القمة الأمريكية الصينية.. إدارة التنافس لا حسمه على تخوم الشرق الأوسط

مع بدء العد العكسي للقاء القمة المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين، تبدو التوقعات أعلى من الوقائع، والرهانات أكبر من المؤشرات المتاحة. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هكذا قمة يكشف عن لحظة دولية حسّاسة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى فوق خرائط ملتهبة، من شرق أوروبا إلى غرب آسيا، مروراً بالعقدة الأكثر تعقيداً: إيران.

ليس من الدقة التعامل مع هذه القمة بوصفها “قمة حسم”، كما توحي بعض القراءات المتسرعة. فالعلاقات بين الولايات المتحدة والصين لم تعد قابلة للاختزال في صفقات كبرى تُنهي الخلافات دفعة واحدة. نحن أمام نمط جديد من التنافس، تنافس مُدار، يتجنب الانفجار، لكنه لا يسعى إلى التسوية الشاملة. وفي هذا السياق، يصبح كل لقاء رفيع المستوى بين الجانبين جزءاً من عملية مستمرة لضبط الإيقاع، لا لإعادة كتابة النوتة بالكامل.

ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط يظل ساحة مركزية في هذا التفاعل. ليس لأنه أولوية استراتيجية مطلقة للطرفين، بل لأنه يمثل نقطة تقاطع حيوية لمصالحهما، الطاقة، الممرات التجارية، والاستقرار الهش الذي قد يتحول في أي لحظة إلى مصدر اضطراب عالمي. بالنسبة إلى الصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فإن أي تهديد لتدفق النفط عبر الممرات البحرية يشكل خطراً مباشراً على اقتصادها. أما الولايات المتحدة، وبرغم محاولات تقليص انخراطها، ما تزال ترى في المنطقة جزءاً من توازنات أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والتحالفات والنفوذ.

في هذا الإطار، تبرز إيران كعنصر لا يمكن تجاوزه. لكنها ليست، كما يُصوَّر أحياناً، مجرد ورقة في يد هذا الطرف أو ذاك. إيران فاعل إقليمي معقد، يمتلك أدواته الخاصة، ويتحرك وفق حسابات تجمع بين البراغماتية والاعتبارات الأيديولوجية. صحيح أنها تواجه ضغوطاً اقتصادية وعقوبات مستمرة، وحرباً ضروساً، لكنها طوّرت في المقابل استراتيجيات للتكيف، من تنويع شركائها إلى تعزيز نفوذها غير المباشر في محيطها.

من هنا، فإن أي رهان على قدرة الصين على “ضبط” السلوك الإيراني بشكل كامل يبدو مبالغاً فيه. العلاقة بين بكين وطهران قائمة على المصالح، لا على التبعية. الصين تحتاج إلى النفط الإيراني، وإيران تحتاج إلى السوق الصينية، لكن هذا التبادل لا يمنح أي طرف القدرة على فرض إرادته بالكامل على الآخر. ما يمكن أن تفعله بكين، على الأرجح، هو المساهمة في إدارة التوتر، لا حله؛ تقليل احتمالات التصعيد، لا إنهاء أسبابه. زدْ على ذلك خصوصية العلاقة الصينية الباكستانية التي تعطي اسلام آباد رصيداً لا يتوفر لغيرها من العواصم، فضلاً عن العلاقة المييزة التي تربط الرئيس ترامب بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير.

على الجانب الأمريكي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب السياسي. فبينما يميل دونالد ترامب إلى تقديم السياسة الخارجية بلغة الصفقات، فإن بنية القرار في واشنطن أكثر تشعباً. هناك مؤسسات أمنية وعسكرية، وتحالفات إقليمية، وضغوط داخلية، كلها تلعب دوراً في تحديد حدود أي تحرك. لذلك، فإن الحديث عن “انسحاب أمريكي” من الشرق الأوسط يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. قد يكون هناك إعادة تموضع، أو تقليص لبعض الأعباء، لكن التخلي الكامل عن النفوذ يبدو خياراً غير واقعي في المدى المنظور.

في ظل هذه التعقيدات، تظهر فكرة “المقايضة الكبرى” كتصور نظري أكثر منها خطة قابلة للتنفيذ. هل يُمكن لواشنطن أن تقبل بدور صيني أكبر في ضمان استقرار المنطقة مقابل تنازلات في ملفات أخرى؟ ربما، لكن ضمن حدود ضيقة ومشروطة. فالتنافس بين القوتين لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل يمتد إلى تعريف قواعد النظام الدولي نفسه. وأي تنازل في ساحة ما يُقرأ غالباً في سياق أوسع من ميزان القوة.

ما يميز المقاربة الصينية، في هذا السياق، هو تركيزها على البعد الاقتصادي. فمن خلال مبادرات مثل “الحزام والطريق”، تسعى بكين إلى ربط مناطق مختلفة بشبكات من البنية التحتية والتجارة، على أمل أن يؤدي تشابك المصالح إلى تقليل النزاعات. هذه الرؤية، التي تتقاطع مع مفاهيم في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، تفترض أن الاقتصاد يمكن أن يصبح بديلاً تدريجياً عن الصراع.

في هذا السياق، تُشكل إيران أحد أهم الممرات البرية في مشروع “الحزام والطريق”، لما توفره من وصل جغرافي مباشر بين شرق آسيا وأوروبا، من دون أن تكون المسار الوحيد أو الإلزامي ضمن شبكة الطرق المتعددة التي تعتمدها الصين، براً وبحراً.

ومن زاوية أخرى، لا تنفصل المواجهة الأمريكية مع إيران عن معادلة الطاقة العالمية، حيث يشكّل ضبط ممرّاتها ومصادرها أحد أدوات التأثير الاستراتيجي، في سياق أوسع يتقاطع مع إدارة صعود الصين، وهذا ينطبق على معادلتي النفط الفنزويلي والإيراني.

بهذا المعنى، يُمكن أن تتحول الممرات التجارية إلى نقاط تنافس، والاستثمارات إلى أدوات نفوذ، والاعتماد المتبادل إلى مصدر قلق بقدر ما هو مصدر استقرار. بمعنى آخر، “خرائط التجارة” لا تحل محل “خرائط القوة”، بل تتداخل معها في شبكة معقدة من المصالح والتوازنات.

في هذا السياق، يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالممرات البرية التي تربط آسيا بأوروبا، مروراً بإيران وتركيا. هذه الممرات تمثل، بالنسبة إلى الصين، بديلاً جزئياً للمسارات البحرية التي قد تكون عرضة للاضطراب. لكنها في الوقت نفسه تمر عبر مناطق تعاني من هشاشة سياسية وأمنية، ما يجعلها رهانات طويلة الأمد أكثر منها حلولاً فورية.

إقرأ على موقع 180  وجه دبلوماسي جديد.. للتنين الأسيوي

أما بالنسبة لإيران، فإن الانخراط في مثل هذه المشاريع يحمل فرصاً وتحديات في آن واحد. من جهة، يوفر لها متنفساً اقتصادياً وفرصة لتقليل تأثير العقوبات. ومن جهة أخرى، يفرض عليها التكيف مع شبكة معقدة من المصالح التي قد تحد من هامش حركتها. لكن من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في سلوكها الاستراتيجي، على الأقل في المدى القريب.

في النهاية، ربما يكون الخطأ الأكبر هو البحث عن “لحظة حسم” في عالم لم يعد يعترف بمثل هذه اللحظات. النظام الدولي اليوم أقرب إلى حالة تشكّل مستمر، حيث تتغير التوازنات تدريجياً، وتتشكل التحالفات بشكل مرن، وتبقى النتائج مفتوحة على احتمالات متعددة.

إذا عُقد لقاء القمة بين واشنطن وبكين (ولم يُؤجل كما حصل سابقاً)، من المرجح أن يسفر عن تفاهمات محدودة، أو إشارات تهدئة، أو ربما اتفاقات جزئية في ملفات محددة. لكنه لن يكون نقطة تحول جذرية تعيد رسم ملامح العالم دفعة واحدة. فالقوى الكبرى، رغم تنافسها، تدرك حدود قدرتها على فرض إرادتها، وتفضل، على الأقل في هذه المرحلة، إدارة الخلاف بدلاً من حسمه.

في هذا المشهد، لا تبدو بكين كمن “يوزع أوراق اللعب”، ولا واشنطن كمن “يفقد السيطرة”، ولا طهران كمن “ينتظر الخلاص”. بل نحن أمام توازن دقيق، حيث يتحرك كل طرف ضمن هامش محسوب، مدفوعاً بمصالحه، ومقيداً بقيود الواقع.

وربما هذا هو الدرس الأهم، العالم لا يُدار من خلال صفقات كبرى بقدر ما يُشكَّل عبر سلسلة من التفاهمات الصغيرة، التي لا تُنهي الصراع، لكنها تمنعه من الانفجار. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُكتب السياسة الدولية اليوم، ببطء، وبحذر، وبقدر كبير من الشك.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  دونالد ترامب.. مُلاكمٌ بلا قواعد ولا أنظمة!