كرّست زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس والجمعة إلى بكين، عصر الثنائية القطبية الجديدة في العالم. ارتقت الصين إلى مرتبة الدولة العظمى بالقوة الاقتصادية الذاتية وبالقوة الناعمة في الخارج، بينما تكافح أميركا للحفاظ على موقعها كقوة عظمى أولى اليوم بالقوة الصلبة وبالعقوبات وبترهيب الخصوم، حتى تكاد تصح فيها نبوءة ماو تسي تونغ بأن “القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في أنحاء العالم، هي بمثابة أنشوطة ستخنق” الإمبراطورية الأميركية.
وفي ظلال الثنائية القطبية الأميركية-الصينية، تلوح أوروبا وروسيا من بعيد، كقوتين ذاويتين، وعاجزتين عن اللحاق بالولايات المتحدة والصين. وزادت الحرب الروسية-الأوكرانية من الهوة في هذه التراتبية العالمية.
وربما باستدراك متأخر، برزت مؤشرات على أن أوروبا قد عقدت العزم في نهاية المطاف على أن آوان الفطام قد حان، عن الحماية العسكرية الأميركية. وروسيا بدورها، بدأت تعي عمق المأزق الذي سارت إليه بعيون مفتوحة في أوكرانيا، ومترتباته بشرياً واقتصادياً. الدعوات الأوروبية الأخيرة إلى حوار مع روسيا والرد الروسي الإيجابي عليها، بدت وكأنها اعتراف من الجانبين بالخسارة، وبأن الوقت لم يفت لجمع أوصال القارة، قبل أن تتحول الضحية الأولى للتوازنات العالمية الجديدة.
إبّان الحرب الباردة، كانت القمم الأميركية-السوفياتية توعز بفترات من الانفراج على صعيد الأزمات الدولية. وبعد انتهاء الحرب الباردة، تربعت أميركا على عرش القطب الواحد، فذهبت إلى الحروب في العراق وأفغانستان ويوغوسلافيا. اليوم، فرض الصعود الصيني ثنائية قطبية، فإلى أين يتجه العالم من هنا فصاعداً
الوفاق بين أكبر قوتين
منذ أن التقى ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، بدأ يطلق وصف “مجموعة الإثنين” (G2) على أميركا والصين. ومن الصدف الغريبة، أن أول من أطلق هذا المصطلح كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، في إشارة منه إلى تحسن العلاقات الاقتصادية مع الصين إبّان ولايتيه بين 2009 و2017.
وفي بكين، كرّر ترامب هذا الوصف، معتبراً ما يجري بأنه ” لحظة مهمة جداً في التاريخ”. وللمصطلح دلالة كبيرة في وقت يتسع فيه الشرخ بين أميركا وحلفائها في مجموعة السبع وفي حلف شمال الأطلسي. لم يقم ترامب مثلاً أي وزن للتحالف البحري الذي قرّرت بريطانيا وفرنسا اطلاقه، الأسبوع الماضي، للاضطلاع بتأمين مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب مع إيران.
والثنائية القطبية، تملي على واشنطن وبكين ابقاء الخلافات السياسية مضبوطة تحت سقف الوفاق بين أكبر قوتين اقتصاديتين عالميتين. هذا الوفاق تأسّس على الهدنة التجارية بعد الحرب الجمركية التي دشنها ترامب في “يوم التحرير” في نيسان/أبريل 2025، عندما زاد الرسوم على الواردات من الصين إلى أكثر من 145 في المئة، لترد عليه بكين بالمثل، قبل أن يتراجع ترامب وتتراجع الصين.
وبالمقارنة، فرض ترامب على الاتحاد الأوروبي في الفترة ذاتها اتفاقاً جمركياً لمصلحة الولايات المتحدة، بينما كانت كندا تتلقى أكبر التأثيرات من اندفاع الرئيس الأميركي إلى استعارة امبريالية القرن التاسع عشر. ما مارسه ترامب من تنمر على الأوروبيين وكندا والمكسيك وحتى على الحلفاء الآسيويين، لم يتمكن من ممارسته على الصين. لماذا؟ ببساطة لأنها تلمس من نفسها قوة اقتصادية تؤهلها للرد بالمثل.
وللرد على الصين، لجأ ترامب إلى تحجيم النفوذ الصيني في أميركا الجنوبية، فخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير الماضي، وحاصر كوبا لتركيعها، بعدما أخضع كولومبيا، ولا يزال يضغط على بناما لطرد الاستثمارات الصينية وبسط الهيمنة الأميركية على قناتها من جديد، وتطبيق “مبدأ مونرو” لعام 1823.
ردّت الصين، بتعزيز نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وبابرام اتفاقات تجارية وباستثمارات على “طريق الحرير” بتريليونات الدولارات. وتعزّزت العلاقات مع الجوار الآسيوي بعد حرب إيران واغلاق مضيق هرمز، حيث زاد اعتماد هذه الدول على الصين لتأمين النقص في الوقود وسلع أخرى.
الصين وأميركا ثنائية قطبية
نشأ في العقود الماضية، ترابط وثيق بين الاقتصادين الأميركي والصيني، إلى درجة يصعب الفك بينهما. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تحتاح الولايات المتحدة إلى الأتربة النادرة الصينية التي تدخل عنصراً أساسياً في الصناعات التكنولوجية، بينما تحتاج الصين إلى أشباه الموصلات الأميركية، للمضي في تطوير برامجها الخاصة من الذكاء الإصطناعي، الذي يتباهى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بأن أميركا تحقق تفوقاً كبيراً فيه، على الصين. والشركات الأميركية متعطشة لفتح أسواق الصين أمامها. وتباهى ترامب بموافقة الصين على شراء 200 طائرة ركاب من طراز “بوينغ”، علماً إلى أنه كان يطمح إلى صفقة من 500 طائرة.
وفي وصف دقيق للقمة وأبعادها، نقلت صحيفة “الواشنطن بوست” عن محللين، أن “صورة القوتين العظميين على قدم المساواة، هي بالضبط ما هدف شي إلى تحقيقه من خلال الزيارة. وعلى مدى يومين من الاجتماعات، أظهرت الأبهة المصممة بعناية وإيماءات الصداقة والاحترام المتبادلة بين أقوى رجلين في العالم، ديناميكية جيوسياسية طالما سعى إليها الصينيون وقاومها الأميركيون”.
ومع أن ترامب يقر بقوة الصين، لكنه رفض اشارة مبطنة من شي حول اتجاه أميركا إلى الانحطاط، وقال إن هذا الأمر كان يصح إبّان ولاية سلفه جو بايدن، بينما عمل هو على إعادة الولايات المتحدة إلى عظمتها.
قمة بكين، أكدت أن أزمات العالم، وفي مقدمها حرب إيران، مآلها إلى “مجموعة الإثنين”، بحثاً عن مخرج من الطريق المسدود بين واشنطن وطهران. ومن المعلوم أن ترامب أرجأ هذه القمة التي كانت مقررة في آذار/مارس الماضي، أملاً في أن يحرز فيها غلبة تقوي أوراقه عندما يجلس مع شي.
نقلت صحيفة “الواشنطن بوست” عن محللين، أن “صورة القوتين العظميين على قدم المساواة، هي بالضبط ما هدف شي إلى تحقيقه من خلال الزيارة. وعلى مدى يومين من الاجتماعات، أظهرت الأبهة المصممة بعناية وإيماءات الصداقة والاحترام المتبادلة بين أقوى رجلين في العالم، ديناميكية جيوسياسية طالما سعى إليها الصينيون وقاومها الأميركيون”
وسمع ترامب من المسؤولين الصينيين كلاماً يقوله هو نفسه عن الحرب الروسية-الأوكرانية. وفي تذكير صارخ بما يقوله الرئيس الأميركي من أن “هذه الحرب ما كان يجب أن تحدث”، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن حرب إيران أيضاَ “ما كان يجب أن تحدث”.
وتفادت الصين تقديم أية التزامات في شأن إيران، لأن أميركا لم تقدم أية تعهدات لبكين في شأن تايوان. وقال شي كلاماً صريحاً يتضمن تحذيراً من أن “الخلاف في شأن تايوان قد يدفع العلاقات بين البلدين إلى مسار خطير وحتى إلى صراع”. سبق للصين أن حذّرت البيت الأبيض من المضي في صفقة تسلح ضخمة لتايوان بدعم من مؤيدي الجزيرة في الكونغرس، تبلغ 14 مليار دولار.
وقد أوكل ترامب إلى وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يعتبر من “صقور الصين” في الإدارة الأميركية، تطمين تايوان بأن الموقف الأميركي من الجزيرة “لم يتغير”، بعدما ساور القلق المسؤولين في تايبه، من حصول مقايضة تفضي إلى تدخل لدى إيران لفتح مضيق هرمز في مقابل تغاضي واشنطن عن أية محاولة لضم الجزيرة بالقوة.
ومما يحد من تصعيد النبرة في موضوع تايوان، هو أن حرب إيران استنفدت الكثير من الذخائر الأميركية، في وقت تراقب الصين هذه الحرب وتستخلص النتائج منها.
إبّان الحرب الباردة، كانت القمم الأميركية-السوفياتية توعز بفترات من الانفراج على صعيد الأزمات الدولية. وبعد انتهاء الحرب الباردة، تربعت أميركا على عرش القطب الواحد، فذهبت إلى الحروب في العراق وأفغانستان ويوغوسلافيا. اليوم، فرض الصعود الصيني ثنائية قطبية، فإلى أين يتجه العالم من هنا فصاعداً.
