ما بعد “التفاهم”: الأولوية لاستقرار الإقليم.. و”هندسة” التحالف الأميركي-الإسرائيلي

يدخل الشرق الأوسط مرحلة مفصلية قد تفضي إلى إعادة تشكيل معادلاته الجيوسياسية، في ضوء التفاهم الأميركي–الإيراني الذي لا تقتصر انعكاساته على احتواء التصعيد العسكري أو تنظيم الملفات النووية والأمنية، بل تمتد إلى إعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية وإعادة تعريف أولويات القوى الفاعلة في المنطقة.

من هذا المنطلق، لم يعد السؤال المركزي يتمحور حول احتمال تخلي الولايات المتحدة عن إسرائيل، بقدر ما يتصل بطبيعة التحولات التي قد تطرأ على هذا التحالف التاريخي وحدود إعادة صياغته بما ينسجم مع المصالح الاستراتيجية الأميركية.

ومنذ الاعتراف الأميركي بقيام إسرائيل عام 1948، ثم تعاظم الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، شكّلت إسرائيل أحد أهم مرتكزات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. غير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة، ولا سيما صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية وعودة روسيا لاعباً مؤثراً في التوازنات الدولية، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، انطلاقاً من ضرورة تفادي الانخراط في حروب استنزاف طويلة الأمد من شأنها إضعاف قدرتها على مواجهة تحديات المنافسة الدولية.

وفي المقابل، باتت شبكة العلاقات الأميركية مع الدول العربية والخليجية تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، ليس فقط من زاوية أمن الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية، بل أيضاً من زاوية الاستثمارات والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الدور المتنامي لتركيا باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية لحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز التنسيق مع أنقرة في ملفات الأمن البحري والاستقرار الإقليمي، ضمن رؤية تهدف إلى منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مستمرة.

ومن الناحية الجيو-اقتصادية، لا تقتصر حسابات واشنطن على البعد العسكري للتحالف مع إسرائيل، بل تشمل شبكة مصالح اقتصادية واستراتيجية أوسع مع الدول العربية والخليجية. وبرغم أن إسرائيل تمثل أحد أهم الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 54 مليار دولار عام 2025، موزعة بين صادرات أميركية تقارب 24 مليار دولار وواردات من إسرائيل بنحو 31 مليار دولار، فإن المصالح الأميركية مع دول الخليج تتجاوز هذا الإطار الثنائي لتشمل التجارة والاستثمارات والطاقة والصناعات الدفاعية والممرات البحرية الحيوية. فقد بلغت الصادرات الأميركية إلى المملكة العربية السعودية نحو 14.1 مليار دولار عام 2025، فيما بلغت الواردات الأميركية منها نحو 10.9 مليارات دولار، ليصل إجمالي التبادل التجاري إلى نحو 25 مليار دولار. كما بلغ حجم الصادرات الأميركية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حوالي 31.4 مليار دولار، مقابل واردات أميركية بنحو 7.9 مليارات دولار، ليصل إجمالي التجارة الثنائية إلى ما يزيد على 39 مليار دولار، وهو رقم يقترب من حجم التجارة الأميركية مع إسرائيل. أما قطر، فقد بلغت الصادرات الأميركية إليها نحو 4.4 مليارات دولار، مقابل واردات بنحو 2.1 مليار دولار، بإجمالي تبادل تجاري يقارب 6.5 مليارات دولار.

وبناء عليه، فإن إجمالي المبادلات التجارية الأميركية مع السعودية والإمارات وقطر وحدها يناهز 70 مليار دولار سنوياً، من دون احتساب العلاقات الاقتصادية مع الكويت والبحرين وسلطنة عمان، فضلاً عن الاستثمارات السيادية الخليجية الضخمة في الأسواق الأميركية وصفقات التسليح والتكنولوجيا والطاقة، فضلا عن تواجد قواعد عسكرية أميركية في هذه الدول.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة “إسرائيل أو الخليج”، بل أمام ضرورة إدارة شبكة مصالح مترابطة ومعقدة. غير أن الوزن الجيو-اقتصادي والاستراتيجي المتنامي للعالم العربي والخليج، بالتوازي مع المنافسة المتصاعدة مع الصين وروسيا قد يدفع واشنطن إلى إعطاء أولوية متزايدة للاستقرار الإقليمي لمنع تمدد بكين وموسكو جرّاء أي فراغ يُمكن أن ينشأ في المنطقة حاضراً أو مستقبلاً.

وفي هذا السياق، تبدو الإشكالية بالنسبة إلى واشنطن مرتبطة بطبيعة السياسات التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو أكثر من ارتباطها بإسرائيل كحليف استراتيجي. فالحروب المفتوحة، والتصعيد المتواصل، وانعكاسات التوترات العسكرية على الممرات البحرية وأمن الطاقة، وما يترتب عليها من أضرار مباشرة وغير مباشرة لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج والعالم العربي، كلها عوامل دفعت دوائر صنع القرار الأميركي إلى إعادة تقييم أولوياتها الإقليمية.

وتزداد أهمية هذه المقاربة في ظل التفاهم الأميركي–الإيراني الذي يهدف إلى احتواء التصعيد، وضمان أمن الملاحة الدولية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وفي هذا الإطار، اكتسبت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس دلالات سياسية تتجاوز بعدها المالي، عندما أشار إلى أن دافعي الضرائب الأميركيين يتحملون أعباء الدعم العسكري لإسرائيل، بما يعكس تنامي النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة الانخراط في الصراعات الإقليمية ومدى انسجامها مع المصالح الإستراتيجية الأميركية.

كما حملت مواقف الرئيس دونالد ترامب مؤشرات سياسية لافتة للانتباه، بعدما امتنع عن تأكيد دعمه المطلق لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وربط موقفه بطبيعة المرشح المنافس، برغم مطالبته سابقاً بمنح نتنياهو عفواً في ملفات الفساد التي يخضع بموجبها للمحاكمة. ويعكس هذا التحفظ المتزايد توجهاً أميركياً نحو الفصل بين الالتزام الاستراتيجي بأمن إسرائيل وبين استمرار دعم حكومات بعينها، خصوصاً إذا تعارضت سياساتها مع المصالح الأميركية العليا أو هددت شبكة التحالفات الإقليمية التي بنتها واشنطن على مدى عقود.

إقرأ على موقع 180  قيادة "التيار الحر": بعد دياب.. ليس مضموناً ولادة حكومة جديدة

وانطلاقاً من ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في إعادة هندسة التحالف بين واشنطن وتل أبيب بما يسمح بظهور قيادات إسرائيلية أكثر براغماتية وأقل ميلاً إلى الحروب المفتوحة والمغامرات الجيوسياسية، بما يضمن أمن إسرائيل من جهة، ويحافظ على المصالح الأميركية وتحالفاتها وأولوياتها من جهة أخرى.

انطلاقاً من ذلك، قد تكون المنطقة أمام انتقال تدريجي من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة إدارة التوازنات، حيث تصبح المصالح القومية الأميركية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومنع تمدد القوى الدولية المنافسة، عناصر حاكمة في رسم السياسة الأميركية الجديدة.

ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد التفاهم الأميركي–الإيراني قد تشكل بداية لإعادة تعريف أولويات واشنطن وحدوده مع تل أبيب، ضمن معادلة جديدة تجعل المصالح الاستراتيجية الأميركية فوق اعتبارات الأشخاص والحكومات، وتؤسس لتوازنات إقليمية أكثر استقراراً على المدى الطويل. وفي هذا السياق، قد لا يكون التغيير في جوهر التحالف الأميركي مع إسرائيل، بقدر ما سيكون في طبيعة القيادة الإسرائيلية التي تراها واشنطن أكثر انسجاماً مع استراتيجيتها الجديدة القائمة على إدارة التوازنات، لا على الحروب المفتوحة.

Print Friendly, PDF & Email
رانيا حتّي

كاتبة وأكاديمية لبنانية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  نصرالله والحريري.. الإشتباك أم صناعة الأمل؟