من هرمز إلى بكين.. إدارة الصراع لا حسمه!

انتهت القمة الصينية ـ الأميركية على أصوات الحرب مرة، وعلى أنغام السلام مرة أخرى. إنّها قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ أو قمة الثنائية القطبية الجديدة التي صارت سمة النظام الدولي بديلاً للأحادية القطبية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً.

ثمة مثل شعبي عربي قديم يقول “بينهم ما صنع الحداد”، وهذا القول ينطبق على أميركا والصين اليوم، لكن الطرفين قرّرا إدارة خلافاتهما دون احتكاك أو مواجهة أو تصادم. من جهة، بكين لا تريد أن تقف في مواجهة الولايات المتحدة، كما لا ترغب في أن تُشعر واشنطن بأنها تعمل ضدها، بل تحاول في كثير من الأحيان أن توحي بأنها تسير في المسار نفسه الذي تريده واشنطن. إنها استراتيجية «السير من دون أضواء». هذا الجو يكاد يُلخّص نتائج زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين يومي الخميس والجمعة الماضيين. زيارةٌ كان مُقدّراً لها أن تبحث في قضايا دولية وثنائية كثيرة، لكن اللافت للانتباه أن القمة لم تُفضِ إلى أي قرار أو اتفاق معلن بشأن أهم الملفات، مثل الرسوم الجمركية، تايوان، إيران، أزمات الشرق الأوسط، والذكاء الاصطناعي إلخ..

ذهب ترامب إلى بكين فيما حقيبته خالية من أي مقاربة واضحة لأهم قضية تهم الصين، وهي مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 80 في المئة من الطاقة التي تحتاجها بكين، إضافة إلى مرور نحو 60 في المئة من تجارتها عبر هذا المضيق الحيوي للاقتصاد العالمي. كما خلت الزيارة من أي تصور لاتفاق مع إيران ينهي الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط في 28 شباط/فبراير، تاريخ شن الحرب الأميركية اإسيرائيلية على الجمهورية الإسلامية. هنا لا بد من التذكير أن بكين انتقدت بشدة هذه الحرب على إيران واعتبرتها غير مبررة، كما انتقدت الحشود العسكرية الأميركية في شمال المحيط الهندي، باعتبار أن هذه المنطقة تمثل المجال الحيوي للصين. وفي المحصلة، ترى بكين أن حل الأزمات لا يكون عبر الخيارات العسكرية، بل من خلال المسارات السياسية والدبلوماسية، التي تعتبرها السبيل الأفضل لإنهاء النزاعات الإقليمية والدولية.

ولعل ميزة هذه القمة أن المجتمع الدولي بأسره كان يترقب نتائجها، لما للدولتين من تأثير مباشر وغير مباشر على مختلف الدول، ولا سيما ما يتعلق بتطورات مضيق هرمز، التي رفعت أسعار الطاقة وأدت إلى ارتفاع نسب التضخم والبطالة، وما تبع ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية عالمية. وربما كان الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرًا بتداعيات الحرب الأميركية ـالإسرائيلية على إيران، وما نتج منها من حشود عسكرية في شمال المحيط الهندي، والحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية.

السؤال المطروح: هل خرجت إيران من القمة منتصرة، أم أنها وُضعت في زاوية ضيقة وحرجة؟

في الواقع، كانت طهران من أكثر العواصم اطمئنانًا إلى نتائج هذه القمة، خصوصًا بعد زيارة وزير خارجيتها عباس عراقجي إلى بكين قبل أيام من وصول ترامب إليها، حيث نقل للمسؤولين الصينيين الموقف الإيراني بكل تفاصيله، من التصورات والأفكار إلى الأهداف، وصولًا إلى ما تريده طهران لإنهاء الحرب، ليس في إيران فحسب، بل في المنطقة بأسرها.

ويبدو أن الرئيس ترامب كان يريد من الصين مساعدته في إنهاء أزمة مضيق هرمز، بعدما عجز عن إقناع حلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي ودول أخرى بالوقوف إلى جانبه لفتح المضيق بالقوة العسكرية. وكان يأمل أن توافق بكين على المشاركة في عملية عسكرية لفتح المضيق، إلا أن الصين، التي انتقدت بشدة الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، اكتفت بالمطالبة بفتح المضيق أمام الملاحة البحرية.

وفي المحصلة، يمكن رصد الآتي:

  1. حافظت الصين على علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، ولم تقدم أي التزامات للولايات المتحدة بالتوقف عن استيراد النفط الإيراني. على العكس من ذلك، عبرت أكثر من عشر ناقلات نفط صينية المضيق الخميس الماضي، أي في اليوم نفسه الذي أجرى فيه ترامب مباحثاته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في رسالة واضحة تعكس طبيعة المقاربة الصينية تجاه إيران.
  2. ركزت بكين على الحلول السياسية والدبلوماسية لإنهاء الحرب وحل أزمة المضيق، بعيدًا عن الخيارات العسكرية.
  3. نددت الصين بالحشود العسكرية الأميركية في شمال مضيق هرمز، وبالحظر المفروض على الموانئ الإيرانية، مطالبة بعدم عسكرة المنطقة لما لذلك من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية على دول المنطقة كافة.
  4. استغلت بكين القمة لتعزيز دورها كوسيط محتمل، ما منح إيران مساحة أوسع للمناورة ضمن إطار «التوازن بين القوى الكبرى»، والسعي لتحقيق أهدافها المتعلقة بـ«المرور الآمن» في مضيق هرمز.

وفي نهاية المطاف، جاءت نتائج القمة محايدة إلى حد كبير بالنسبة إلى إيران، إذ لم تخسر طهران حليفها الصيني، كما لم تُفرض عليها شروط أميركية جديدة، وفي الوقت نفسه، بقيت بكين محافظة على موقفها التقليدي بالدعوة إلى إعادة فتح المضيق ورفض فرض رسوم عبور أو إخضاعه لسيطرة عسكرية.

في المقابل، ترى إيران أن المضيق يجب أن يكون مفتوحًا للجميع أو مغلقًا أمام الجميع، معتبرة أنه من غير المنطقي أن تتمكن سفن النفط والتجارة من عبور المياه الإقليمية الإيرانية، فيما تُمنع السفن الإيرانية من العبور، مهما كانت الاعتبارات القانونية الدولية. كما ترى طهران أنه ليس من الواقعية السياسية السماح بعبور قطع عسكرية وسفن تنقل تجهيزات عسكرية عبر المياه الإيرانية لتستقر لاحقًا في قواعد تُستخدم لمهاجمة إيران نفسها. وتقول طهران إن هذا الواقع، الذي كانت تتغاضى عنه في السابق، لم يعد مقبولًا منذ الآن، وهي تطالب بوضع بروتوكول واضح للمرور الآمن في المضيق.

إقرأ على موقع 180  "كورونا" ومستقبل أوروبا: مساران محفوفان بالمخاطر

ويبقى السؤال: هل تريد إيران فتح المضيق أم لا؟

لقد وضعت طهران خمس نقاط تعتبرها شرطًا أساسيًا لفتح المضيق قبل الذهاب إلى أي مفاوضات مقبلة، وهي:

  1. إنهاء الحرب في المنطقة بالكامل.
  2. رفع الحظر عن الموانئ الإيرانية.
  3. تحرير الأصول المالية الإيرانية المجمدة.
  4. تعويض الأضرار الناتجة عن الحرب.
  5. الاعتراف بحق إيران السيادي في مضيق هرمز.

في المحصلة، ما جرى في بكين لم يكن مجرد قمة سياسية عادية بين قطبين عالميين، بل لحظة كاشفة لتحولات عميقة في ميزان القوى العالمي. فواشنطن التي اعتادت فرض قواعد اللعبة بدت هذه المرة منشغلة بإدارة الخسائر واكتشاف حدود قوتها العسكرية، فيما ظهرت الصين أكثر هدوءًا وثقة في توسيع نفوذها من دون صدام مباشر. أما إيران، فقد حاولت تحويل الجغرافيا والطاقة والمضائق إلى عناصر قوة تفاوضية. وبين هذا كله، يبدو العالم وكأنه يدخل تدريجيًا مرحلة جديدة: لا حرب كبرى تحسم الصراع، ولا سلام قادر على إنهائه.

([email protected])

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية، طهران

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  شعوبنا و"الثورات".. العودة إلى الوراء!