الحرب حدثًا عسكريًا فقط، بل مجموعة من الدروس الاستراتيجية التي تفرض على الجميع إعادة التفكير في قواعد اللعبة الدولية وفي الطريقة التي يُصنع بها القرار في هذا الشرق الذي لا يهدأ؛ فما هي هذه الدروس؟

***

الدرس الأول هو حدود القوة. من السهل الخلط بين امتلاك القوة وبين القدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية. القوة العسكرية ليست طائرات ودبابات وصواريخ. هي القدرة على إنتاج واقع سياسي جديد ومستقر بعد استخدام هذه القوة. الولايات المتحدة تملك بلا شك أكبر ترسانة عسكرية في العالم. وإسرائيل تملك تفوقًا نوعيًا واستخباراتيًا وتكنولوجياً هائلًا في المنطقة. لكن السؤال الحقيقي هل استطاعت هاتان القوتان أن تنتجا نظامًا سياسيًا جديدًا في طهران يخدم أهدافهما؟

الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة انتصارًا سياسيًا. يمكن تدمير بنية تحتية. ويمكن اغتيال قادة. ويمكن فرض حصار خانق. لكن لا يمكن إعادة تشكيل مجتمع كامل أو تغيير وعي تاريخي أو إهمال دور مضيق إقليمي فقط بقصف المركز. هنا يظهر مفهوم “حدود القوة” جلياً. أي النقطة التي تتحول فيها القوة من أداة إنتاج إلى أداة استنزاف. القوة حين تعجز عن إنتاج سياسة تصبح عبئًا على صاحبها. ويصبح الانتصار عقيمًا ولا ينجب نظامًا جديدًا.

***

الدرس الثاني هو أن التاريخ ليس ترفًا فكريًا. التاريخ عنصر أساسي في آلية صناعة القرار. كثير من المفاوضات الدولية تفشل لأن أصحاب القرار يتعاملون مع الملفات الكبرى بعقلية الصفقة التجارية لا بعقلية السياسة التاريخية. السياسة ليست عقد بيع وشراء وأرقاماً على طاولة تفاوض. هي عملية تراكمية طويلة.

في الحالة الإيرانية لا يمكن فهم سلوك الدولة الإيرانية من دون فهم تاريخها مع الغرب. من انقلاب 1953 ضد محمد مصدق. إلى الثورة الخمينية عام 1979. إلى الحرب العراقية الإيرانية. إلى العقوبات الدولية. إلى فكرة الحصار الدائم. هذا السياق التاريخي يفعل فعله في العقل السياسي الإيراني أكثر من أي تقرير استخباراتي حديث. عندما يدخل فريق واشنطن إلى التفاوض من دون فهم هذا العمق فإنه يتعامل مع إيران كملف تقني فقط. بينما ترى إيران نفسها كدولة تخوض معركة وجود ودور وهوية.

لهذا السبب تتحول المفاوضات أحيانًا إلى صفقة لا إلى سياسة. الصفقة تبحث عن الربح السريع. عن الثمن. أما السياسة فتبني توازنًا طويل الأمد. تصنع القيمة. الصفقة تسأل: ماذا سأحصل الآن؟ أما السياسة فتسأل: كيف سيعيش هذا الاتفاق بعد عشر سنوات؟ من لا يقرأ التاريخ يُكرّر أخطاءه. ومن لا يفهم ذاكرة الخصم لا يستطيع بناء سياسة معه.

***

الدرس الثالث هو الجغرافيا. الجغرافيا، ثم الجغرافيا. قد تتغير الأنظمة وتُسقط الحكومات وتُرسم تحالفات جديدة. لكن الجغرافيا تبقى الحاكم الصامت والأقوى الذي لا يُمكن القفز من فوقه. الموقع ليس مجرد خريطة. إنه قدر سياسي.

إيران هي عقدة جغرافية مركزية تربط الفضاء الغربي وكل ما يحمله من مصالح بآسيا الوسطى. تطل على بحر قزوين وتشرف على مضيق هرمز. تلامس العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان. وتملك امتدادًا مباشرًا على الخليج العربي. هذه الجغرافيا تجعلها لاعبًا ثابتاً لا يمكن شطبه. يمكن الضغط عليها ومحاصرتها، لكن لا يمكن إلغاؤها. ولهذا فإن الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط من دون إيران كحقيقة جغرافية-سياسية هو وهم استراتيجي.

***

الدرس الرابع هو الطاقة ودورها الحاسم في الاقتصاد العالمي. برغم الحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والثورة التكنولوجية ما تزال الطاقة هي العصب الحقيقي للنظام الدولي. النفط والغاز ليسا مجرد سلعتين اقتصاديتين، بل هما أدوات سيادة ونفوذ وتوازن ردع.

الحرب أعادت تذكير العالم بهذه الحقيقة. مجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أقلق العالم كله. الأسواق المالية تعاني من حساسية شديدة إزاء احتمالات اضطراب تدفق النفط والغاز. من يملك الطاقة لا يملك الثروة، بل يملك جزءًا من القرار الدولي. لهذا لم تكن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط بعيدة يومًا عن سؤال الطاقة.

إقرأ على موقع 180  سقف حروب نتنياهو.. محو 7 أكتوبر من ذاكرة إسرائيل

الطاقة أيضًا تعيد تعريف التحالفات. قد تتغير الصداقات والعداوات عندما يتغير مسار أنبوب غاز أو عندما يظهر حقل جديد أو يولد مرفأ جديد. السياسة تُفهم من خلال خرائط الأنابيب والموانئ والمضائق البحرية. وكل حرب تُعيد كتابة المعاني نفسها: معنى الدولة. الردع. النصر، وحدود القدرة البشرية على فرض الإرادة بالقوة.

***

في المحصلة، الحرب الإيرانية لم تعلمنا شيئًا جديدًا. لكنها أعادت تثبيت حقائق حاول العالم تجاهلها. القوة وحدها لا تكفي إذا لم تنتج سياسة. التاريخ ليس مادة أرشيفية، بل عقل القرار نفسه. الجغرافيا ليست خلفية للمشهد، بل هي البطل والديكتاتور والطاغية والقاضي الذي يكون حكمه مبرماً غير قابل للطعن والاستئناف. والطاقة ما تزال المحرك العميق للاقتصاد العالمي وللصراعات الدولية.

ما جرى ويجري في منطقة الخليج العربي لم يكن مجرد مواجهة بين جيوش، بل اختبارًا عميقًا لطريقة لا بل عقلية إدارة الإقليم ومن خلاله العالم نفسه، مثلما عادت الطاقة لتفرض حضورها كعنصر حاسم لا يمكن تجاوزه برغم كل التقليل الأميركي من شأنها. من هنا، تبدو هذه الحرب كمرآة كاشفة، لا لحجم القوى فقط، بل لحدودها أيضًا.

هذه الحرب لا تكتب فصلاً ختامياً في سجل صراع عمره نصف قرن بقدر ما تفتح فصلاً أطول وأكثر تعقيدًا في تاريخ المنطقة والعالم؛ فكل ما جرى ويجري يؤكد أن من يراهن على القوة وحدها، يخاطر بأن يتحول انتصاره إلى عبء، وأن من يتجاهل التاريخ، يعيد إنتاج أزماته بأشكال أكثر قسوة، وأن من يحاول القفز فوق الجغرافيا، يسقط عند أول اختبار واقعي. أما الطاقة، فستبقى، مهما تغيّرت العناوين، الخيط الخفي الذي يشدّ خريطة العالم إلى توازناته الدقيقة. لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا ليس من انتصر في هذه الجولة أو من هو الأقوى، بل من تعلّم كيف يُحوّل القوة إلى سياسة، والواقع إلى توازن، والصراع إلى معادلة قابلة للاستمرار. هناك فقط، تبدأ الدول بكتابة تاريخها، بدل أن تظل أسيرة له.

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  سقف حروب نتنياهو.. محو 7 أكتوبر من ذاكرة إسرائيل