واقعنا المأسويُّ يشير إلى كل ذلك. ولا غرْوَ من الأمر، فحين تكثر الشعارات في بلدٍ ما، علينا أن نعرف أنَّ الحقيقة في خطر. هذه هي حقيقة “الوحدة الوطنيّة” في لبنان. إنها في عين العاصفة. وربَّما لم تكن يوماً إلَّا على هذا النحو منذ إنشاء الكيان اللبناني عام 1920. والغريبُ حقاً أنَّنا بعد مئةٍ وستةِ أعوام ما زلنا نحمل جنسيَّةً ولا نحمل هوية وطنيَّة. ما زلنا سكَّاناً ولم نصبح لبنانيين.أراد لنا الاستعمار بعد سايكس- بيكو أن نكون كياناً في إطار تجزئة المشرق، فسكتنا عمَّا أرادهُ، وقدسْنا الكيان ولم نعمل على الارتقاء به إلى وطن ودولة، بل تغلغلت فينا الكيانيّةُ حتى النخاع، والتحاصُصية السلطوية بكل المقاييس حتى بالنانومتر السياسي. وأَُصَبْنا أنفسنا بـِ”كورونا الإسقاطاتِ التاريخية” فاخترعنا للكيان تاريخاً متوهَّماً خارج تاريخ الشرق، ويَدّعي بجذورٍ تعود إلى ما قبل ستة آلاف سنة، كأنَّ لبنان الذي نعرفه اليوم كان موجوداً آنذاك، أو كأنه قطعة نزلتْ من السماءِ لا مثيل لها فانعزلتْ عن محيطِها، بينما هو “بيت بمنازل كثيرة” وفقاً لتعبير المؤرِّخ د. كمال صليبي الذي استعاره من الإنجيل[في بيت أبي منازل كثيرة. يوحنا-إصحاح 14-2:14].
نكتب ونتكلم بصيغة الجمع: “نحن” و”نا”. سوسيولوجيا اللغة تفضحُنا. هذه الـ“نحن” مريضة باضطرابِ الدلالة. نتخادع بها، فهي لا تعني الشيءَ نفسه عند كل مَن يحمل جنسية لبنان. ولطالما فضحتِ اللغة عندنا، وعند غيرنا، خلل التكوين السوسيو- السياسي. الـ“نحن” تعني في البلد “الجماعة الطائفية” ولم تصل بعد إلى معنى اللبنانيين. هذا ما يُقزِّم الوحدة الوطنية المرجوَّة إلى اتحاد طوائف متنازعة. تنزلق كلَّ حِقبةٍ إلى حرب، ثمّ إلى تسويةٍ فحرب. ودائماً اقتتال في الداخل وارتهان للخارج، ما يؤكِّدُ كذبة الكيان المستقر منذ ستة آلاف سنة، ويبرهن أنَّ “اللاوعي المُؤسْطَر” الناجم عن هذه الكذبة هو الذي يقف خلف الاستبطان الطائفي الواعي في ضمير الجماعة “نحن”. وهذا بالضبط ما أسسه المنظّرُ اليميني “ميشال شيحا” عندما وصف لبنان بأنه “جمهورية طوائف منتظمة“، فأبَّدَهُ بهذه الصيغة المخالفةِ أبسطَ قواعد التطور الاجتماعي، والفهم العلمي لحركة التاريخ، ولمخاطر الإسقاطاتِ الطائفية وغير الطائفية عليه. لقد رسم “شيحا” ما أرادته البرجوازيَّات الطائفية المسيحية والمسلمة التي غطَّت موقعها الطبقي بساترٍ من دخان المصالح الربحية، فساقت كيان/ لبنان نحو مستنقعٍ آسنٍ لا يعرف معنى الوطن والدولة، وصوَّرتْ للجمهور- وما تزال- أنَّ هذا الأمر طبيعي وأسمته زوراً بالتعددية الحضارية.

علينا أن نكونَ أمناء أمام أجيالنا الناشئة فنطرح السؤال: من المسؤول عن اضطراب فكرة الوحدة الوطنيَّة؟ لا نقصد هنا شخْصنةَ الجواب فيكون هذا أو ذاك، بل المقصودُ هو الفكر الفوقي -الطبقي غير الواقعي وغير الموضوعي الذي جعل الطائفة/ الطبقة قبل الوطن، ورأى المجتمع لوحة “بازل” منفصلة فيما تبدو في الظاهر متصلة. هنا يظهر الجوابُ واضحاً: القوى السياسية الطائفية/ الطبقية عند المسلمين والمسيحيين هي التي تتحمَّل المسؤولية، إذْ لم تخرج من عباءة الاستعمار، ولم تسعَ إلى المواطنية بدلاً من الطائفية، ولا إلى بناء دولة خارج طاحونة المحاصصة السلطوية. مصالحها الطبقية تحول دون ذلك، وهذا ما يجب أن يدركه “اللبنانيون” كي يصيروا لبنانيين؛ وإلَّا سيبقى تحالف البرجوازيات الطائفية الكومبرادورية سيّداً: تحالف مالي عابر للطوائف، واقتتال بين الفقراء جميعاً دفاعاً عن طوطم الطائفة أيَّاً تكن.
يستحيل بلوغ الوحدة الوطنية من دون الوحدة الاجتماعية. يرى “جان جاك روسو” في “العقد الاجتماعي” أنَّ هذه الوحدة تقتضي “التنازل عن المصالح الخاصة”، وهذا ما لم يحصل في لبنان بسبب الطائفية، وبسبب المزج الخطير بين مفهومَي الطائفة والطبقة الذي أنتج ما يمكن أن نسمّيه بعنصريَّاتٍ محلية ترفض “رغبة العيش معاً” على حدِّ تعبير “إرنست رينان” حديثاً وابن خلدون قديماً. والدليل على ذلك ما نمرُّ به الآن، فالعدوُّ الإسرائيلي يراه بعضهم عدوَّاً لشريحة من دون الآخرين، وينظر هذا “البعض” إلى الجنوب حيث الاحتلال بوصفه قطعةً ألصِقتْ بلبنان وليست منه منذ عام 1920، ويدعو إلى لبنان الصغير على قاعدة قوقعةٍ جديدة، تستنسخ ما سبق عام 1861 بكلِّ ما فيه من تفكيك وتركيب، وإعادة صياغة معادلات داخلية بعوامل خارجية. والعجيب أنَّ هؤلاء الذين يُجزِّئون لبنان هم أنفسهم يُروِّجون أنه مستقر منذ ستة آلاف سنة فأين ذهبت هذه الآلاف من الأعوام؟ ولماذا لم تؤدِّ إلى المواطنية؟ كان يفترض بنا أن نتوحَّد بوجه عدوٍ يستهدف الجميع فوقع العكس، وبات الهجوم على من يرى “إسرائيل” عدوَّاً لغة يومية عند بعض الشرائح التي تمتنع عن إجراء أيِّ مراجعةٍ نقدية لمواقفها. وإذا فعلت ذلك، فإنها تفعلُه سطحياً بصورةٍ خطيرة إذْ تدعو إلى “الكونفدرالية” و”الحياد” تحت شعار أنَّ كلَّ طائفة تختار ما تريد.
الوحدة الوطنية المرتجاة تزدادُ انحداراً نحو مستنقع الاستحالة في المدى المنظور. وبالرغم من ذلك فإنَّ اليأس في السياسة وفي حياة الشعوب يعاكس منطق التاريخ، ولذا تبقى هذه الوحدة هي الرد الحقيقي الوحيد على المشروع الاستعماري الصهيوني في “إسرائيل” وغيرها، وهي الخطوة الأولى نحو الخلاص من التخلُّف الوطني في لبنان. وبمقدار ما تطرحه السلطة الراهنة كسابقاتها من حرص على “الوحدة الوطنية” فإنَّ من حقِّ أي مراقبٍ أن يسألها عمَّا قامت به من أجل ذلك؟ ولماذا قدَّمت خطاباً عن أمر يجب أن يوجد، لكنها لم تفعل شيئاً من أجل إيجاده حتى أنها اختارت التفاوض تحت النار مع العدوِّ الإسرائيلي بأوراق فارغة، فلا هي استفادت من ورقة المقاومة ولا هي سعتْ إلى تحقيق وحدة وطنية.
لبنان مهدَّد بأن تأكله “لبنانات” داخلية/ خارجية. لم تُنقذْنا تسوية “الطائف”. بات “الطائف” نفسه يحتاج إلى من يُنقذه. والوحدة الوطنية المنشودة تتردَّى في مهالك الخطر، فمتى يخرج “اللبنانيون” من التعايش الطائفي غير المشترك إلى العيش الوطني؟
