التفاهم الأميركي الإيراني.. هل يجعل من فانس “نيكسون 2028″؟

المصلحة المتبادلة، هي التي تتحكم بمسار مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية. وهذا ما يمنحها حصانة في مواجة الاختبارات التي تتعرض لها في مضيق هرمز أو في لبنان، أو عبر المواقف عالية السقوف التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو مسؤولون إيرانيون بين الفينة والأخرى، خدمة لأغراض داخلية، ليس إلا.

ثمة مُحدّدات حكمت على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يذهب نحو التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران بعد مئة يوم من الطريق المسدود الذي وصلت إليه حرب تعارضها الغالبية الساحقة من الرأي العام الأميركي، وأحدثت هزة في أسواق الطاقة العالمية بسبب إغلاق إيران مضيق هرمز، ورفعت مستويات التضخم داخل الولايات المتحدة. وعلاوة على كل ذلك، كشفت حدود القوة لأكبر جيش في العالم.

انتشل ترامب نفسه من مضيق هرمز قبل أن يغرق، كما غرق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سهوب أوكرانيا. واستنجد بالرجل الوحيد في ادارته الذي كان معارضاً للحرب. إنه نائبه جي. دي. فانس، الأكثر وفاء للتيار الانعزالي وشعار “أميركا أولاً”، والداعي إلى انسحاب أميركا من الحروب الأبدية في الشرق الأوسط منذ خدم في الجيش الأميركي إبّان احتلال العراق. فانس لا يدعو إلى الانسحاب من الشرق الأوسط فقط، بل يدعو إلى الانسحاب من أوروبا أيضاً، وكان خلف قرار ترامب بوقف المساعدات المجانية لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

لم يتجرأ مسؤول أميركي على انتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما فعل فانس منذ وزير الخارجية الأميركي سابقاً جيمس بايكر، عندما غادر تل أبيب بعد مشادة مع رئيس وزرائها سابقاً اسحق شامير عام 1991، لرفضه المشاركة في مؤتمر السلام في مدريد عقب الحرب الأميركية التي أخرجت صدام حسين من الكويت. عامذاك، قال بايكر: “لقد تركت رقم هاتف البيت الأبيض لدى شامير كي يتصل بالبيت الأبيض عندما يكون مستعداً للذهاب إلى مدريد”. وأقرنت إدارة جورج بوش الأب القول بالفعل، عندما لوّحت بتجميد القروض للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أذعن شامير للضغوط وذهب إلى مؤتمر مدريد.

قال فانس: “لو كنت وزيراً في الحكومة الإسرائيلية لامتنعت عن مهاجمة آخر رئيس في العالم يتحدث مع نتنياهو”. وذهب خطوة أبعد، عندما وافق مع كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف في المفاوضات التي أجرياها في منتجع بورغنشتوك الجبلي السويسري في 21 حزيران/يونيو، على تشكيل “خلية منع الاحتكاك” في لبنان، من أميركا وإيران ولبنان والوسيطين الباكستاني والقطري. فُسر ذلك على أنه اقرار أميركي بربط المسارين الإيراني واللبناني، في تناقض صارخ مع موقف نتنياهو وحتى مسؤولين أميركيين من دعاة الفصل بين المسارين، وأبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو.

لا ينطلق موقف فانس من فراغ. بل هو متمم للخلاف الذي نشب بين ترامب ونتنياهو في شأن لبنان، بعدما هدّدت الهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعرقلة التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، عقب رد الحرس الثوري بقصف إسرائيل استناداً إلى تمسكه، بأن وقف النار الذي بدأ في 8 نيسان/أبريل يشمل “كل الجبهات” بما فيها لبنان. تكرّس ذلك في مذكرة التفاهم لاحقاً. وحاول ترامب اقناع نتنياهو بأن ثمة خياراً آخر لمواجهة “حزب الله” يتمثل في ايكال هذه المهمة إلى رئيس سوريا أحمد الشرع.

فانس وروبيو: منافسة مفتوحة

يُنظر في إسرائيل إلى مذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب على أنها انتصار لإيران، وفشل ذريع لمشروع نتنياهو الأبدي القائم على اسقاط النظام في طهران، بوصفه الحل الناجع للحؤول دون حيازة إيران على سلاح نووي. وعندما فشلت الحرب الأخيرة في قلب النظام، كان نتنياهو يفضل الانتظار بعض الوقت ومن ثم مهاجمة إيران مجدداً، استناداً إلى مبدأ “جز العشب” الذي يطبقه في غزة والضفة ولبنان، أي القضاء المسبق على ما تراه إسرائيل تهديداً.

هذا المبدأ، كفيل بأن يبقي إسرائيل في حالة حرب دائمة، كوسيلة لبقاء نتنياهو رئيساً للوزراء وتجنب المساءلة عن الإخفاق الكبير أمام “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والمقاضاة في قضايا الفساد. اليوم، يقول نتنياهو للناخبين الإسرائيليين، إنهم إذا أرادوا منع حصول إيران على القنبلة، فيتعين عليهم اعادة انتخابه في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

انفجر خلاف نتنياهو مع ترامب، لأن الأخير غير قادر على اغراق أميركا في حرب أبدية. لا قاعدته الانتخابية راضية عنها ولا النخب الأميركية، باستثناء المحافظين الجدد. والانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، قد تسفر عن “مد أزرق” يعيد الديموقراطيين إلى الإمساك بمجلسي الكونغرس، وإيقاظ احتمالات الدخول في إجراءات لعزل الرئيس للمرة الثالثة، لأنه ذهب إلى حرب من دون تفويض من الكونغرس ومن دون أدلة كافية على أن إيران كانت تشكل خطراً وشيكاً على الأمن القومي الأميركي.

تقصد ترامب أن يعهد إلى فانس بالملف الإيراني، وعدم جعله حكراً على ماركو روبيو، الذي يمثل الجناح الأكثر تقليدية في الحزب الجمهوري، والمنافس الأكثر جدية لفانس على خلافة ترامب.

وعلى مدى الأيام الأخيرة، حاول روبيو عبر جولته الخليجية، أن يبعث برسائل طمأنة للحلفاء، بأن أميركا تريد الاتفاق مع إيران، لكن “ليس بأي ثمن”، وبأن مضيق هرمز لن يكون خاضعاً لسيطرة أي دولة. ثم أن الصندوق الاستثماري لإيران الذي نصت عليه مذكرة التفاهم، لن تكون دول الخليج ملزمة بالمساهمة فيه، وذلك بعدما كان فانس قد أوحى بهذه الفكرة.

إقرأ على موقع 180  هكذا تكلّم اللواء ناصيف.. من إغتال الحريري؟

ومن الخليج، عاد فانس إلى أروقة وزارة الخارجية في واشنطن حيث كانت تعقد المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية أميركية، كي يُذلّل آخر العقبات من أمام ولادة “الاتفاق الإطاري” بين لبنان وإسرائيل. هذا الاتفاق بدا في خضم الانقلابات الكبرى في الإقليم، وكأنه رد على “خلية منع الاحتكاك” التي أفرزتها مفاوضات سويسرا. وبدا بذلك، أن روبيو مع فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، على عكس ما ذهب إليه جي. دي. فانس.

فانس.. وإغراء إيران

الصراع الأميركي الأميركي لا يدور في الشرق الأوسط فقط؛ هو صراع بين أجنحة داخل البيت الأبيض والكونغرس. والتوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران استناداً إلى مذكرة التفاهم، يشكل رهاناً جدياً لفانس الذي يُصحّح اليوم انحراف ترامب عن سياسة “أميركا أولاً”، تحت اغراء التحول إلى رئيس إمبريالي يذكر بحقبة القرن التاسع عشر.

ويُراهن فانس، على أن إيران لن تخاطر بنسف مذكرة التفاهم، لأن فيها من الإغراءات ما يحملها على التمسك بها، خصوصاً ما يتعلق بالجانب المالي الذي يحتاجه النظام بشدة للتعافي وحتى للانخراط في عجلة الاقتصاد العالمي، وتخفيف حدة التوجه الإيديولوجي، الذي سينعكس أيضاً على علاقات إيران بحلفائها في المنطقة، لا سيما أنه تبين أن مضيق هرمز هو خط الدفاع الأول عن إيران، على عكس العقيدة التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى حرب 28 شباط/فبراير، عندما كانت طهران تعتمد على “الأذرع” كوسيلة لدرء تعرضها لحرب مباشرة.

في هذا الصدد، كتب مدير برنامج “الحرب والتهديدات غير التقليدية” في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن دانيال بايمان في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية: “على مدى سنوات، اعتمدت إيران على وكلاء لتحقيق الانتشار والنفوذ والردع بتكلفة منخفضة نسبياً. غير أن هؤلاء الوكلاء باتوا اليوم يمثلون عبئاً بقدر ما يمثلون رصيداً استراتيجياً.. وبرغم أن هذه الجماعات ستواصل تهديد إسرائيل والولايات المتحدة وشركائهما، إلا أنها لم تعد تثير القدر نفسه من الحذر الذي كانت تثيره في السابق. وتكمن المفارقة في مشهد الشرق الأوسط لما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في أن “محور المقاومة” الإيراني لا يزال قائماً، لكنه يبدو أقل قدرة على أداء المهمة التي أُنشئ من أجلها في الأساس: حماية إيران نفسها”.

وبمعزل عما إذا كان بايمان محقاً أم لا، فإن حروب إسرائيل منذ ثلاثة أعوام، خلقت وقائع جديدة، وأتت حرب إيران لتلغي الكثير من هذه الوقائع وتجعل المنطقة معلقة في انتظار توازنات جديدة، تمتد من هرمز إلى لبنان، وتذكي في الوقت نفسه صراعاً داخل البيت الأبيض والكونغرس حول السياسة الواجب اعتمادها إزاء إيران.

ويستهوي فانس هذه الأيام، عقد مقارنة بين مسيرته السياسية ومسيرة الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون. كلاهما وصلا إلى مجلس الشيوخ في أواخر الثلاثينيات من العمر، وتوليا منصب نائب الرئيس في أوائل الأربعينيات. حتى تتطابق السيرتان، يُفترض أن يصل فانس إلى سدة الرئاسة. نيكسون وعد بانهاء حرب فيتنام من خلال “حل مشرف” للبلدين، وهو المسار الذي ساعد في وصوله إلى البيت الأبيض.. وها هو فانس يذهب في تقديراته إلى حد القول إن فرصة إنهاء صفحة العداء بين إيران والولايات المتحدة كبيرة جداً.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": نتنياهو يَخضَع لبايدن ويُحمّل المسؤولية لكوخافي