العقد الاجتماعي الجديد.. هل هو الحل للبنان؟

مع البيان اللبناني الإسرائيلي الذي صدر برعاية أميركية، فجر الخميس الماضي، سواء حول ما يُسمى "وقف النار" أو ما تضمنه من بنود أخرى بينها أبرزها انهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، يزداد الوضع الداخلي تأزماً، في ظل تقديرات متباينة حول ما إذا كان هذا المسار من شأنه أن يضع لبنان، في المستقبل القريب، على سكة شبيهة بسكة السابع عشر من أيار/مايو 1983.

من جهة، تعاني بيئة المقاومة من تهجير وإفقار وتهجم وتنمّر وفي أحسن الأحوال من تجاهل مكشوف من قبل السلطة السياسية. فتقوم هذه الأخيرة باستنكار استهداف الآثار التاريخية أو المؤسسات الحكومية أو الهيئات الإغاثية، وتثور لاستهداف مناطق أو أناس خارج الجنوب والبقاع فتشاركهم أحزانهم وتعوّض عليهم وتقوم بالاتصالات الدولية لايقاف هذا الاستهداف. بالمقابل، تسكت عن استهداف المنازل والأرزاق والمدنيين المنتمين لبيئة معينة حتى لو لم تثبت أية صلة لهم بالمقاومة. وهذا يستبطن مقولة أن هذه البيئة تستحق هذا القصاص ثمناً لخياراتها السياسية، ولا سيما في المواسم الانتخابية، والتي تصب في مصلحة “ثنائي حزب الله – حركة أمل”.

في الجهة الأخرى، يسود احباط مماثل لأن المقاومة تمكنت من الصمود والبقاء على قيد الحياة وترفض أن تحول خسارتها إلى هزيمة استراتيجية، ولا تظهر في الأفق أية مؤشرات على قرب التخلص من سلاحها، في حين أن البلد بأكمله يدفع ثمن المواجهة العسكرية، وتدور ما يسمونه “حروب الآخرين على أرض لبنان”. وهو ثمن يرفضون دفعه، وبخاصة أنهم يعتبرون أنه لم يكن لهم رأي في هذه المواجهة وأكلافها، بل هم، وإن كانوا ضد اسرائيل بالمبدأ، لكنهم ضد خوض حرب غير متكافئة معها في حين تتجه معظم الدول العربية إلى إبرام اتفاقيات سلام معها. فلماذا الخروج عن الإجماع العربي وتدفيع لبنان الثمن من دون غيره من البلدان العربية والإسلامية؟

إذن ما الحلّ؟
في علم القانون الدستوري والفلسفة السياسية، إذا استثنينا النظرية الماركسية، تقوم نظريات نشوء الدولة على عدة أسس، أهمها نظرية القوة أو الغلبة ونظرية العقد الاجتماعي.

النظرية الأولى (نظرية القوة) تحدث عنها ابن خلدون في “المقدمة” من خلال مفهوم “العصبية”، ونظّر لها فلاسفة مثل نيتشه وتريتشكه وبدرجة أقل ماكس فيبر. وموجبها أن الدولة هي نتاج القوة والقهر، والسلطة تعود لمن يملك التفوق العسكري والقدرة على فرض الهيمنة وحماية السيادة.

أما النظرية الثانية (العقد الاجتماعي)، فتعود جذورها البعيدة إلى السفسطائيين في اليونان القديمة ومن بعدهم إلى القديس توماس الإكويني. لكنها تبلورت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع ثلاثة أعلام كبار هم توماس هوبز في كتابه “اللفياثان”؛ جون لوك في “رسالتين في الحكم المدني”، وجان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”.

لماذا تعاقب هذه الشريحة؟

لقد نشأ لبنان الكبير بمنظور الغلبة. فقد أعلنت قيامه قوة محتلة، هي فرنسا، برغم معارضة جزء كبير من أبناء المناطق التي شملها. كما أن الدستور الذي وضع آنذاك، برغم مشاركة بعض اللبنانيين في وضعه، كان أقرب إلى المنحة من السلطة المنتدبة. بالإضافة إلى تغليب قسم من اللبنانيين (المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً) على الفئات الأخرى عبر إعطائهم امتيازات في الحكم والسلطة جعلت الآخرين يشعرون بالغبن حتى حصول التعديل الدستوري الذي أعقب اتفاق الطائف عام 1989. وهذا برأيي، السبب الذي أدّى إلى عدم تبلور شعور بالمواطنة والانتماء الوطني وأوصل إلى الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975.. ولهذا بحث آخر.

وعشية خروج المحتل الفرنسي من لبنان عام 1946، أظهرت الواقعية السياسية أنه لا بد من الخروج من منطق الغلبة إلى منطق التشارك، فظهرت ملامح العقد الاجتماعي مع الميثاق الوطني (1943). لكن هذا العقد كان غير مكتمل وغير عادل، مع تهميش كبير للمسلمين عموماً وللمسلمين الشيعة خصوصاً، بما هم فئة كبيرة داخل المجتمع اللبناني، ما سهّل تناتشهم من قبل تيارات سياسية عديدة آنذاك، من يسار وشيوعيين وقوميين عرب وقوميين سوريين وبعثيين ومقاومة فلسطينية.

وقد استمرّ هذا الشعور بالحرمان لغاية مجيء الإمام السيد موسى الصدر وتأسيسه كياناً مستقلاً متماسكاً للشيعة، لكن سرعان ما تمّت إزاحته. إلا أن قيام الثورة الإسلامية في ايران (1979) عوّض هذا الغياب. في الوقت نفسه، كان الجنوب اللبناني يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، وسط وجود سلاح فلسطيني تحول من حليف إلى عبء ثقيل، وذلك بعد اتفاقية القاهرة (1969) التي أبرمتها الدولة اللبنانية ممثلة برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. وتدريجياً ساهم الدعم الإيراني في إخراج المحتلّ الإسرائيلي من جهة، وفي تدعيم حضور جماعة لبنانية معينة داخل التركيبة اللبنانية المشوّهة بالطائفية والمحاصصة، من جهة أخرى.

اليوم تشعر بيئة المقاومة بوجود نية مبيتة للعودة إلى منطق الغلبة. ففي حين يتفاخر البعض بارتباطهم بالأم الحنون فرنسا، والبعض الآخر بالحماية الأميركية، وآخرون بالحماية العربية عموماً والسعودية خصوصاً، ويتغافلون عن تنامي النفوذ التركي، إلخ… يعاقب الشيعة على علاقتهم بايران. دولتهم لا تحضنهم. ينامون في الخيم على الطرقات، تمارس السلطة رقابة مشددة عليهم داخل مراكز الايواء، يطردون من مناطق عدة، المساعدات التي تصل إليهم غير كافية. في فترة السنة وثلاثة أشهر خلال وقف إطلاق النار، قبل الحرب الأخيرة، تعمدت الدولة عدم إعادة الإعمار. تغافلت عن عمليات القتل اليومي حتى عند وقوع أبرياء ومدنيين وأطفال. اقتصر العمل الدبلوماسي على مراقبة أي تحرك ايراني ومحاولة تطويقه ومنعه، وصولاً إلى طرد السفير الإيراني. وانبرى الإعلام للتهديد والوعيد تارة بالاستقواء بالعدو الاسرائيلي وطوراً بالدخول السوري للانتقام.

إقرأ على موقع 180  بعدما تأكل الثور.. إجعلْ فمك مغلقاً!

المراجعات لا بد منها

وفي حين ما زال الدم يسفك، والناس ما زالت تلملم أشلاء شهدائها، والضمادات لا تزال على الجراح، تقوم الدولة بالتفاوض المباشر مع العدو. بعبارات أخرى، دون احترام لمشاعر الألم والثكل واليتم، تسارع لوضع يدها بيد القاتل المجرم الذي يرتكب كل جرائم الحرب الممكنة، وذلك بحجة التوصل لوقف النار، وهي تعلم أن هذا من المستحيلات، وأن مخرجات هذا الاتفاق ليست سوى غسل يد القتلة من دماء شعبها. بل هي تستند إلى قوة العدو لإخضاع فئة من شعبها. والعدو طبعاً سيطلب ثمناً لذلك من السيادة والنفوذ.

هناك مراجعات كثيرة ضمن البيئة الشيعية للأخطاء التي حصلت في الفترة السابقة، والتي ربما ارتكبت في فترة ذروة قوة حزب الله في الداخل. وهذا أمر مطلوب. لكن أيضاً من كل الفئات في لبنان. فمن الظلم تحميل الحزب كل أوزار المراحل السابقة، من الفساد والسرقة وصولاً إلى الانهيار المالي (2019) وانهيار الدولة وخدماتها بالكامل. تدهور وضع الدولة ليس نتيجة سياسات فريق واحد في لبنان. هي تراكمات منذ اليوم الأول لتأسيس الكيان حيث جُعِلت الطوائف اللبنانية “شعوباً وقبائل” متنافسة، مروراً بالاستقلال والأزمات التي تتالت وأدّت إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى فترة الوصاية السورية ثم الخروج السوري وما تلاه. يتحمل حزب الله وحلفاؤه جزءاً كبيراً من مسؤولية عدم بناء دولة سليمة، لكن مسؤوليته لا تقلّ عن مسؤولية الآخرين. مَن مِن الأطراف لم يتشاطر في السياسة ولم يستخدم التجييش والتحريض الطائفي، ولم يشارك في الفساد والمحاصصة بحجة حماية طائفته ومصالحه الشخصية على حساب المصلحة العامة الوطنية؟

وواهمٌ من يظن أن الاستقواء سيعيد بناء البلد. فتطبيق منطق الغلبة والتحريض على طائفة معينة ومحاولة القضاء على عناصر قوتها لن تبني دولة. إحباط أحد المكونات سيؤدي إلى دولة عرجاء قابلة للانفجار عند أول منعطف. المطلوب ليس هزيمة أحد بل انضواء الجميع تحت لواء دولة قادرة على توفير الحماية لكل أبنائها، لكن الأهم توافر الإرادة لحمايتهم لا للقضاء عليهم.

كيف يكون ذلك؟

بتغيير كل السياسات التي أعقبت اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وإعادة رسم سياسة جديدة قائمة على الاحتواء والتطمين لينضوي الجنوبيون تحت سلطة الدولة مطمئنين أنها دولتهم التي لا تعتقل لا مقاتليهم ولا صحافييهم وتحترم قياداتهم الدينية التي يتمّ تجاهل استشهادها في حين تنكس الأعلام ثلاثة أيام حداداً على ملكة انكلترا؛ دولتهم التي تضمن عدم تكرار الاعتداءات عليهم؛ تضع القوة التي يملكونها ضمن استراتيجية أمن وطني يطمئنون إليها، ليحسوا أنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن.

العقد الاجتماعي الجديد المفترض قيامه ينبغي أن يقوم على المساواة والعدالة لا على القهر والغلبة.

Print Friendly, PDF & Email
هالة أبو حمدان

أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فشل مفاوضات القاهرة.. من يكسُر الاستعصاء السياسي والميداني؟